أبحاث ودراسات

دبلوماسية الغاز والنفط في شرق المتوسط والتمهيد للحرب الإقليمية

لقد شهدت منطقة الشرق الأوسط تقلبات كبيرة في أعقاب مظاهرات”الربيع العربي”. إن الشرق الأوسط من أهم المناطق في العالم واستقراره إلزامي للسلام والاستقرار في العالم. منذ عام 2011، دخل الشرق الأوسط حالة من عدم اليقين مع العديد من الصراعات في سوريا والعراق واليمن وليبيا وغيرها من الدول التي هي عرضة لان تشهد الحروب الداخلية.

في الوقت الحاضر، يتزايد التوتر بين تركيا ومصر على موارد الطاقة في البحر الأبيض المتوسط. وهكذا، فإن العلاقات بين أنقرة والقاهرة بعد بيان وزارة الخارجية المصرية بشأن رفض تركيا للاتفاق الموقع بين قبرص ومصر في عام 2013 تطلق جرس إنذار. وجاء في البيان المصري ان “اي محاولة للاساءة او النيل من حقوق مصر السيادية في مناطقها الاقتصادية في الشرق الاوسط مرفوضة وسيتم التصدي لها”.

 

الاتفاق يساوي الوصول

ويعتقد المصريون أن الاتفاقية الموقعة مع القبارصة اليونانيين تتيح للقاهرة الوصول إلى منطقة في شرق البحر الأبيض المتوسط ذات أهمية خاصة للشركات الهيدروكربونية منذ اكتشاف حقول الغاز الضخمة في عام 2015، في حين اعترض وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو على الاتفاق، معلنا أن القبارصة الأتراك منعوا بصورة غير عادلة من المطالبة “بحقوقهم غير القابلة للتصرف في الموارد الطبيعية” في جميع أنحاء الجزيرة،  وكشفوا عن خطط تركيه للبدء في التنقيب في المنطقة.

وما دامت أنقرة لا تعترف بترسيم الحدود الموقعة بين مصر وقبرص في عام 2013، ووصفتها بأنها غير شرعية، فإن المنطقة تتحول مرة أخرى نحو نهج جديد من الحروب والتنافس. والسبب هو سياسة الغاز. وينطبق الشيء نفسه على حقول الغاز بين إسرائيل ولبنان.

هذا التصعيد المفاجئ للتوتر بين مصر وتركيا هو علامة على ضربة للجهود الرامية إلى القضاء على أي عسكرة في البحر الأبيض المتوسط لأن هذا سيكون محركا لإشعال حروب إقليمية ودولية أخرى.

 

استكشاف الغاز

في 5 فبراير 2017 أعلن وزير الخارجية التركي أن بلاده تعتزم البدء في التنقيب عن النفط والغاز في شرق المتوسط قريبا في المناطق الواقعة على الجرف القاري عند خطوط العرض 32 و 16 و 18 درجة. وأصدر الوزير التركي رسالة ضمنية إلى كل من القاهرة ونيقوسيا قائلا: “لا يمكن لأي كيان أجنبي أو شركة أو حتى سفينة القيام بأي بحث علمي غير قانوني أو استكشاف للنفط والغاز في الجرف القاري لتركيا والمنطقة البحرية”. من جهة أخرى يرى الجانب المصري حقه الكامل في الدفاع عن مصالحه وفقا للاتفاق الذي يعتبره قانونيا تماما. وتعتقد الحكومة التركية أن القبارصة اليونانيين لا يستطيعون أن يعتمدوا من جانب واحد قوانين تتعلق باستغلال الموارد الطبيعية نيابة عن كل القبارصة .

ومن المتوقع ان يشهد شرق البحر المتوسط حروبا علي الغاز والنفط بين تركيا ومصر وإسرائيل ولبنان وسوريا وقبرص واليونان في المياه الاقليميه. وفي تموز/يوليه 2017 ، ردت انقره بقوة علي القبارصة اليونانيين عندما بداوا في التنقيب عن الغاز. ونتيجة لذلك ، أرسل الجيش التركي فرقاطة في شرق البحر الأبيض المتوسط لمراقبه سفينة الحفر التي يعتقد انها بدات في البحث عن النفط والغاز بالرغم من رفض الحكومة التركية ، واعتبارها ذلك عملا عدائيا.

وعندما قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بزيارة إلى قبرص في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي ، اجري محادثات مع المسؤولين القبارصة اليونانيين حول الغاز والموارد النفطية في المنطقة. ومنذ ذلك الحين بدات التوترات ترتفع حتى وصلت  إلى الحد الذي يلقي فيه كل من تركيا ومصر باللائمة على بعضهما البعض في التدخل في الشؤون الداخلية للأخر.

ومن المتوقع أن تلجأ أنقرة إلى إجراءات قانونية لإبطال الاتفاق بسبب ما أسمته “انتهاك” الجرف القاري.

– شهاب المكاحلة

في الوقت الحاضر، تستكشف سفينة حفر النفط والغاز في المنطقة. وتبدي تركيا عدم ارتياحها للاتفاق المبرم بين إيطاليا واليونان وإسرائيل لبناء خط أنابيب للغاز من شرق المتوسط إلى أوروبا بتكلفة قدرها 6 مليارات دولار.وهذا من شانه إشعال فتيل توتر آخر ، مع  إيطاليا طرفا فيه.

 

لماذا تومض الحرب في البحر الأبيض المتوسط؟

والاختلافات السياسية هي العامل المهيمن الذي يحدد العلاقات بين البلدان والترهيب بزعزعه الاستقرار والفوضى في المنطقة بسبب الاعمال العدائية الناجمة عن السباق تجاه الغاز واحتياطيات النفط.ويعتبر حوض شرق المتوسط من أكثر المناطق ثراء بالموارد الطبيعية، وأهمها الغاز الطبيعي. وتبين دراسة أمريكية أجريت في عام 2010 أن احتياطي الغاز في هذه المنطقة يقدر بنحو 345 تريليون قدم مكعب. كما تضم المنطقة 3.4 مليار برميل من احتياطيات النفط. وما دام لا يوجد هناك تعاون متبادل بين الدول المعنية بسبب قضية ترسيم الحدود، فإن أي حرب سوف تندلع في أي لحظة، وتصبح المنطقة قنبلة موقوتة.

 

ماذا تريد أنقرة والقاهرة؟

ومن المتوقع أن تلجأ أنقرة إلى إجراءات قانونية لإبطال الاتفاق بسبب ما أسمته “انتهاك” الجرف القاري. ومن المرجح أن تعيق التحركات التركية جهود مصر واليونان لإبرام اتفاق ترسيم  حدود بحري.

وفيما يتعلق بالأزمة الاقتصادية التي تواجه مصر منذ عام 2011، فإن القاهرة حذرة لإنهاء قضية ترسيم الحدود مع اليونان وقبرص من أجل تجنب أي خلل مع تركيا. وحيث ان قبرص وقعت ايضا اتفاقية اخرى مع اسرائيل فان شبح الحرب يطارد الدول فى الشرق الاوسط. وكان الرئيس المصري السابق حسني مبارك قد تباطأ في الماضي لبحث مسألة اتفاقيتي الغاز والنفط مع اليونان وقبرص حتى انتهاء النزاع بين تركيا واليونان حول قبرص حيث انه يعتبر هذا الصراع “صداعا سياسيا”.

وقد تبدو دبلوماسية  الغاز وثيقة الصلة بعلاقات إسرائيل مع الدول العربية المجاورة. ومن شأن حالة الشك بين إسرائيل والجيران العرب أن تؤدي إلى مناوشات على هذا الحوض حيث يمكن أن يكون بديلا استراتيجيا للغاز الطبيعي المسال الروسي الذي يتم تصديره إلى أوروبا. وهذا يبرر لماذا تلعب الصين وروسيا دورا محوريا في سوريا اليوم التي لديها احتياطيات ضخمة من الغاز الطبيعي في البحر الأبيض المتوسط. وتقوم  مصر وإسرائيل وسوريا ولبنان وقبرص واليونان وتركيا بالتباهي ببراعتها الناشئة في مجال الطاقة باعتبارها سلاحا محتملا حيث يرسم كل منها خطه لتكون له اليد العليا في المنطقة ويلعب دورا محوريا في تشكيل المشهد السياسي في الشرق الأوسط .

 

 

شهاب المكاحلة

نادي دراسات الشرق الأوسط الدولي

international middle eastern studies club

السبت، 10 فبراير 2018 

 

السابق
السجن 21 عاما لعبد الفلاح السوداني في قضايا فساد
التالي
تعرفوا على الهواتف الأكثر إصدارا للإشعاعات

اترك تعليقاً