أبحاث ودراسات

داعش…قد يعود مرة أخرى!

أعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الأسبوع الماضي ان “حلم التحرير أصبح حقيقة واقعه” ، عندما طردت قواته داعش من معاقله النهائيه القليله المتبقية.إن إعلان العبادي عن النصر لا يبدو غير مبرر. فبعد ثلاث سنوات، استعاد المقاتلون العراقيون والأكراد ، المدعومون من تحالف بقياده الولايات المتحدة والذي ضم 80 بلدا ، كل الأراضي التي كانت تسيطر عليها الدولة الإسلامية في العراق والمدن الرئيسية التي تحتلها في سوريا. ولم يعد لدى الدولة الإسلامية الكثير لكي تطلق على نفسها اسم “دولة” على الإطلاق.

لكن الانتصار غير مكتمل، وليس فقط عندما يتعلق الأمر بالتحديات التي تواجهها هجمات الذئاب المنفردة المستوحاة من اسلوب داعش، والمقاتلين الأجانب العائدين الى ديارهم من العراق وسوريا، واستمرار امتيازات داعش في أماكن أخرى. وفي حين أن مثل هذه المخاوف حقيقية، فإن السيناريو الأكثر خطورة يستحق أيضا بعض الاهتمام: إذ يمكن لتنظيم داعش ان يعيد الخلافة إلى البلد الذي ولدت فيها، في العراق وسوريا. فقد خطط التنظيم الارهابي لمثل هذه القيامة منذ  عام 2016 على الأقل، واستعدّ بهدوء لهذا الاحتمال منذ فترة طويلة قبل أن يفقد الرقة في أكتوبر.

والأكثر فظاعة هو أن داعش لديه دليل محاكى وحقيقي لإعادة نفسه من الموت. قبل بضع سنوات فقط، تمكن من إحياء نفسه بعد هزيمة واضحة. وينبغي أن يكون تاريخ تلك القيامة بمثابة تحذير لما قد يأتي الآن.

 

بعد الطفرة

داعش، من الحركة الجهادية الوليدة إلى تمرد العصابات إلى الخلافة الحكومية التي تمددت أراضيها عبر الكثير من العراق وسوريا. ولكن هذا التغيير لم يكن مخططا له. فقد توسعت المجموعة وانكمشت وفقا للظروف التي يمليها عليها السعي إلى تحقيق هدف الدولة النهائية المتمثل في استعاده الخلافة الاسلاميه على النحو الذي تمجده في نصوصها اللاهوتية. وبعد ان خسر داعش العاصمتان التوأم، الموصل والرقة ، فان تنظيمه بدأ يتقلص مره أخرى. ولكن أهدافه الاستراتيجية لم تتغير.

وفي التصريحات الأخيرة، رسم قادة داعش تماثلا واضحا بين وضعه اليوم ومحنته الشديدة في عام 2008، عندما لجأ إلى تمرد العصابات والإرهاب،التي مهدت الطريق لاستيلاءه الدرامي على الكثير من سوريا والعراق بعد أكثر بقليل من خمس سنوات. وتظهر المذكرات الداخلية والوثائق الإدارية التي تم الاستيلاء عليها أنه بعد أن طردت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة وأبناء العراق من القوات الأمنية المحلية  داعش من وسط وغرب العراق، فرّ أعضاء بقايا داعش وذهبوا إلى الاختباء في الموصل وحولها. وعلى الرغم من أنهم أجبروا على الاختباء تحت الأرض، فقد استخدموا منطقة الموصل كقاعدة لتنظيم وتجنيد وتمويل الخلايا في جميع أنحاء العراق. وفي الوقت نفسه، نشر زعماء داعش جهاز استخباراتي (امني)  لاغتيال المعارضين السياسيين السنة، وخاصة القوات المحلية، بما في ذلك أبناء العراق والشرطة، الذين هددوا أمن العمليات لتنظيم داعش وتمسكوا بسياسة العرب السنة. كما عملوا على اختيار السياسيين العرب السنة في منطقة الموصل وفي بغداد، ووعدوا بتقليص العنف ضد القطاعات الاقتصادية الهامة مقابل الدعم السياسي والنقدي.

وقد عملت كل هذه العناصر على تحقيق هدف أساسي يتمثل في إثارة الصراع السني الشيعي، وبالتالي جعل عدد كبير من السنة العراقيين يعتبرون داعش أملهم الوحيد. وقد قام أمنيّاً بترويع منافسيه المحليين والشركات للمساعدة في إعادة بناء قدرة داعش، وحرض الحكومة العراقية التي يسيطر عليها الشيعة على الإفراط في رد فعلها على شبح التهديد الإرهابي السني، وبالتالي أعاد إشعال الصراع الطائفي الذي ساعد على صعود الجماعة في المقام الأول، في أعقاب الغزو الأمريكي عام 2003. في حين أن غارة 2010 الأمريكية -العراقية قضت على مجموعة من كبار الشخصيات من الجماعة،فان قائدا جديدا، هو أبو بكر البغدادي، حمل هذه الاستراتيجية إلى الامام ،بينما كان يعمل تحت الأرض للقضاء علي منافسيه وأعاده بناء الجهاديين في تنظيم داعش عن طريق تهريب المقاتلين من السجن. وعندما جاء الربيع العربي وازدادت الاضطرابات المدنية في عامي 2011 و 2012، سارع تنظيم داعش إلى إرسال عملاء إلى سوريا لإقامة قاعدة جديدة للعمليات. وهكذا تم تحديد المرحلة لاستيلاء داعش السريع على حيازات إقليمية كبيرة تضاهي مساحة بريطانيا العظمى.

 

صحوة المرة القادمة

والآن بعد أن حققت الحملة التي تقودها الولايات المتحدة هدفها الرئيسي، تواجه دولة داعش تحديات خطيرة في العراق وسوريا. فهي تفتقر إلى القدرات العسكرية التقليدية والقوى العاملة التقليدية. وقد دمرت وحداتها العسكرية إلى حد كبير أو تلاشت ببساطة بسبب الاقتتال الداخلي وموجات الاستسلام.

ولكن قيادة داعش تغلبت علي تحديات مماثله في أواخر القرن العشرين. على الرغم من فقدانها تقريبا جميع أراضيها، إلا أنه  لا يزال لديها كادر ملتزم للغاية في جوهرها، بما في ذلك عناصر امنية، فضلا عن المسؤولين الإداريين ذوي الخبرة يديرون تنظيم داعش من أعلى إلى أسفل. ولم يهدر أي وقت في تنفيذ التحول من “الخلافة” الإقليمية إلى الإرهاب والتمرد.

وقد بدأت هذه الجهود الجديدة تؤتي ثمارها بالفعل. فقد شنت داعش هجمات ناجحة في المناطق التي أعلن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة تحريرها سابقا، مثل الفلوجة والرمادي، فضلا عن المناطق الأخرى التي لم تسيطر عليها قوات داعش حتى في ذروتها، مثل بغداد ومقاطعة ديالى. كما فعل في عام 2010، يعمل داعش لإثارة الحكومة العراقية وجعلها تقاتل العرب السنة، وهي المجموعة الديموغرافية الأساسية المستهدفة للتجنيد وحاضنة داعش السياسية.

عندما أعلنت الخلافة في عام 2014، ذكرت قيادة داعش أن استراتيجيتها هي “البقاء والتمدّد”. إن استراتيجيتها الجديدة هي أقرب إلى النقاهة. وبينما سيواصل بعض المقاتلين الفرار من العراق وسوريا – إما للانضمام إلى داعش في أماكن أخرى في آسيا أو أفريقيا أو العودة إلى ديارهم – سيبقى البعض الآخر، بهدف استغلال الظروف المواتية للإرهاب والتمرد. وفي هذا الإقليم، تتيح شبكات المعلومات والاستخبارات المحلية التابعة لداعش فرصة جيدة لإعادة التسلل إلى المناطق الرئيسية والعمل سرا.

وتتوقف افاق النجاح في العراق وسوريا علي ثلاثه عوامل رئيسيه هي: نوعيه الحكم، والقيادة السياسية العربية السنية الشرعية في المناطق السنية، واستمرار السياسة الطائفية التي تهيمن عليها الجماعات الشيعية. وقدرة المؤسسات علي البدء في أعاده اعمار المناطق التي يهيمن عليها السنة والتي دمرت في الحرب ضد داعش.

وفي العراق ، كان السبب المباشر لعودة تنظيم داعش الاخيره هو الجمع بين الفساد السياسي المحلي والإهمال والتمييز من جانب الحكومة الوطنية التي يهيمن عليها الشيعة. وفي سوريا، من المرجّح ان التحديات الامنيه ستموت في الوقت الحاضر، حيث ان العديد من مقاتلي التنظيم فروا إلى الملاذات الامنه النائية في الصحراء. ولكن إذا ظهر فراغ امني-وهو احتمال حقيقي بالنظر إلى المجموعة المعقدة من القوات في الحرب الاهليه السورية-وبدا التحالف الكردي المناهض لداعش في التفكك، فان العديد من هؤلاء المقاتلين يمكن ان يعودوا بسرعة.

ويتوقف الأمر على العراقيين والسوريين حول ما إذا كان بالإمكان هزيمة داعش. ومع ذلك ، فان للجهات الفاعلة الخارجية دورا تؤديه. وفي حين ان العمليات العسكرية الواسعة النطاق من هنا ستسفر عن نتائج ضئيله، فان الولايات المتحدة وشركاءها في التحالف يمكن ان يساعدوا العراق في بناء قدرات لإنفاذ القانون والاستخبارات اللازمة لإنهاء حركات التمرد الجماعات الارهابيه .ويمكنها أيضا ان تساعد علي تعطيل القيادة والسيطرة الدوليتين لتنظيم داعش عن طريق رصد واعتراض اتصالاتهم .

الوجود الدائم للولايات المتحدة في العراق سيسمح لها بمواصله حملة أكثر استهدافا لداعش وقياداته، الذين اختبأوا تحت الأرض في العراق وسوريا. ومن شانه أيضا ان يوازن  النفوذ الإيراني في الشؤون الامنيه العراقية، الأمر الذي قد يساعد على التخلص من موجة أخرى من الطائفية المناهضة للطائفة السنية في بغداد.

وفي نهاية المطاف، فان أقامه دوله عراقيه مستقرة وغير طائفيه من شانه أكثر من اي شيء آخر  ضمان عدم عودة مسرحية داعش وصعودها مرة أخرى.

 

 

بقلم بنجامين باني وباتريك B. جونستون (فورين افيرز)

 

 

السابق
الغارديان : حرب اليمن أكبر الجرائم على وجه الأرض
التالي
ما هي توجيهات العبادي بشأن احداث اربيل؟

اترك تعليقاً