أبحاث ودراسات

حلف بغداد الجديد

د. سعدي الابراهيم

ان المتتبع للانعكاسات التي خلفتها الخطوة الكردية نحو الانفصال عن العراق، والمتمثلة بالاستفتاء الذي حصل في اقليم كوردستان يوم 25 ايلول 2017، سيلاحظ بأنها قد بثت الروح في فكرة قديمة كانت قائمة قبل عام 1958، وهذه الفكرة انما تتمثل بأحياء حلف بغداد الذي كان يضم عدة دول اقليمية وهي : تركيا والعراق وايران وباكستان. فضلا عن بريطانيا والولايات المتحدة التي فضلت ان تكون جهة داعمة ومؤيدة للحلف. وكان من بين اهم الاهداف التي تشكل بموجبها هو الدفاع عن امن وسلامة و وحدة الدول الاعضاء فيه .

حلف بغداد الجديد لازال في قيد التشكيل لكنه واقعا موجود. الدول الثلاثة : تركيا وايران والعراق متفقة على ان مصلحتها تقتضي بإجهاض كل محاولة كردية للانفصال او العصيان . لكن هذا الاتفاق المبدئي غير كافي ويبقى هش مالم يتم تضمينه في معاهدة رسمية معلنة او حتى غير معلنة، مع ان اعلانها افضل كونه سيوصل رسالة الى القوى السياسية الكردية في شمال العراق تحذرها من المس بالآمن القومي الاقليمي .

اما بالنسبة لعدد الدول التي من الممكن ان تكون جزئ من الحلف، فليس من الضروري ان تقتصر على الدول الثلاث اعلاه، بل من الممكن ان تتوسع لتشمل كل الدول العربية المحاذية للعراق، كخطوة اولى، كونه البلد المرشح للتقسيم بشكل اكثر من غيره، وهذه الدول العربية هي: السعودية والكويت والاردن وسوريا .

ربما ان ضم الدول العربية المحاذية للعراق يعد امرا مستغربا، على اعتبار انها لم تكن في حلف بغداد القديم كون اغلبها لم يكن موجودا كدولة مستقلة في ذلك التاريخ، فضلا عن ان هناك وجهة نظر عربية قديمة ترى ان تحقيق الدولة العربية الكبرى يقتضي بطبيعة الحال انفصال الاكراد عن العراق، فليس من مصلحتهم وليس من مصلحة دولة العرب القومية ان تحشر بين صفوفها مكون غير راغب بالانضمام اليها . لكن هذه النظرة قد تغيرت في هذه المرحلة، ومن اهم اسباب التغيير ان عصر العولمة وعصر القطبية الاحادية هو غير عصر الثنائية القطبية، اذ ان اي شرارة للتقسيم تنطلق في اي دولة عربية فأنها ستنتقل الى كافة دول الاقليم عاجلا ام اجلا، خاصة في حال انطلاقها من العراق، كما هو حال اسقاط الانظمة السياسية التي كانت بدايتها من العراق، ثم انتقلت الى محيطه . ومن ناحية ثانية، فان العرب متيقنين بان الدولة الكردية لا يمكن لها ان تقوم بسبب الفيتو التركي – الايراني، وبالتالي في حال دعمها سوف تذهب جهودهم هباء ، وفي الوقت نفسه سوف يخسرون علاقاتهم الودية مع العراق الذي سيرمي بنفسه في احضان تركيا وايران .

ومن الممكن ان يتوسع الحلف مرة اخرى، ليضم دولا غير عربية، تكون محاذية لتركيا وايران، والغاية من هذه التوسعة ليس منع الاكراد من تشكيل دولتهم، وانما الوقوف بوجه المشاريع العالمية التي تقودها الولايات المتحدة الامريكية، ومن اهمها مشروع الشرق الاوسط الكبير، او مشروع تغيير خرائط دول المنطقة، عن طريق زرع بذرة عدم الاستقرار والفوضى فيها.

لكن هل تقبل الولايات المتحدة العودة الى عصر المعاهدات الاقليمية السرية والعلنية؟ ، خاصة وان مضمون المعاهدات المرشحة تتضمن الوقوف بوجه سياساتها في المنطقة؟ يضاف الى ذلك مسألة عضويتها من عدمه؟

ربما ان تهويل المعاهدة او البوح بها يشكل  خطرا على الدول الاعضاء، بالأخص العراق وايران، كون كلا البلدين يحتاج الى الدعم الامريكي او الحياد الامريكي، وفي حال الاقدام عليها فقد تتعرض بلدانهم للضغط من قبلها (اي امريكا) . ومن جهة اخرى فأن البعض من الدول المرشحة للدخول في حلف بغداد الجديد تريد ان تستخدم الورقة الكردية ضد الدول الاقليمية الاخرى ، وبالتالي فهي لن تكون مستعدة ان تقيد نفسها في معاهدة تلزمها على الوقوف بوجه الانفصال الكردي .

اذن، اذا كانت تركيا وايران والعراق وسوريا، تفترض مصالحهما المتبادلة احياء حلف بغداد من جديد، فأن بقية الدول في المنطقة قد لا تجد ان مصالحها تتحقق في الانضمام اليه .

السابق
معهد واشنطن: المعارك التي خاضتها حكومة العبادي منذ 2014 فرصة تاريخية للنجاح الباهر
التالي
بالصورة .. اللحظات الاولى لرفع العلم العراقي فوق معسكر “k1”

تعليق واحد

أضف تعليقا ←

  1. وصفي قال:

    أنه مقال في غاية الدقه وله أهمية كبيره في الواقع المعاصر حيث أن الدكتور سعدي ترجم مايحصل ومايمكن أن يحصل في هذا المقال وعلى المهتمين أن يستفيدوا منه علنا نستطيع أسماع اصماء الساسه ذات الرأي

اترك تعليقاً