أبحاث ودراسات

دراسة عن مستقبل كوردستان بـ 4 سيناريوهات

لقد واجه إقليم كوردستان الآن تحديات جذرية، وانقسمت تلك التحديات على مستويات سياسية واقتصادية من جهة، ومصير وباء كورونا وتعامل وزارة التربية لكيفية البدء بالعملية الدراسية وأنماط التعامل مع عراقيل وأضرار ومنافع كل من الاختيارات الماثلة أمامها، من جهة أخرى. 

وقد خصصت قراءتنا في العدد السابع لبحث ودراسة تلك المعضلات والتحديات التي هي على كلا المستويين الرئيسين، أحدهما شامل ومرتبط بجميع تلك التحديات التي أخذت بتلابيب الإقليم ولها دور وفاعلية وتأثير في مستقبل التحركات السياسية للاقليم وكذلك أساليب إدارته، وتمثل في مشكلات الصراعات الداخلية، والأزمة الاقتصادية، وضعف عملية الدمقرطة وآثارها، وعلاقة الاقليم مع بغداد والدول الاقليمية وأمريكا أيضا، كل ذلك أمام مستقبل غامض ومضطرب، وتكون لوجهة الاحداث المقبلة التي تطرأ في الاشهر القادمة في العراق والمنطقة، آثار مباشرة على الاقليم. 

وعلى المستوى الثاني فقد ناقشت قراءتنا في هذا العدد، موضوع البدء بعملية الدراسة والتعليم في كلتا الوزارتين: وزارة التعليم العالي ووزارة التربية، وقد قامت بتحليل الاختيارات الماثلة أمامهما وأيضا بحثت الاثار والعراقيل والافاق التي تقف أمام ممارسة التعليم الالكتروني أو فتح أبواب المدارس والاختيارات الاخرى. 

المحور الأول: التحديات التي تقف أمام كيان إقليم كوردستان 

إن كيان إقليم كوردستان وبحدوده وسلطاته الانية، له جذور تاريخية، ولم يكن وليد الزمن الذي يلي سقوط نظام صدام، وان فيدرالية الاقليم هي نتيجة تطور وانماء الارادة والاهداف ونضال الحركات الكوردية منذ عشرات سنين، من أجل تحقيق الحرية وترسيخ الهوية القومية وصد محو الهوية بجميع حقولها. 

وكحل للقضية الكوردية، في ستينيات القرن الماضي، فقد تم ذكر تشكيل نمط لامركزي في كوردستان العراق لأول مرة، ومن ثَم في بداية السبعينيات تطور الامر الى الحكم الذاتي (الاوتونومي)، وبعد التسعينيات، أصبح تشكيل كيان اقليم فدرالي، شعارا رئيسا للحركات الكوردية وقد صادق عليه البرلمان الكوردستاني والمعارضة العراقية. وقد صودق على هذا التوجه في الدستور العراقي لعام 2005 وأصبح شعب كوردستان ذوي كيان دستوري معترف به داخليا وخارجيا. هذا عدا تبلور أمل لدى جزء من الناس والمثقفين والقوى الوطنية الكوردستانية منذ بدايات القرن الواحد والعشرين بجعل هذا الاقليم رُوبة للاستقلالية واعلان دولة كوردستان. 

أما الآن، وبعد مرور 15 عاما من الاعتراف الدستوري بكيان اقليم كوردستان، فقد واجه هذا الاقليم تحديات داخلية واقليمية خطيرة، جزء منها مرتبط بأداء السلطات الكوردية ذاتها، وجزء منها مرتبط بمحاولات القوى الاقليمية ومكايدها، وجزء آخر برؤية وموقف القوى العراقية. 

التحديات الداخلية: 

صراعات القوى السياسية: الصراعات كما كانت دوما بين الحزبين الكبيرين في الاقليم (الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني)، حيث في العقود الثلاثة الماضية، كانا مصدر غالبية المشكلات ومحرك اهم التبادلات الداخلية في الاقليم، بسبب الحرب الداخلية بينهما أو النزاعات والاتفاق الاستراتيجي بينهما، شروعا بتقسيم القرار السياسي، والسلطة المالية حتى وصل الامر الى تشطير جغرافية الاقليم واعادة اتحادهما بشكل مهزوز في ظل نوع من الادارة الثنائية الخفية. وكان كابوس الصراعات لم يزل حتى الان غاشيا جناحيه عليهما، وازدادت مخاطر افراطه يوما تلو اخر، وخصوصا في مجال عدم توحيد قوات البيشمركة، والمؤسسات الامنية، وعدم توفر رؤية استراتيجية مشتركة الى السياسة والامن الخارجي للاقليم، ومن الواضح ان هذه الصراعات لم تهدد الامن الداخلي للكيان فحسب، بل هي أسباب عدم توحيد وجهة النظر للمعضلات الوطنية خارج الاقليم، فضلا عن عدم توحيد الصفوف امام التبادلات الخارجية، إذ كان دوما مصدر التهديد وله تاثير اقليمي و دولي مدقع على القرار السياسي للاقليم. 

الأزمة المالية: بسبب انهيار سعر النفط في الاسواق العالمية، ونتيجة انتشار وباء كورونا، فقد أدت هذه الاسباب الى تفليج الامكانات المالية للاقليم، حيث حسب بعض المصادر ففي الشهرين الثالث والرابع للسنة الراهنة التي هي بداية الازمة، انخفض دخل حكومة الاقليم بنسبة ما يقارب 45% من بيع النفط ونسبة 90% من وارداته الداخلية، بل حسب آخر اعلان رسمي لوزارة مالية الاقليم في 17/8/2020 فان الواردات الداخلية للاقليم وواردات بيع نفطه لا تتجاوز 390 مليار دينار، رغم انه لم يكن واضحا هل هذه الواردات هي دخل شهر واحد أو أكثر؟ واذا قارنناها بواردات شهر واحد من أشهر سنة 2019 التي هي أكثر من 600 مليار، فنجد أنها انتقصت بنسبة 35%، هذا فضلا عن أنه في الخمسة أشهر ماضية تم إرسال 320 مليارا فقط من قبل حكومة بغداد الى حكومة الاقليم كنصيبه في الميزانية. وفي ظل هذه الظروف فان حكومة الاقليم خلال فترة الاشهر الثمانية السابقة للسنة الراهنة، استطاعت أن تصرف وجبتين من رواتب الموظفين، ولم يكن من المؤمل ان تسيطر على هذه الازمة الاقتصادية في الفترة القريبة المقبلة، وخصوصا إذا لم يرتفع سعر النفط بشكل ملحوظ حتى نهاية السنة، ولم تتحسن الظروف الاقتصادية للعالم في ظل انتشار وباء كورونا، ولم تكن هناك محاولة وخارطة طريق ملحوظ للخروج من الاقتصاد الريعي (النفطي) والمجتمع المستهلك، ولم يتطور وضع عملية الاتفاق بين الاقليم وبغداد كما كانت متوانية في الفترة الماضية، رغم انه في الاونة الاخيرة توصل الطرفان الى شبه حل لمشكلاتهما (وذلك كبصيص نور الامل). 

أزمة انتشار  وباء كورونا: على الرغم من أن حكومة إقليم كوردستان استطاعت، في بداية انتشار الوباء، في الشهرين الثالث والرابع للسنة الراهنة، أن تعرض مستوى قيما لمواجهة الوباء، الا عدد المصابين والوفاة بسبب الوباء نفسه ازداد من تاريخ منتصف الشهر السادس في اقليم كوردستان، حيث إن نسبة المصابين به في هذا الشهر فقط في محافظات الاقليم، وصلت الى 13%-14% من جميع نسبة المصابين في العراق، وهذا ما أدى الى ثقل كاهل المستشفيات ومؤسسات القطاع الصحي في الاقليم، حيث كان هذا القطاع في الاساس يعاني من اشكاليات عدة، من حيث قلة المستشفيات وقلة سرائر المرضى، ونقص الكوادر الصحية حتى الوصول الى النقص في الادوية والاحتياجات الاخرى لمواجهة أي مرض وبائي ومدقع. وفي ظل هذه الظروف الصحية العصيبة والضعيفة واستمرارية الازمة الاقتصادية، لم يكن هناك أفق واضح ليقدر الاقليم على الصد من انتشار الوباء بالمستوى المطلوب، ويردع من ازدياد ضحاياه. 

معضلات الحكم الرشيد: رغم الأزمات السابقة كافة، فقد كانت عملية الحكم في الاقليم، دوما، مفعمة بالمعضلات والمد والجزر بين الاستخدام الساذَج لعديد من الوسائل الديمقراطية مثل: الانتخابات، وحريات الصحافة والتعبير عن الرأي والتجمع العام، لكن انتهاكها بشكل علني، الاعتراف بالمعارضة ومنافستها للسلطة، لكنه في الوقت نفسه عدم ضمان دورها. تقنين مبادئ اللامركزية الادارية والمالية في الوحدات الادارية والجغرافية لكن عدم الالتزام بتوزيع المهام والسلطات عليهم. هذا الى جانب معضلة اسقلالية البرلمان والسلطة القضائية ومؤسسات المجتمع المدني، حيث وحسب ايقاع العلاقة الماثلة بين القوى والاحزاب السلطوية فقد اصيبت هذه المؤسسات بالخمول و الايقاف والتهميش. هذا عدا معضلات توزيع الخدمات البدائية، والصحية، و التربوية، والتعليمية والضمان الاجتماعي، وتضخم أعداد الموظفين وازدياد عدد المؤسسات الادارية في الاقليم مقارنة بضعف أدائها وانتاجها، إضافة الى ذلك ثمة معضلة الانتشار الملحوظ للفساد التي أدت الى تنفيد ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية بشكل كبير. 

التحديات الخارجية: 

ضعف مكانة الكورد في بغداد: 

على خلاف الدور الكبير الذي أدته قوات بيشمركة كوردستان عند الحرب ضد داعش، فبعد الانتهاء منها واليأس من محاولة الاستفتاء وسحب قوات البيشمركة من المناطق المتنازع عليها وإرجاع سلطات الاقليم الادارية الى الحدود الجغرافية لما قبل 9/4/2003، فقد تراجعت سيطرة القوى الكوردية وضَعُف رسم وملمح اقليم كوردستان في السياسة العراقية، وقد ازدادت انتقادات أعداء الكورد والاقليم في بغداد يوما تلو آخر، كما يعلو صوت وانتقاد تلك القوى التي ترى أن سياسة واقتصاد كوردستان هي عبء أثقل كاهل العراق، بل الان أصبح الطعن في الكورد وسياستهم ورموزهم أداة سياسية متينة تستخدمها بعض القوى والأشخاص، عند انفجار الازمات واقتراب موعد الانتخابات، لتهدئة الشارع وجمع أصوات أكثر وتشغيل ماكنة ضد الكورد، بل وصل هذا الوضع الى مستوى مطالبة بعض القوى العراقية بتعديل الدستور ومحو مبادئ ووسائل الفيدرالية، بذريعة ان هذه المبادئ والوسائل مهدت الطريق لتجاوزات الكورد على الدستور والاقتصاد العراقي، لذا ينبغي أن تُعاد كوردستان وأقليمها الى كيانهما المستحق بهم ولا يستحقون أكثر من اللامركزية الادارية في أحسن الاحوال. لذا فان أحد أسباب خمول خطوات الاتفاق في هذه الدورة بين أربيل وبغداد يعود الى ضعف مكانة الاقليم في بغداد، الى جانب صعوبة نتائج الازمة الاقتصادية على عاتق العراق، هذا فضلا عن أن الاقليم بعد 2012 واتِّباعه سياسة (الاقتصاد المستقل) عام 2014 أبدى نوعا من عدم الاكتراث السياسي والاقتصادي إزاء الحكومة الفدرالية، مما أدى، الان، الى رد الحالة الى أصحابها من قبل بغداد.  تراجع أمريكا عن دعمها للكورد: بعد 2003 وصولا الى 2017، كان الكورد في نظر الامريكيين مؤازرا فعالا لنصرة صراعاتها مع ايران والجماعات الارهابية في العراق والمنطقة الى جانب السنة والقوى العراقية الليبرالية، لكن بعد خيبتها من دمقرطة الدولة العراقية والانسحاب من الاتفاق الذري مع ايران وازدياد المحاولات لاجبار امريكا للانسحاب من العراق سريعا، وذلك في ظل ازدياد سيطرة القوى والاطراف السياسية والمسلحة التابعة لايران في المؤسسات التشريعية والعسكرية العراقية وأخذ موطئ قدم في المكونات الحكومية، هذه الامور أجبرت أمريكا، من أجل تحقيق أهدافها وتعديل كفة ميزانها في المواجهة مع ايران، أن لا تراهن على دعمها للكورد او السنة او اية قوى أخرى، بل تتحاور مباشرة مع المؤسسات الرئيسة والعليا العراقية بشكل استراتيجي، وهذا ما أدى الى إضعاف أكثر لمكانة الكورد في العراق ولدى القوى العظمى، حيث تبلورت قناعة لدى البعض بان الكورد مايزالون في محاولة الخروج من ذلك التهميش والانساك اللذين أصابهما بعد عملية الاستفتاء عام 2017 على الخارطة السياسية لامريكا والقوى العظمى الدولية والاقليمية. 

ازدياد سيطرة القوى الاقليمية: على الرغم من أنه بعد عام 1991، كان للاقتتال الماثل بين توركيا والاحزاب والكوردية (حزب العمال الكوردستاني ب.ك.ك)، وكذلك بين ايران والقوى الكوردية (العصبة والديمقراطي)، تأثير في خلق المشكلات الامنية والسياسية لاقليم كوردستان، الا ان الهدف الاخير من تحركاتهما وتدخلاتهما في اقليم كوردستان لم يكن محصورا في قمع الاحزاب المعارضة لهما فحسب بل تطرق الى بلبلة الأمن في كيان الاقليم، فمثلا بعد استفتاء عام 2017 كانت تركيا خوفا من اعلان إلحاق كركوك بالاقليم، إذ كانت كركوك وأهاليها في المخيلة الجيوبولتيكية التركية امتدادا لأهل وأرض دولتها، لذا أبدت موقفا عسيفا ضد الاستفتاء وأيدت رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بشدة، ليلج في أرض كركوك بالجيش والحشد الشعبـي، أما بالنسبة لموقف ايران، فليس بالخفي على أحد ان قاسم سليماني نفسه يشرف مباشرة على تقدم الجيش العراقي والميليشيات العراقية التابعة لايران للاستيلاء على جزء من المناطق المتنازع عليها. والان، فان تأهب الجيش والتحركات العسكرية الاخيرة لكلتا الدولتين ضد الاحزاب والقوى المضادة لهما داخل أرض إقليم كوردستان، يحتمل خلق مخاطر كبيرة على كيان الاقليم، وخصوصا الهجمات التركية الجوية والبرية الاخيرة على أرض اقليم كوردستان، حيث يتوقع منها أن الهدف هو صنع ذلك الحزام الامني الذي تريد تركيا صنعه منذ سنين طوال في حدود الاقليم، وان مخاطر وقوع هذا التنبؤ يبرز حجمه الاكبر عندما كان هناك احتمال أن تلك الهجمات التركية شنت بمباركة السلطات العراقية. لذا ففي ظل عدم وسع حكومة اقليم كوردستان لمواجهة الهجمات التركية ومنع (ب ك ك) من شن الهجمات على تركيا، حينذاك يحتمل ان تكون احدى النتائج هي انتشار القوات العراقية والدولية لحماية حدود الاقليم من حرب (ب ك ك) مع تركيا، اضافة الى ذلك يحتمل ان تقبل الدول الجوار، لتضئيل دور اقليم كوردستان اقليميا، أن يُولى اهتمام أكبر بجيش العراق الفدرالي في اي تغييرات مستقبلية من اجل حماية الحدود الدولية لاقليم كوردستان، وبهذا فان حكومة اقليم كوردستان تفقد السيطرة على حدودها من حيث الجانب السياسي والامن القومي، كما يضر أكبر ضرر بواردات المعابر الحدودية. 

سيناريوهات مستقبل كيان اقليم كوردستان 

في ظل تلك التحديات الداخلية والخارجية اعلاه، يمكن أن نتوقع عدة سيناريوهات لاقليم كوردستان، وهي: 

أولا: بقاء كيان الاقليم كما هو الان، أكثر السيناريوهات زُلفى ومنطقيا، لكن مدى استمرارها قصير بسبب تحديات سلطة الاقليم السيئة، ما لم يقم حكام الاقليم بإصلاح شامل في جميع الحقول السياسية والاقتصادية والادارية، وليس ببعيد أن تزداد أصوات المعارضين من ذوي الطبقات المتشتية، التي تكاد تبرز في المدن، تؤدي الى مظاهرات شاسعة، ومن المعلوم حينذاك يكون أحد مطالبهم الرئيسة هو اقالة الحكومة الحالية وحل البرلمان، والانتخابات السابقة لأوانها. حينذاك لا يبعد أن تتكر بعض السيناريوهات التي حصلت في العراق /شهر تشرين من العام الماضي في الاقليم، والتي أدت أخيرا الى استخدام العنف ضد المتظاهرين ومن ثم إقالة الحكومة وتعميق أزمة إعادة تشكل الحكومة الجديدة. 

ثانيا: حل أو تحجيم الكيان الحالي لاقليم كوردستان وإعادته الى وضع اداري ضعيف بحيث لا يتجاوز مداه عن اغلال اللامركزية الموجودة قبل انتفاضة 1991،  خصوصا وحسب رؤية بعض القوى العراقية، ينبغي أن يكون الهدف، في الاخير، من اتفاق هذه المرة بين بغداد واربيل هو التشديد الاكثر على تلك الاغلال ومن ثم تعديل الدستور وحل المبادئ الفدرالية حتى ينهي ذلك الانحراف الثلاثيني المسمى بـ(ظاهرة اقليم كوردستان). فضلا عن انه توجد الان بعض القوى العراقية والشخصيات الكوردية يحاولون صنع توجيه لتحقيق ذلك الهدف، في الانتخابات المقبلة، رغم ان مدى فوز هذا الاتجاه مرتبط بمدى تأييد الناخب الكوردي له ومدى تثبيت الخطاب الاستوطاني العراقي وايضا مدى استعداد الحكومة الفدرالية لدعم الاقليم اقتصاديا وتخفيف كاهل الازمة الاقتصادية على معيشة اكثرية سكان الاقليم، لكن في ظل الرِّداءِ الطائفي الذي كسته الحكومة العراقية مدة 15 عاما مضى، فقد أدى الى ضعف تأهيل الارضية لبناء هذه الابعاد. 

ثالثا: تقسيم أو اعادة تنظيم الوضع الداخلي للاقليم الى كيانين أو منطقتين متشابهتين من حيث النفوذ القانوني والعسكري، سواء بسبب تعميق الصراعات الداخلية بين الحزبين الكبيرين الحاكمين، أم بسبب التفاهم فيما بينهما للضرورة ومنافع اعادة تنظيم هكذا بشكل قانوني وسليم وحسب مبادئ اللامركزية السياسية والمالية الصحيحة، بحيث يقدر على تخفيف أعباء الكاهل الاداري والمالي لكليهما على الحكومة المركزية في ذاك الحين، لاشك ان الاتفاق السلمي على هكذا سيناريو يسود لازدياد تطوير القدرات الاقتصادية والانسانية للاقليم وايضا لتفعيل وتامين احتياجات الناس وتحقيق الاهداف الاستراتيجية للكورد في الداخل والعراق والخارج، وهو جدير بالدعم. 

رابعا: تفعيل ورقة الاستفتاء واعلان استقلالية اقليم كوردستان والانفصال عن الدولة العراقية، هذا الامر يكون صعبا من حيث الواقع، لكنه من الممكن اللجوء اليه كتمني الحكام لمواجهة بعض التحديات الداخلية، او للضغط على العراق لقبول اتفاق مفعم بالمكاسب السياسية والمالية اكثر للاقليم، ومن الواضح ان تمنطُق هذا السيناريو مرتبط بالتغييرات الكبيرة في موقف الدول العظمى الدولية والاقليمية منها ازاء هذا الاختيار باتجاه مواءمتها مع الموقف، ويتحمل ان يكون الاختيار الاكثر منطقيا هو الاتفاق مع بغداد او اجبارها على اعادة تنظيم الاقليم على مبادئ الكونفدرالية كمرحلة انتقالية، ولاشك ان قبول مثل هذا الاختيار الذي هو نافع لأهداف الكورد البعيدة المدى، ينبغي ان يضمن الفرص الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية للعراق.  إذن، على الرغم من ان بعضا من هذه السيناريوهات تحمل فرصا لكوردستان واقليمها، لكن معظمها مصدر التهديد لهما. ومن أجل الاستفادة الاكثر من أية فرصة، فلابد لذوي القرار في الاقليم أن يراعوا: أن معضلات الاقليم هي شاملة ومتعددة، لذا فان معالجتها يجب ان تكون متشعبة، اذ لا تنحصر معضلات الاقليم على الرواتب والمالية فحسب، رغم كونهما الان، من أبرز المعضلات، لذا فليس اصلاح هذا المجال حلا لجميع المعضلات، بل جنبا الى جنب الخطوات المالية ينبغي ان يخطوا خطوات اخرى في المجالات المتشتية، مثل: انهاء عملية المصادقة على الدستور، وتسييد مبادئه في جميع الخطوات الاصلاحية، اعادة تنظيم قوات البيشمركة ومَأْسَسَتِهَا، تفعيل اللامركزية، مواجهة ومكافحة الفساد بطريقة جادة، اعادة احترام وسيادة مركزية القرار الى المؤسسات السياسية العليا المنتخبة، العمل على تعدد الابعاد الاقتصادية والتقليل من الاعتماد على بعد اقتصادي واحد (وهو استهلاك النفط)، وكثير من الخطوات الاخرى. 

المحور الثاني: الآفاق الغامضة لعملية التعليم 

في وزارتي التربية والتعليم العالي 

ان انتشار وباء كوفيد 19 كوباء فايروسي عالمي، أثر في جميع المجالات الحياتية ويدوم أثره الى امد بعيد، كما يؤثر في أنماط وكيفية التعامل معه، لان عمل الفاروس وعدم الاستجابة والمعالجة العلمية له من جهة، أدى تعكير صفو الافاق، ومن جهة أخرى أثر تاثيرا بالغا في الوظائف والادوار وأثقل صنع القرار في أي من المجالات، ليكون خاضعا للتقييمات الصحية، وقد غيَّر وجهة البيئة السايكولوجية للعمل والقرار بشكل من الاشكال. وقد واجه القطاعان الصحي والتربوي في العالم عموما وفي كورستان خصوصا عوائق عدة، تحت تاثير هذا المناخ الجديد، وهي تستحق التوقف عليها. 

انقسم قطاع التعليم العالي والتربية في اقليم كوردستان الى القطاعين العام والخاص، وقد تم تحديد الهيكل الاداري والمالي بقانونين مختلفين، وفي هذا الاطار نظم التعليم في القطاعين من خلال قانون، وقد وجه كلا القطاعين تحت رعاية قانون وتعليمات الوزارتين كلتيهما. 

أبعد النظام التعليمي وقوانينه في كوردستان فيما مضى، نفسه، من دعمه وتاييده لتقنية التعليم عن بعد، والسبب من جهة، يعود الى العراقيل القانونية، فمثلا ان وزارة التعليم العالي اعتمدت على القانون الرقم (10) لسنة 2008 غير المعدل حتى الان، وايضا القانون الرقم (2) لسنة 2013 للجامعات الاهلية، اللذين لم يراعيا التغييرات التكنولوجية السريعة في عملية التعليم الالكتروني والتعليم عن بعد، بينما ترسخ هذا النوع من التعليم في التعليم الحديث كمصدر اعتمادي رئيس في عملية التعليم والتنقل المعرفي والتبادل المعلوماتي. لكنه بخلاف ذلك فان التعليم الالكتروني والتعليم عن بعد يُوضعان تحت التساؤل وفق القانون والتعليمات المنفذة في اقليم كوردستان، وخصوصا في حالة تعديل الشهادات ومنح الثقة للمدارس. عدا الموانع القانونية، فان ضعف البنية التكنولوجية وسوء عمل الخطوط الاتصالية وعدم توفر المقدرة الانسانية للاستفادة من التكنولوجيا الحديثة هو سبب اخر لقلة استخدام المفاتيح والمسامير الرئيسة لهذا المجال، كجزء من الحل، بل بالعكس فقد يكاد يكون استخدامه جزءا من الاشكالية. 

العراقيل الموجودة أمام قطاعي التربية والتعليم العالي: 

لتحديد آثار كوفيد 19 على قطاعي التربية والتعليم العالي، فمن المستحسن أن تُعرض العراقيل الرئيسة أمام كل منهما على حدة: 

قطاع التربية: 

اولا:عدم تأهيل بنية تحية تربوية مع وجود تكنولوجية متينة وضرورية، بدءا من شح أبنية المدارس، وكثرة عدد الطلبة وصولا الى مجمل متطلبات عمليات الإحداث التعليمي. 

ثانيا: معضلة قلة الدعم المالي وأزمة الرواتب، ما جعل مقاطعة المدرسين للقاعات الدراسية في القطاع التربوي، احتمالا مفتوحا، بل لم يكن من البعيد أن توقفوا عملية التعليم. 

ثالثا: عدم الاستفادة من عطلة مدة البقاء في المنزل بسبب الوباء، وكذلك العطلة الصيفية الطويلة بهدف تأهيل القدرات البشرية في القطاع التربوي مثل تدريب المدرسين والتربويين لأخذ خبرات اكثر وخصب الارضية لعملية التعليم الالكتروني والملائم بحيث يناسب الوضع الجديد الذي أحدثه وباء كورونا. 

رابعا: عدم وجود أو قلة ثقافة تعامل المدرسين والطلبة مع التكنولوجيا العصرية، والتثبت على النمط الكلاسيكي والدأب على التعليم الصفي. 

خامسا: وجود وضع القلق النفسي الذي خلق الخيبة وعدم الوثوق إزاء آفاق ومستقبل التعليم. 

سادسا: لقد تجاوز القطاع الخاص في التربية هذه الاشكاليات الى حد ما، لكن المعضلة الرئيسة والعائق الوحيد امام المواطنين ازاء هذا القطاع، هو غلاء أجور التعليم، ومعالجاتهم الطارئة، وهي أيضا خلق نوعا من الخمول في أعمال هذا القطاع وتسويقه. 

سابعا: غلاء أسعار الخطوط وسوء البث والايصال وآلية الايصال في شبكات الانترنيت، هو أيضا سبب آخر لعدم استخدامها والاستفادة من هذه عملية وآليات التعليم الالكتروني والتعليم عن بعد. 

التعليم العالي: 

غالبية المشكلات الموجودة في القطاع التربوي، توجد ايضا في قطاع التعليم العالي، منها: 

كثرة عدد الطلبة، عدم وجود البنيات التحتية والاحتياجات بدءا من الاحتياجات البدائية ومرورا بالاحتياجات المختبرية وأدواتها، ووصولا الى قلة القاعات الدراسية وقاعات الدراسة الالكترونية والذكية…الخ. 

انتقادات وخيبة الاساتذة والهيئة التدريسية الجامعية من اشكالية الدعم المالي وتاخير رواتبهم أو عدم أخذها أصلا، كل ذلك أدى الى تهديد تشديدات أكثر للانتقادات والمعارضات، وليس ببعيد ان يؤدي الى مقاطعة القاعات الدراسية في الجامعات. 

النقص في البنية الالكترونية للجامعات: ان سوء خطوط شبكة الانترنيت، اشكالية قلة الادوات الذكية لدى الاساتذة والطلبة، التثبت والدأب على الوسائل الكلاسيكية، كل ذلك سبَّبَ في اضعاف الالتزام بالعملية من قبل الاساتذة والطلبة. وكان اجراء تجربة التعليم الالكتروني في الفصل الاول من التعليم الالكتروني الاعتمادي برز حقيقة أنه لمّا تأت الاوان لتأهيل أرضية هذا النمط من التعليم في كوردستان، فقد كان ناقصا، على الاقل، من حيث تامين الاحتياجات (الادوات والايصال)، التدريب والتجربة. 

أصبح عدم تعديل قوانين وزارة التعليم العالي ومواءمتها مع متطلبات العصر، عائقا أمام الإعدادات والتجانس وملاءمة المناخ وبقاء بنية التعليم الكلاسيكي، بدليل وجود تلك المعضلات في الجامعات الاهلية بنسبة أقل. 

ضعف خطوط التواصل المتين مع المراكز العلمية في الدول المتقدمة  والانتفاع من كفاءاتها ونتاجاتها. 

أسلوب ادارة الاقسام الداخلية: من جانب، فان ادارتها تفتقر الى واردات جمَّة مع ان الحكومة في وضع اقتصادي مزرٍ، ومن جانب آخر، ستصبح حقلا لانتشار الوباء، وذلك بسبب الطريقة السائدة في ادارتها، وايضا اجتماع الطلبة والسيطرة عليهم واختلاطهم. 

السيناريوهات الموجودة أمام عملية التعليم في اقليم كوردستان: 

ما هو موجود حتى الان، للتنبؤ بماذا سيحدث في المستقبل ومتى وكيف تبدأ عملية التربية والتعليم للسنة الدراسية 2020-2012، هو اقتراح من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي للبدء بالعملية التعليمية، متزامنا مع ان وزارة التربية تقوم بغربلة الاحتمالات الاتية: 

إجراء التعليم الالكتروني وغلق ابواب المدارس، حتى الوصول الى ايضاح الافاق ومعالجة وتقليل واستئصال وباء كورونا وتتضح التقييمات الطبية بشكل أكثر. 

تقسيم أيام الاسبوع الى فترتين دراسيتين، اي تقسيم الصفوف وأوقات الدوام الى اثنتين وفي ظرف ثلاثة ايام. 

فتح المدارس مثل السنوات الماضية، مع مراعاة التعليمات الصحية وتاخير البدء بالدراسية حتى بداية شهر تشرين الاول، مع تقليل ساعات الدراسة، وليس ببعيد ان تقتصر الدراسة على الموضوعات التي تراها الوزارة موضوعات رئيسة. 

أي من هذه السيناريوهات لها اشكاليتها ومعضلاتها وان ممارستها ليست بهين، لم يفلح السيناريو الاول وخصوصا في المدارس الحكومية، لعدم وجود بنية تحتية الكترونية. وكانت للسيناريو الثاني اشكاليات اكثر من الاول، منها تكثير دوام المدرسين من اربعة ايام الى ستة في الاسبوع، هذه فضلا عن ان بعضا من المدارس هي ذات دوامين أساسا. 

السيناريو الثالث: لأنه وفق التقييمات والابحاث الطبية، فان الطفل حتى الوصول الى سن 18 فأقل، فان تاثير الوباء عليهم كان أقل، وتتم الدراسة من خلال تعليم الموضوعات الرئيسة في مدة ساعات قليلة، لذا فهو يبدو أنجح من سابقيه، لكن تطبيقه كذلك مرتبط بالتقييمات الطبية فالاطباء هم الذين يتخذون القرار الصارم بحقه. 

سيناريوهات التعليم العالي: حسب الاقتراح الذي أعده مجلس وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، فاننا أمام سيناريو رئيس: وهو التعليم المدمج، يعني دمج التعليم الالكتروني مع التعليم الصفي داخل بنايات الجامعات، مع مراعاة تلك المعايير التي حددتها منظمة اليونيسكو للبدء بالدوام، ومنح السلطة الى الجامعات في احتمال اتباع الاختيارات المختلفة حسب خصوصيات وضع المدن والجامعات. 

ثمة سيناريو اخر وهو: تاخير التعليم الالكتروني والتعليم الصفي، الى حد الوصول الى ايجاد علاج طبـي وتقييم علمي صحي. لكن السيناريو الثالث هو فتح أبواب الجامعات والمعاهد وتطبيع الدوام مع مراعاة التعليمات الصحية، فقد ذكر في الفقرة الرابعة من اقتراحات مجلس الوزارة أنه يتم الجزء الاوفر من التعليم داخل البنايات الجامعية، منها: (المواد التطبيقية، المواد الرئيسة، الامتحانات، المختبرات)، وهذا يعني خلق الازدحام والتجمهر، لكن بتعبير غير مباشر. لذا فان أنجح الاختيارات، على الاقل، في الجامعات الاهلية التي تقل فيها اشكاليات الاحتجاجات والاقسام الداخلية والاتصالات الالكترونية، هو التعليم المدمج.  

ديجيتال ميديا إن ار تي

السابق
نائب كردي: الاحزاب في الاقليم زورت جنسيات المواطنين لاستخدامها بتزوير الانتخابات
التالي
بغداد تطلب من كردستان العراق خفض إنتاج النفط 120 ألف برميل يومياً

اترك تعليقاً