أبحاث ودراسات

حيدر العبادي ينجح في الوظيفة ألاصعب في العالم

حافظ  رئيس الوزراء العراقي على وحدة بلاده رغم اعباء الحرب والأزمة المالية التي تعاني منها بلاده. ومعركته المقبلة العام المقبل ستكون محاولة الفوز بالانتخابات من اجل التجديد لولاية ثانية مدة اربع سنوات.

 

بغداد – بعد ظهر يوم حار من شهر تموز فى وسط مدينة الموصل، تجمع حشد للاحتفال بتحرير المدينة. بدأت الشمس تميل نحو المغيب، وكان الأطفال يرقصون ويلوحون بالاعلام العراقية في حين  كان الشبان يتموضعون لالتقاط الصور الذاتية وينظرون عبر نهر دجلة، حيث يقترب القتال الشرس من نهايته في البلدة القديمة.

 

وبدأت قافلة من السيارات المصفحة في المرور الى جانبهم ، ثم توقفت فجأة. واقتربت سيارة دفع رباعي بيضاء ذات نوافذ سوداء اللون من الرصيف، وفي لحظة كانت محاطة بحراس شخصيين يحملون أسلحة آلية. تم بدأ الحشد بالهمس والنظربفضول. البعض كان مترددا واومأ بالابتعاد في حين وقف آخرون على اطراف أصابعهم للحصول على نظرة أفضل. كانت آخر قافلة مماثلة شاهدتها عندما اجتاحت ما يسمى بالدولة الإسلامية الموصل قبل ثلاث سنوات، ولكن هذه السيارات تحمل العلم العراقي وليس الراية السوداء للجماعة المسلحة.

 

ثم ظهر رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي من بين حشد من عشرات الحراس الاقوياء البنية، مرتديا زيا اسود وقبعة بيسبول.واندفع الحشد نحوه، وأمنه يكافح لحملهم على العودة ،وهم يهتفون باناشيد الترحيب وهو يلوح لهم. بدا الحراس ينظرون حولهم بعصبيه، وكان لا يزال إطلاق النار والانفجارات تتردد عبر النهر ، وليست لديهم طريقه لتقييم التهديدات المتعددة المحتملة التي يواجهونها. وجوههم المتوترة تتناقض مع المظهر المريح لرئيس الوزراء.  ولم يرحب شعب الموصل بأي سياسي عراقي آخر في العراق بعد عام 2003 بنفس الطريقة التي رحب بها  بحيدر العبادي.كانت احدى العلامات، بين مناسبات متزايده، أن العبادي ينجح في وظيفة قد تكون الأصعب في العالم.

يوم الأحد الفائت، أمر رئيس الوزراء العراقي القوات المسلحة الاتحادية بإعادة الانتشار إلى قواعد عسكرية ومرافق نفطية في كركوك، والتي تم إخلاءها في حزيران / يونيو 2014، ثم سيطرت عليها حكومة إقليم كردستان في أعقاب هجوم الدولة الإسلامية. وكانت هذه خطوة جريئة من العبادي ردا على الاستفتاء المثير للجدل الذي أجرته اربيل والذي يدعو السكان إلى الموافقة على الاستقلال. وعلى الرغم من الاشتباكات المتفرقة والقليلة، انتهى الوضع وحسم لصالح جيش العبادي مع استعادة الحكومة الاتحادية السيطرة على كركوك بعد ساعات قليلة، مما عزز سمعة العبادي كزعيم حاسم وناجح، في مواجهة التحديات  الصعبة للغاية.

ونظرا لكونه رئيس الوزراء العراقي الذي يقوم بمحاربة الدولة الاسلاميه ، فانه يمنع استخدام البلاد كفضاء لحروب بالوكالة من قبل الدول الاقليميه والدولية ، ويجاهد للإبقاء علي الرواتب والمعاشات التقاعدية ، وفي وقف الفساد ومنعه من نهش البنية التحتية والمالية، ومنع مجموعة من المناورات السياسية للسيطرة على أجزاء من الدولة كاقطاعيات شخصية أو حزبية .

حقيقة ان العبادي قد نجح بشكل جيد منذ 2014 وكان ما حققه مفاجاه ساره لكثير من العراقيين. ويتمثل التحدي الذي يواجهه العبادي الآن في الاستفادة من هذه النوايا الحسنة للفوز باعادة انتخابه في العام القادم حتى يتمكن من مواصلة الصراع لإصلاح السياسة العراقية.

وهو بالتاكيد ، وبصورة مبررة ، سبكون الزعيم في زمن الحرب الذي سحب بلده من حافة الهاوية. وفي هذا الشهر ، أعلن رئيس الوزراء النصر في الحويجة، وهي آخر بلدة في شمال العراق ما زالت الدولة الاسلاميه محتفظة بها. وقد أدت النجاحات في ميدان المعركة إلى تحسن الأمن في جميع انحاء البلد، حيث شهدت أماكن مثل بغداد ادنى معدل للهجمات الارهابيه منذ 2003. وقد تحسن الأمن في محافظه الانبار الغربية بما فيه الكفاية للسماح باعاده فتح الطريق السريع بين بغداد وعمان والمعبر الحدودي مع الأردن. وتتوقع الحكومة العراقية انه بحلول نهاية هذا العام ستهزم الدولة الإسلامية وستعود جميع الأراضي العراقية إلى سيطرة الحكومة.

ويمكن للعبادي أيضا ان يشير إلى النجاحات التي حققتها سياسته الخارجية. وقد وضع العراق ببراعة علي الساحة الدولية ، مصرا علي حياد البلاد عن الخلافات الجيوسياسية فى المنطقة. وكانت زيارته للمملكة العربية السعودية هذا العام معلما بارزا في العلاقات العراقية السعودية: لم يزرها اي زعيم عراقي منذ عقود ، وكانت العلاقات بين البلدين عدائيه منذ فتره طويلة ، واتهم العراقيون مؤخرا السعوديين برعاية ارهاب القاعدة في العراق. والآن ، توصل الجانبان إلى تسوية مؤقتة ، فالسعوديون يقبلون بان يظل العراق حليفا لإيران ، وان الجانب العراقي مستعد للانفتاح على جارته العربية. كما تمكن العبادي من الحد من نفوذ إيران في العراق من خلال ضمان قياده العمليات العسكرية من قبل الجيش العراقي والوحدات المدربة من قبل التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة مثل جهاز مكافحه الإرهاب بدلا من الجماعات شبه العسكرية الموالية لإيران. كما انه ابقى العراق خارج الحرب في سوريا وذكر مرارا ان العراق لن ينضم إلى اي محور أو اي جانب في الشرق الأوسط. وقد كان هذا العمل المتوازن صعبا بالنسبة لرئيس الوزراء ، ولكن العبادي نجح في القيام بذلك.

كما يعود الفضل لرئيس الوزراء  في قيادة العراق من خلال أزمة مالية كبيرة ناجمة عن انهيار أسعار النفط. وأدى مزيج من التخفيضات في الإنفاق وزيادة صادرات النفط ومبيعات السندات والتمويل من صندوق النقد الدولي إلى الحد من التضخم، وأبقى الحكومة تعمل حتى وهي تخوض حربا مكلفه. وهذا الاستقرار الآن يبعث علي التفاؤل بشان المستقبل ، مع توقع أن يستمر إنتاج النفط في كسر مستويات قياسية واستعادة نمو الناتج المحلي الإجمالي . ومن المتوقع ان تجتذب اعادة العلاقات بين العراق والسعودية استثمارات اجنبية كبيرة، كما ان شركات من اوروبا والولايات المتحدة والصين وكوريا الجنوبية تزيد من عملياتها فى العراق. هذا العام، بدأت بريطانيا برنامجا لتمويل الصادرات بقيمة 13 مليار دولار على مدى 10 سنوات، وتواصل هيئات مثل الأمم المتحدة والبنك الدولي تقديم مليارات الدولارات سنويا في شكل مساعدات وتمويل.

كما تقوم حكومة العبادي بخطوات كبيرة في التغلب على الأزمة الإنسانية المستمرة في البلاد. وقد عاد أكثر من مليوني نازح داخليا إلى ديارهم حتى الآن، مما يبعث الأمل لدى باقي المليوني نازح.

ان الانتصارات العسكرية الاخيره تحمل امكانية أعادة توجيه السياسة العراقية ومنع الجماعات مثل الدولة الاسلاميه من الظهور مجددا في المستقبل. وفي المناطق المحررة ، حيث قد تكافح الحكومات العراقية المتعاقبة والقوات العسكرية الامريكيه  التمرد ، رحب السكان السنة إلى حد كبير بقوات الأمن العراقية. ويجري حاليا أعادة بناء مدن مثل الفلوجة والموصل وأعاده توطينها بدعم محلي ووطني ودولي. ويجري تنفيذ أكثر من 1.000 مشروع لأعادة التاهيل في 23 منطقة محررة نتيجة لهذا التعاون.

وقد بلغت معدلات تأييد العبادي في المناطق ذات الاغلبية السنية مستويات مرتفعة تاريخيا بالنسبة لرئيس الوزراء ، وربما كان السياسي الوحيد القادر علي زيارة كل مدينه عراقية ويلقى ترحيبا حارا. وقد شهد ظهور قاعده من المؤيدين الذين يدعمون موقفه القومي والمناهض للطائفية وهم علي استعداد لدعم تحالف عرقي-طائفي  اكثر من ذلك القائم على اساس الهوية التقليدية.

وبالنسبة لكل التقدم الذي أحرزه العراق، يواجه العبادي تحديات خطيرة جدا في الأسابيع والأشهر المقبلة. أولا، كما تظهر المواجهة على كركوك،  فان استفتاء حكومة إقليم كردستان بشان الاستقلال يمكن ان يشعل فتيل الصراع للسيطرة على الأراضي المتنازع عليها. وهناك تهديد خطير بالتدخل من جانب تركيا وإيران، لذلك يجب على العبادي أن يعمل على الدفاع عن السلطة الفيدرالية على المنطقة، وأن يظهر أن البلاد لا تتفكك، وأن يحمي المواطنين الأكراد من الصراع. والتحدي الثاني الذي يلوح في الأفق هو أن العراق ما زال يعتمد على صادرات النفط بالنسبة للغالبية العظمى من إيراداته؛ وقد يؤدي انخفاض آخر في أسعار النفط إلى إلحاق الضرر بالانتعاش الاقتصادي الناشئ. ويتعين علي العراق  تسريع وتيرة الإصلاحات الاقتصادية والمالية لمواكبة النمو السكاني والنمو في الطلب على النفط. ثالثا، قد تستعد الخلايا السرية التابعة للدولة الاسلاميه لشن موجة من الهجمات الارهابيه-وهو تطور يمكن ان يؤدي إلى تدهور الحالة الامنيه وتاجيج الغضب إزاء إخفاقات الحكومة.

ولكن ربما يكون التحدي الأهم الذي يواجه العبادي هو الفساد المنهجي والمستوطن الذي لا يزال يدمر العراق ويعكس أي مكاسب تحققت. يجب على أي شخص ينتخب رئيسا أو رئيسا للوزراء أو ممثلا في النظام البرلماني العراقي أن يعتمد على عدد لا يحصى من الأحزاب للتصويت اللازم. ويتوقع كل حزب، في المقابل، أن تخصص له مناصب وزارية ومناصب عليا، ومن ثم من المتوقع أن يدعم من هم في السلطة أحزابهم من خلال التعيينات، والرشوة، وأيا كانت وسائل الفساد الأخرى التي يمكن أن يفلتوا منها. وهذا يضعف الثقة في الحكومة ويحول الأموال القيمة والمكاسب الاقتصادية إلى جيوب النخبة الحاكمة ومؤيديها.

إن إصلاح هذه المشاكل سيكون مهمة هائلة لأقوى الحكومات، ولكن يبدو أنه لا يمكن التغلب عليها تقريبا نظرا للحالة الغادرة للسياسة العراقية. تعمل الحكومة العراقية من خلال تحالفات تتألف من أعداء ومتنافسين، وهي وصفة تجعل التقدم بطيئا بشكل معروف.. هناك دعوات لحكومة تكنوقراطية مع العبادي على رأسها، وتحريره من أجل دفع الإصلاحات، ولكن هذه الإجراءات معارضة من قبل االأحزاب  الرئيسية.

وبينما يحافظ على تأييد شعبي ودولي كبير، أظهر خصوم العبادي أنهم لن يتوقفوا عن أي شيء لمنعه من النجاح، وذهبوا بعيدا إلى حد شل البرلمان واحتلاله ماديا. وتوفر وسائل الإعلام العراقية، التقليدية والرقمية، منبرا للمعارضين الذين يفبركون مزيج من نظريات المؤامرة، والأخبار المزيفة، والخطابة التحريضية، ويصورون العلل التي يعاني منها العراق بسبب رئيس الوزراء الضعيف. حتى أولئك الذين هم حلفاء سياسيون له اسميا من الكتلة الحاكمة في البرلمان قد ضايقوا حكومته، قاموا بتطهير الوزراء ، وعكس الإصلاحات في محاولة لاضعاف موقفه. وقد دعت المظاهرات الضخمة في صيف عام 2015 العبادي إلى تحدي المصالح السياسية الراسخة، وطالب آية الله علي السيستاني بضرب الفساد “بقبضة حديدية”،ولكن هذه التحركات قوبلت بمعارضه موحدة من قبل الطبقة السياسية ، التي ترغب في الحفاظ علي الوضع الراهن.

ومن شأن الانتخابات المحلية والوطنية  المقبلة  في العراق، التي من المقرر إجراؤها في نيسان / أبريل 2018، أن تحدث تغيرا  في المشهد الانتخابي للبلد. وقد تؤدي النتائج إلى صدمة للنظام السياسي، حيث ان الناخبين يتحولون إلى مرشحين شاركوا في الحملة ضد الدولة الاسلامية. سوف يحصد العبادي بعض المكافآت من هذا المزاج، ولكن أيضا قادة قوات الحشد الشعبي، وهي مجموعة شبه عسكرية من المتطوعين الشيعة في الغالب يعود اليهم الفضل إلى حد كبير في وقف هجوم الدولة الإسلامية نحو بغداد والمقاطعات الجنوبية في عام 2014.

إن ميزة العبادي الأكبر في سعيه إلى البقاء رئيسا للوزراء لفترة أخرى ستكون سمعته كرجل موثوق و نزيه – وليس فقط مع العراقيين. ومن المؤكد أن المجتمع الدولي حريص على أن يرى الاستقرار الذي  قدمه واتسع نطاقه منذ عدة سنوات. وكما قال لي أحد الدبلوماسيين الغربيين: “نريد من العبادي أن يبقي، وسوف نبذل قصارى جهدنا لدعمه.

لكنه يحتاج إلى دعم دولي، وعلى الأخص لتخفيف الضائقة المالية في العراق وتحسين الحكم. وهناك بالفعل تقدم جيد على الجبهة الاقتصادية، ولكن يمكن القيام بالمزيد فيما يتعلق بتشجيع الاستثمار الأجنبي وتخفيف عبء الديون وزيادة التجارة. كما ينبغي للمجتمع الدولي أن يقدم المزيد من المساعدة للعراقيين لتطوير مؤسساتهم ووكالاتهم والاكثر اهمية  هو مكافحة الفساد ومنعه. كما أنها يمكن أن تساعد في تعزيز الحكم المحلي الفعال والديمقراطي في المحافظات العراقية، بما في ذلك إقليم كردستان، وضمان توزيع موارد العراق على النحو المناسب والمحاسبة بشأنها. وسيساعد ذلك على نزع فتيل التوترات حول كركوك وبناء المزيد من الثقة في المفاوضات بين الحكومة الاتحادية والحكومة المحلية.

وكما أظهرت الانتصارات العسكرية الأخيرة، انه يمكن للعراق أن يحرز تقدما هائلا في القيادة الصحيحة وبدعم دولي. إن الدول التي ساعدت العراق على إحراز تقدم كبير في هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية يمكنها  أن تساعد الآن على إبقاء البلاد والمنطقة على طريق الاستقرار وإعادة الإعمار من خلال دعم محاولة إعادة انتخاب العبادي.

إذا نجح العبادي، سيكون أمام العراق فرصة أكبر للنجاح. وسيكون ذلك أفضل طريقة لإثبات أن الديمقراطية يمكن أن تعمل وتنجح في الشرق الأوسط.

بقلم سجاد زياد

فورين بوليسي

16 أكتوبر، 2017

السابق
البيشمركة تسلم مواقعها للجيش العراقي وتنسحب
التالي
البيشمركة المهزومة تتوعّد العبادي!

اترك تعليقاً