اخترنا لكم

خطة كوشنر.. اغتيال مشروع الدولة الفلسطينية وإلغاء حق العودة

تخيل – إن شئت – أننا ربيع عام 2017، وأنك “جاريد كوشنر”، صهر الرئيس الأمريكي الذي أقسم اليمين الدستورية مؤخرا وأنه جعلك مبعوثا خاصا مسؤولا عن وضع الصفقة النهائية لتحقيق السلام للفلسطينيين والإسرائيليين.

وبينما تفكر في منصبك السياسي الجديد في قلب بناية فارهة في مانهاتن تشاهد من نافذتها المديرين التنفيذيين في وول ستريت يدخنون السيجار الكوبي تقفز إلى ذهنك فجأة هذه الفكرة الإبداعية الشيطانية حول انتشال الفلسطينيين من فقرهم المستمر منذ عقود. تطلب من النادل أن يأتيك بقلم وورقة على وجه السرعة، وتبدأ على الفور في تدوين عناصر برنامج اقتصادي مدته 10 أعوام يعمل على إصلاح أوضاعهم القاسية، حتى يتمكنوا في النهاية من تعلم كيفية حكم أنفسهم.

حسنا، يمكن للمرء أن يتخيل بسهولة هذا السيناريو عند قراءة خطة “الازدهار من أجل السلام” التي تطرحها إدارة “ترامب”، وهي عبارة عن رؤية جديدة للشعب الفلسطيني والشرق الأوسط الكبير، تم الإعلان عنها في 22 يونيو/حزيران.

وتتألف الخطة من “رؤية” اقتصادية لـ “تمكين” الفلسطينيين، و”تعزيز” حكمهم، و”دمج” اقتصادهم مع اقتصاد الشرق الأوسط الكبير من خلال التجارة والاستثمار. وتقترح الرؤية مشاريع وبرامج اقتصادية محددة يتم تمويلها من خلال منح وقروض واستثمارات أجنبية. لكن ما يكمن وراء العناصر المختلفة للخطة هو التجاهل المؤسف والمأساوي للظروف التي تعرقل التنمية الفلسطينية.

ومن المهم تحليل أوجه القصور الأساسية في عناصر هذه “الرؤية” المزعومة. ومن الواضح أن “كوشنر” وفريقه يفتقرون إلى الخلفية والمعرفة المهمة بالاقتصاد السياسي، ودراسات التنمية والثقافة، وفي المقام الأول، الحقائق الكبرى حول حياة الفلسطينيين تحت الاحتلال العسكري الإسرائيلي.

الحقائق الكبرى

وربما تستحضر محاضرات “كوشنر” حول أهمية سعي الفلسطينيين لإصلاحات تساعد الاستثمار والنمو أمثلة من كوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان واليابان، كدول استطاعت بناء اقتصادات حديثة. ولقد أنجزت هذه البلدان بالتأكيد معجزات اقتصادية، جعلت منها “نمورا آسيوية”؛ ومع ذلك، أولا وقبل كل شيء، يجب على المرء أن يعترف بأنها جميعا دول مستقلة.

وثانيا، أنها أدركت هذا النجاح الاقتصادي من خلال تطبيق نموذج “الدولة التنموية” المبني على الاقتصاد السياسي، الذي تكون فيه الدولة هي الفاعل الاقتصادي المحوري والمنظم للاقتصاد. وفي هذا النموذج، تدخلت الدولة ومؤسساتها في التنظيم والتخطيط، وكذلك في العمل كقناة للاستثمار في القطاعات الصناعية وغيرها.

وهناك سبب واضح يجعل من الصعب تخيل أن هذا هو النموذج الذي يدعو إليه “كوشنر” وشركاه ويتخلص هذا السبب ببساطة في غياب الدولة الفلسطينية المستقلة التي قد تضطلع بمثل هذه الحملة التنموية. ومن المؤكد أنه لا أحد في إدارة “ترامب” يؤمن بأن هذه الدولة يجب أن تتشكل، وعلاوة على ذلك، من الواضح أن الإدارة لا تعتبر الفلسطينيين جهة فاعلة سياسية أو اقتصادية مستقلة لذا فإنها ليست مهتمة بتطوير مؤسسات الدولة المستقلة للإشراف على الرؤية الأمريكية لاقتصاد رأسمالي بقطاع خاص مزدهر.

وينطبق الشيء نفسه على توصيات الخطة حول رأس المال البشري، باعتباره ضرورة للتنمية الاقتصادية وريادة الأعمال والابتكار وخلق الأعمال. ومرة أخرى، يريد الحالمون في خطة “كوشنر” تطبيق نماذج ألمانيا والسويد لإنتاج أجيال قادمة من قادة الأعمال الفلسطينيين.

وربما يكون الفريق الأمريكي غير مدرك لوجود الكثير من هؤلاء الفلسطينيين بالفعل، ولكنهم محبطون بسبب الاحتلال والحصار الإسرائيلي، ومنعهم من بناء شركات مزدهرة، ناهيك عن التدخل في تنظيم مجتمعاتهم وحياتهم اليومية.

علاوة على ذلك، تقطع الخطة رحلة خيالية عندما تتحدث عن إنشاء طرق وشبكات سكة حديد، دون مراعاة عشرات نقاط التفتيش والحواجز الإسرائيلية في الضفة الغربية التي تمنع الناس لساعات من القيام بأكثر أنشطة الحياة الأساسية، مثل الذهاب إلى المدرسة أو الجامعة أو المستشفى، أو الوصول إلى أراضيهم الزراعية، أو توصيل البضائع وحضور الاجتماعات.

وتغاضى فريق “ترامب” بشكل كبير عن الحصار الاقتصادي المفروض على غزة منذ 12 عاما، وهي أرض تخلق فيها الطائرات الحربية الإسرائيلية بانتظام حفرا عميقة في الأحياء، حيث يعيش مئات الآلاف من الأشخاص حياة محفوفة بالمخاطر.

وينطبق هذا التجاهل المتعمد للواقع على الأرض أيضا على هدف الخطة لإنهاء النقص في الطاقة الكهربائية، وضمان سلامة المياه، ومعالجة مياه الصرف. ولعقود من الزمن، سيطرت (إسرائيل) على حياة الفلسطينيين من خلال تنظيم إمدادات الوقود لمحطات الطاقة، وخاصة في غزة، حيث أصبحت الكهرباء شحيحة للغاية.

أما بالنسبة للمياه، يتجاهل أصحاب الخطة حقيقة أن الفلسطينيين يتم منعهم من حفر الآبار على أراضيهم للمساعدة في معالجة النقص المستمر في المياه، هذا في الوقت الذي تتمتع فيه مستوطنات (إسرائيل) غير القانونية في الضفة الغربية بالحدائق المورقة وحمامات السباحة.

ويتحدث أصحاب الخطة أيضا عن مياه الصرف الصحي غير المعالجة، كما لو أن الفلسطينيين هم من يرغبون في تعريض مجتمعاتهم للأمراض والمخاطر الصحية.

ويعتقد “كوشنر” وفريقه أنه يجب على الفلسطينيين التركيز حقا على تطوير قطاع السياحة وبناء الفنادق والمؤسسات الغذائية، حتى يتمكن النلس من زيارة الأراضي الفلسطينية وإنفاق أموالهم هناك. وبالنسبة لهم، ستستفيد غزة بشكل كبير من تطوير خطها الساحلي، حتى تكون مثل بيروت وهونج كونج ولشبونة وريو دي جانيرو وسنغافورة وتل أبيب. لكن ما ينسونه هو أن هذه العواصم والمدن قد أتيحت لها الفرصة لحكم أنفسها، وصياغة خطط التنمية التي تخدم مواطنيها.

وبدون دولة فلسطينية مستقلة، تكون غزة جزءا لا يتجزأ منها، لا يمكن تطوير السياحة، ولن يتدفق السياح إلى المنطقة لمجرد أنه قد يتم بناء فندق وعدد قليل من المنشآت فيها. وتعد غزة اليوم سجنا كبيرا في الهواء الطلق، تحتجز أسواره مليوني فلسطيني كسجناء، ولا يتم السماح لهم بعيش حياة كريمة أو التمتع باستقلال وطني.

والمثير للسخرية في هذه الخطة هو إصرارها على دعم الزراعة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، دون الانتباه إلى حقيقة أن (إسرائيل) تضع يدها بشكل مجحف على الأراضي المملوكة للفلسطينيين.

ويقوم المستوطنون الإسرائيليون بشكل روتيني، بل يوميا، باقتلاع أشجار الفلسطينيين، ويكون ذلك معظم الوقت تحت حماية الجنود الإسرائيليين. وتشجع الخطة أيضا تطوير سوق للإسكان، بينما ترفض سلطات الاحتلال الإسرائيلية حتى إصدار تصاريح البناء للفلسطينيين. وتنطبق نفس القيود فيما يتعلق بتشجيع التصنيع واستغلال الموارد الطبيعية في الضفة الغربية وغزة.

وتعد الوصفات التي تطرحها الخطة للتكامل الإقليمي الفلسطيني، من خلال التجارة والاستثمار، مثالا آخر على التفكير الأعمى لدى إدارة “ترامب” فيما يتعلق بواقع الاحتلال العسكري الإسرائيلي للأرض الفلسطينية. وتريد الخطة من الفلسطينيين أن يفعلوا ما أنجزته دول مثل سنغافورة وبولندا ودبي. ومرة أخرى، وعلى عكس فلسطين، تتمتع الدول المذكورة باستقلال كامل، وتمارس السيادة على مناطق وحدود محددة تحت سيطرتها.

تنطبق الحقائق ذاتها على ملفات التعليم والرعاية الصحية، وتحسين الحكم والهيكل القانوني، ودعم النساء والشباب، وتطوير خدمات بلدية فعالة، وإصلاح المؤسسات العامة، بينما يختار “كوشنر” وفريقه عدم التطرق إلى الظروف القمعية للاحتلال الإسرائيلي الذي يعد هو الواقع الأكبر اليوم.

نوايا شائنة

وأخيرا، يثير اهتمام الخطة بتوفير التمويل للفلسطينيين في الأردن ولبنان ومصر الدهشة ويلفت الانتباه لإحدى النوايا الشائنة في الرؤية الاقتصادية؛ حيث يتم رشوة الدول المضيفة لتسوية أمور مجتمعات اللاجئين الفلسطينيين الخاصة بها، حتى يسهل إسقاط حق العودة للاجئين الفلسطينيين. ويدرك أي قارئ للخطة أو مراقب لتوجه إدارة “ترامب” أن “كوشنر” و”ترامب” ليسا مهتمين بشكل أساسي بمساعدة الفلسطينيين. وسوف تستخدم أموال هذه الخطة بشكل رئيسي لتسوية أوضاع نحو 4 ملايين لاجئ فلسطيني، بهدف إنهاء مطالبهم بحق تقرير المصير.

وبتكلفة قدرها 50 مليار دولار، من المفترض أن تدفعها الدول العربية الغنية بالنفط، فإن خطة “كوشنر” في جوهرها تعد خطة لتصفية القضية الفلسطينية مرة واحدة وإلى الأبد. وإذا تم تنفيذ هذه الخطة، فإن فلسطين كقضية وطنية، وكحلم لدى الفلسطينيين للتمتع بحقوقهم الوطنية، ستندثر في الهواء، تماما مثل دخان سيجار كوبي في غرفة “غراند هافانا” في العقار رقم 666 في الجادة الخامسة، حيث يجلس “كوشنر” كالعادة مطالعا أباطرة وول ستريت.

السابق
ما الذي يمنع بغداد من تسلم نجم الدين كريم ونوفل العاكوب ؟
التالي
مشروع مطار عسكري إسرائيلي في تبوك السعودية .

اترك تعليقاً