العراق

دفع حياته من أجل قضية.. قصة صفاء السراي رمز الانتفاضة العراقية

ملأت صور قتلى العنف الشديد الذي مارسته قوات الأمن العراقية ضد المتظاهرين الذين شاركوا في الاحتجاجات منذ اندلاعها في الأول من أكتوبر/تشرين الأول الماضي جدران ساحة التحرير.

ومنذ بداية المظاهرات سقط أكثر من 320 عراقيا إلى الآن، لكن من بين كل هؤلاء الضحايا أصبح الناشط والصحفي صفاء السراي يمثل رمزا للانتفاضة السلمية في العراق.

وفي هذا الصدد، سلط الكاتب أليكس ماكدونالد في تقريره -الذي نشره موقع “ميدل إيست آي” البريطاني- الضوء على السراي، ووصفه بأنه أيقونة الانتفاضة المناهضة للحكومة العراقية.

من دعاة التغيير
وقال الكاتب إن السراي كان ناشطا فاعلا على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يتابعه الآلاف من روادها، فضلا عن كونه من أوائل الداعين إلى تغيير الوضع السياسي في العراق منذ عام 2011.

أصدقاء السراي يشيعون جثمانه في ساحة التحرير ببغداد (مواقع التواصل)
أصدقاء السراي يشيعون جثمانه في ساحة التحرير ببغداد (مواقع التواصل)

وكان السراي شخصية مؤثرة للغاية، ولا سيما أنه كان يلعب دور الصحفي وينشر صورا توثق وحشية قوات الشرطة في ظل غياب وسائل الإعلام الرئيسية التي لم تغطِ هذه الأحداث.

وقال علي خريبط -وهو أحد أصدقاء السراي- “واجهت وسائل الإعلام هنا مشاكل لتغطية هذه الاحتجاجات، لذلك تطوعنا لتوثيق هذه الأحداث باستخدام هواتفنا وتقديمها للقنوات التلفزيونية مجانا، كما زرنا المستشفيات ووثقنا كل ما يحدث، وما زلت لا أصدق أنه توفي”. 

يشار إلى أن السراي البالغ من العمر 26 عاما أصيب بقنبلة مدمعة أثناء مشاركته في المظاهرات التي اجتاحت شوارع بغداد يوم 29 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وتوفي متأثرا بإصابته في المستشفى بعد مرور ساعتين.

وقبل يوم واحد من مقتله، نشر السراي صورا في حسابه على فيسبوك، من ضمنها صورة يظهر فيها وهو يتكئ على شجرة في حديقة الأمة المجاورة لساحة التحرير خلف نصب الحرية الذي يصور تاريخ العراق ويسرد أحداثا يمزج فيها بين القديم والحداثة، ومنذ وفاته أضحت هذه الصورة مصدر إلهام للناشطين والفنانين في جميع أنحاء بغداد.

وأشار الكاتب إلى أن الفنانين في العراق زينوا جدران النفق الرئيسي المقابل لساحة التحرير بلوحات جدارية تعبر عن سخطهم الشديد من الحكومة.

وأضحى السراي وجه الانتفاضة العراقية، و”منح الثورة دفعة قوية إلى الأمام”، على حد تعبير خريبط.

وفي الواقع، لم يكن للسراي زوجة أو أطفال، كما أن والدته -التي كانت ترافقه أحيانا للخروج في الاحتجاجات السابقة- توفيت بعد صراع مع مرض السرطان، وترك خلفه أربع أخوات وخمسة أشقاء.

وفي حديثه مع موقع “ميدل إيست آي”، قال عقيل -وهو أحد أشقاء صفاء- إنه يشعر بالسعادة لأن شقيقه الأصغر “توفي دفاعا عن قضية، ولم يلقَ حتفه جراء حادث أو لأسباب طبيعية”، وأصبح بذلك رمزا للثورة “التي تتغذى على دماء الشهداء، ونتشرف بأن ابننا كان من ضمن الدماء التي أريقت دفاعا عن هذه الثورة”.

مصدر الغضب
وأوضح الكاتب أن فشل الدولة العراقية طوال هذه السنوات كان دائما مصدر غضب ملايين العراقيين على الرغم من أن مخاطر التهديد الإرهابي جعلت الكثيرين ينأون بأنفسهم عن الاحتجاج. 

يذكر أن العراقيين خرجوا احتجاجا ضد الفساد عام 2016 في مظاهرات كبرى اجتاحت شوارع بغداد.

وعلى الرغم من أن ناشطي المجتمع المدني أطلقوا هذه الاحتجاجات في البداية، بيد أنها أصبحت لاحقا مرتبطة برجل الدين الشيعي مقتدى الصدر الذي هيمن أتباعه على هذه المظاهرات، والذين اقتحموا في مرحلة ما البرلمان العراقي ومكتب رئيس الوزراء.

وكما هو الحال الآن، فقد حاولت قوات الأمن خلال احتجاجات عام 2016 قمعها باستعمال القوة والعنف، وذلك وفقا لما أورده خريبط الذي قال إنه كان مستهدفا مع صديقه صفاء آنذاك من قبل قوات الشرطة التي حاولت اختطافهما وانهالت عليهما بالضرب قبل إطلاق سراحهما. وأكد خريبط أنه تلقى تهديدات بالقتل قبيل بداية الاحتجاجات الحالية.

وذكر الكاتب أن شارع السعدون المؤدي إلى ساحة التحرير -الذي عادة ما يكون مزدحما- أضحى معزولا في الوقت الراهن جراء انتشار الحواجز الخرسانية والخيام التي وضعت لمساعدة الناشطين والمسعفين المتطوعين.

والاثنين الماضي، نظم زملاء صفاء السراي من الجامعة المستنصرية مظاهرة في شارع السعدون وأقاموا خيمة تكريما للناشط الذي اغتيل.

وأورد الكاتب أن عددا من الناشطين كانوا يرتدون قمصانا طبع عليها وجه السراي، في حين كانت هناك لافتة معلقة خارج الخيمة تحمل أحد منشوراته على فيسبوك منذ منتصف يونيو/حزيران الماضي والتي جاء فيها “أعظم شرف وتكريم وتعظيم في هذه الحياة أن تكون عراقيا”.

من جهته، قال محمود كريم -وهو صديق السراي منذ الطفولة- إنه “على الرغم من أن السراي كان فقيرا فإنه كان يأتي كل يوم إلى مخيم الاحتجاج، وكان يخرج للتظاهر منذ 2011 حيث كان مطاردا واعتقل عدة مرات، حتى أنه اضطر إلى الفرار من البلاد مرتين، ونتيجة لذلك كانت الحكومة سعيدة بوفاته”.

وأضاف أحد المحتجين في المخيم أن السراي كان دائما يحث على تنفيذ “الاحتجاجات السلمية”.

المراوغة الأممية
وأشار الكاتب إلى أن بعض النشطاء كانوا غاضبين إزاء المراوغة من جانب الأمم المتحدة التي منحت دعما كبيرا لموقف الحكومة.

وبالإضافة إلى ذلك، أثار بيان رئيسة البعثة الأممية جينين هينيس بلاسخارت -الذي قالت فيه إن “تعطيل البنية التحتية الحيوية” كان “مصدر مخاوف كبيرة”، و”يقوض تلبية مطالب المحتجين المشروعة”- غضبا عند بعض الناشطين. 

يشار إلى أنه ردا على ردود الفعل العنيفة للمتظاهرين، أصدرت بلاسخارت بيانا قالت فيه إن الأمم المتحدة كانت “شريكا لكل عراقي يسعى إلى التغيير”.

وقد تناولت الوثائق الأخرى التي أصدرتها الأمم المتحدة استخدام الحكومة العراقية العنف.

وأوضح الكاتب أن بلاسخارت التقت يوم الاثنين الماضي بالمرجع الشيعي الأكثر نفوذا في العراق علي السيستاني الذي دافع عن الاحتجاجات، ووصفها بأنها “شرعية”، ودعا الحكومة إلى “ضبط النفس” في التعامل معها.

وقالت بلاسخارت إن السيستاني أعرب لها عن أن القوى السياسية في العراق “ليست جادة بالقدر الكافي” لتنفيذ الإصلاحات التي دعت إليها الأمم المتحدة، بما في ذلك التغييرات العاجلة على النظام الانتخابي، ومحاكمة المسؤولين عن العنف، وإصدار قوانين مكافحة الفساد.

وفي هذا السياق، قال علي “إننا نحتج لأن الحياة في العراق أشبه بالعيش في قنبلة، بين الجوع والانفجارات والمليشيات وحتى التهديدات، وكل الثروة المنهوبة في جيوب أشخاص يفتقرون إلى أي مستوى تعليمي”.

وأضاف أنه “بغض النظر عن القوة التي استخدمتها الحكومة ضدهم، سيحتفظ المتظاهرون بموقفهم لأطول مدة ممكنة، وكان صفاء آخر شخص غادر ميدان التحرير، وهذه المرة سنكون أيضا آخر من يغادر هذا المكان”.

السابق
لهذا السبب جدد بارزاني دعمه لعبد المهدي خلال زيارة يوم أمس
التالي
ماذا فعل السياسيون بأموال نفط العراق؟

اترك تعليقاً