العراق

داعش على وشك الهزيمة في العراق. الآن يأتي الجزء الصعب.

الموصل-العراق- انهيار الدولة الإسلامية في أهم معاقلها العراقية جلب لحظة نادرة من الأمل لبلد غارق في الحرب على مدى العقود الأربعة الماضية.

وهي أيضا لحظة خطر، حيث أن العراق يخرج من الكفاح ضد المسلحين فقط ليواجه المشاكل نفسها التي غذت صعودهم المذهل في عام 2014.

فالخلافات القديمة بين السنة والشيعة والأكراد على الأراضي والموارد والسلطة تعود إلى الظهور في الوقت الذي يتنافس فيه المنتصرون في معارك للسيطرة على المناطق المحررة أو النفوذ لتحقيق ميزة سياسية في مشهد ما بعد الدولة الإسلامية.

وقد تفاقمت هذه التنافسات الآن  مع المهمة الضخمة المتمثلة في إعادة بناء البلدات والمدن التي دمرها القتال، وعودة الملايين من النازحين إلى ديارهم، والتوفيق بين المجتمعات التي رحبت في وقت سابق بحكم الدولة الإسلامية الوحشية  على أنها أفضل من إهمال الحكومة وتجاوزاتها .

إن الفشل في إدارة حالة ما بعد الصراع هو مخاطرة بتكرار دورة التظلم والثورات التي غذت التمرد العراقي الأصلي في عام 2003، وتجدده في شكل الدولة الإسلامية بعد عام 2011، كما يقول العراقيون وغيرهم من المراقبين.

إلا أنه تحد  جسيم من المحتمل أن يصعب التغلب عليه، ويظهر في مجتمعات الموصل المصدومة. وفي شرق المدينة الذي لم يصب بأذى، عادت الحياة مرة ثانية. وتغلق حركة المرور الشوارع وتزدهر الموسيقى من الأسواق والمتاجر مع السلع الاستهلاكية مثل الهواتف المحمولة ومكيفات الهواء والأطباق الفضائية التي كانت محظورة أو من الصعب العثور عليها في ظل حكم الدولة الإسلامية.

في الغرب المدمر، الذي تحمل العبء الأكبر من القتال، تم تحويل أحياء بأكملها إلى ما هو أبعد من الإصلاح. في البلدة القديمة وحدها، تم ترك 230،000 شخص دون سكن، و “أنهم لن يعودوا إلى ديارهم قريبا، يجب اعادة بناء المنطقة بكاملها “، حسبما ذكر ليز غراند نائب الممثل الخاص لبعثة الامم المتحدة فى العراق.

وقال هوشيار زيبارى، وهو وزير خارجية عراقى سابق من الموصل ويعمل الان مستشارا للحكومة الاقليمية الكردية، انه حتى الان لا يوجد اى دليل على جهود اعادة الاعمار على المستوى المطلوب.

وقال: “كل الكتابات على الحائط تشير الى انه ستكون هناك داعش آخرى”، مستخدما اختصارا للدولة الإسلامية. “حجم الإحباط. انعدام الأمل. عدم وجود الحكومة. ما الذي يمكن أن تتوقعه؟ ”

وفي الوقت نفسه، تتلاشى الإِرتِباكات مع تحول تركيز العراق إلى المنافسات السياسية التي طال أمدها والتي توقفت بسبب حتمية مواجهة الدولة الإسلامية.

إن المنطقة الكردية تمضي قدما في إجراء استفتاء حول الاستقلال – على الرغم الاعتراضات الشديدة من إيران وتركيا والولايات المتحدة – التي لديها القدرة على إشعال حرب جديدة قبل انتهاء الحرب الحالية. ويعيد التصويت فتح المسألة المثيرة للجدل اين تقع حدود إقليم كردستان، وتزداد التوترات في المناطق التي توجد فيها قوات البيشمركة الكردية والميليشيات الشيعية المدعومة من إيران وجها لوجه  خلال الحرب ضد الدولة الإسلامية.

وتظهر الانشقاقات داخل العراق الذي تحكمه الاغلبيه الشيعية ، التي احتشدت خلف قوات الأمن والميليشيات المعروفة باسم ” الحشد الشعبي” أو وحدات التعبئة الشعبية  ،  من أجل محاربة تنظيم الدولة الإسلامية. بيد ان هناك اختلافات حاده بشان هويه البلد في المستقبل ، وما إذا كان ينبغي له ان يزيد من ميله نحو إيران أو ان يحافظ على تحالف مع الولايات المتحدة ، والي اي مدي يمكن الذهاب للتوفيق بين الاقليه السنية والشيعة.

ومن المتوقع أن تبرز هذه القضايا في الانتخابات المقرر أن تكون في فصل الربيع والتي يمكن أن تصبح محور الصراع حيث تسعى الأحزاب السياسية وراء الميليشيات المدعومة من إيران والتي لعبت دورا كبيرا في القتال إلى الاستفادة من انتصاراتها من خلال الفوز بأكبر حصة في البرلمان.

إن السنة في البلاد في حالة من الفوضى، متناثرين بين مخيمات اللاجئين أو العودة إلى المنازل المحطمة في المدن والبلدات التي ملأتها النفايات القبيحة. وقد عاد نحو مليونى من بين 5 ملايين شخص نزحوا بسبب القتال خلال السنوات الثلاث الماضية الى ديارهم. بيد ان 3.2 مليون لا يزالون يعيشون كلاجئين، وخاصة فى المعسكرات الكئيبة، وفقا للامم المتحدة. وقال غراند ان الكثيرين ليس لديهم منازل يمكنهم العودة اليها، ويخشى آخرون من الانتقام من الجيران او قوات الامن.

في الموصل، هناك فرج لأن المسلحين قد ذهبوا ولكن أيضا خوف حول ما يحمله المستقبل. وتتجول الميليشيات المتعددة في الشوارع، الموالية لمجموعة متنوعة من السادة السياسيين، ووزراء الحكومة، وزعماء القبائل وأعضاء البرلمان. وتنتشر قوات الأمن الحكومية، وبعضها تم سحبها ونشرها في مكان آخر للمعارك الأخرى التي لا يزال يتعين محاربتها قبل الهزيمة الإقليمية النهائية للمسلحين.

بعض المسلحين في الموصل هم من السنة المحليين، وتدربوا كجزء من مبادرة تروج لها الولايات المتحدة لتشمل السكان المحليين في الترتيبات الأمنية في المدينة في المستقبل. وهناك آخرون أعضاء في الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران التي أبقيت خارج المعركة خشية أن تثير التوترات الطائفية، ولكنها انتقلت إلى إنشاء مكاتب وتجنيد حلفاء محليين.

وقال محمد السياب وهو رجل اعمال اصلا من مدينة البصرة ذات الاغلبية الشيعية  التى ترأس قوة قتالية سنية صغيرة يسيطر عليها وزيرالتعليم ان الميليشيات مطلوبة بسبب عدم وجود عدد كاف من افراد الشرطة وغيرهم من قوات الامن للحفاظ على امن المدينة. واضاف “لا يمكننا القول انها آمنة بنسبة 100 في المئة. انها 70 في المئة آمنة “، قال. “لا تزال هناك خلايا  نائمة لداعش. ونحن نعمل على تطهيرها، لكننا ضد عدو ذكي جدا “.

قليلون يعتقدون أن الدولة الإسلامية قد اختفت. كل شخص، على ما يبدو، لديه قصة عن شخص يعرفه كان مع المسلحين وظهر مرة أخرى في أحيائهم، وأحيانا بعد احتجازه يتم إطلاق سراحه. ويساهم الفساد داخل قوات الأمن والقضاء في تصور أن مقاتلي الدولة الإسلامية قد اشتروا طريقهم للخروج من السجن.

وكان عمران محمد بشير (32 سنة) الذي يدير مغسلة في شرق الموصل، قد وضعت علامة على أصابعه من قبل أعضاء الدولة الإسلامية السابقين الذين شاهدهم حول منطقته وأماكن أخرى في المدينة. من بينهم قريب لم يتم احتجازه، على الرغم من أن والده أبلغ عنه  الأجهزة الأمنية، والرجل الذي كان يقود المقاتلين في حي بشير.كان بشير قد اصطدم بالرجل اثناء زيارته لجزء آخر من الموصل.

وقال “لا اعتقد انه سيكون هناك اى دعم لحركة تمرد اخرى. وقد تعلم شعب الموصل درسا “. واضاف “لكن لا يمكن التنبؤ بما سيحدث خصوصا اذا استمر الوضع على هذا النحو بدون اعادة اعمار او استمرار الفساد داخل الحكومة”.

وقال مسؤولون حكوميون ان العراق ليس لديه ميزانية لاعادة الاعمار. وقد تركت سنوات من انخفاض أسعار النفط والمطالب المالية للحرب ضد الدولة الإسلامية البلد مفلسا، وأجبرت العام الماضي على اتخاذ خطة إنقاذ مالية من صندوق النقد الدولي.

وقال حسن العلاف نائب حاكم محافظة نينوى في الموصل ان غياب خطة اعادة الاعمار يمكن ان يؤدي بدوره الى دفع تصورات بين السنة الى ان الحكومة التي يقودها الشيعة تهملهم.

واضاف “يبدو ان بعض السياسيين لا يحرصون على اعادة الحياة الى الموصل”. واضاف “ما زلنا نعاني من النزاع الطائفي وان مضاعفاته تنعكس في اعادة الاعمار”.

وسيترك للمجتمع الدولي الحصول على الأموال اللازمة لإصلاح الأضرار الناجمة عن الغارات الجوية التي لا تعرف الكلل والقصف المدفعي الذي جرى تحت رعاية التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة والتي شكلت لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية.وطبقا لغراند ممثل الأمم المتحدة. تخطط الامم المتحدة لعقد مؤتمر لجمع التبرعات في الكويت هذا الشهر تسعى فيه الى الحصول على ما يصل الى 100 مليار دولار في شكل تبرعات لاعادة اعمار العراق.

بيد ان الدول التى خاضت بحماس الحرب ابدت استعدادا اقل لدفع الاضرار الناجمة عن ذلك. وقد أنفق الجيش الأمريكي 14.3 مليار دولار على محاربة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا على مدى السنوات الثلاث الماضية، وفقا لأرقام البنتاغون، ولكن 10٪ فقط من ذلك – أو 1.4 مليار دولار – على الإصلاحات.

وقد طلبت وزارة الخارجية مبلغ 300 مليون دولار لتمويل الإصلاحات الأساسية مثل إصلاح شبكات الكهرباء والمياه في عام 2018، ولكن الولايات المتحدة لا تخطط للإسهام في جهود إعادة الإعمار. وقال وزير الخارجية الامريكى ريكس تيلرسون فى وقت سابق من هذا العام ان التحالف العسكرى بقيادة الولايات المتحدة “ليس فى اعمال بناء الدولة او اعادة الاعمار”.

وهناك بصيص من الأمل يكمن في التقارب الأخير بين الحكومة العراقية والمملكة العربية السعودية، التي تم استبعادها بشكل جيد منذ أن أدى الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003 الى وصول الحكومة التي يهيمن عليها الشيعة إلى السلطة في بغداد. وقد زار رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي المملكة، كما أن الزعيم الشيعي العراقي مقتدى الصدر الذي كسر صفوف  حلفاء ايران الشيعة  في العراق للدعوة إلى المصالحة مع السنة.

ويأمل المسؤولون الامريكيون ومسؤولي الامم المتحدة ان تقدم الدول العربية الغنية فى الخليج الفارسى الكثير من التمويل. ولكنهم متورطون في صراعاتهم الخاصة، ونزاعاتهم، ونقص ميزانيتهم، وقد لا يكون لديهم الإرادة أو الميل للتبرع بالعديد من بلايين الدولارات المطلوبة.

 

بقلم ليز سلي وأاسو أمين شوان

واشنطن بوست

 13 سبتمبر 2017

وساهم في هذا التقرير كل من كريم فهيم، لويزا لوفيلوك ومصطفى سليم.

 

 

السابق
الحرب الإقليمية والشرق الأوسط
التالي
بالفيديو:نبذة عن حياة كيم جونغ أون الذي ارعب امريكا !!

اترك تعليقاً