أبحاث ودراسات

روسيا: دبلوماسيه الطاقة في الشرق الأوسط

كيف عزز الكرملين مكانته في المنطقة؟

عندما قررت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، في مارس 2014، فرض عقوبات على روسيا في أعقاب أزمة أوكرانيا، حاولوا استهداف احد العوامل الرئيسية للنفوذ الجيوسياسي الروسي: قطاع الطاقة. وجاء جزء من العقوبات من خلال تعقيد صفقات تمويل مشروعات الطاقة الروسية وزيادة مستوى المخاطر المرتبطة بالديون الروسية. وردا على ذلك، حاول الكرملين بناء قنوات جديدة لتمويل الطاقة وأسواق التصدير. وكان ميلها الأول هو التحول إلى المستهلكين الذين ينموون بسرعة في آسيا، مع التركيز بشكل خاص على الصين. بالإضافة إلى التفاوض على صفقة مايو 2014 لشركة غازبروم الروسية لتزويد شركة البترول الوطنية الصينية بما يصل إلى 38 مليار متر مكعب من الغاز, لمدة 30 عاما. أصبحت الصين مصدرا للقروض لمشاريع النفط والغاز الطبيعي المسال التي اصبحت مستهدفة من الصين كسوق للتمويل.

 

غير أن التقدم المحرز في استراتيجية الغاز في الشرق الروسي منذ ذلك الحين كان بطيئا، ويرجع ذلك أساسا إلى تباطؤ النمو في الصين وقدرتها على استغلال موقفها التفاوضي القوي بالنسبة لروسيا التي تقطعت بها السبل الهيدروكربونية الشرقية بسبب نقص الأسواق المتاحة بسهولة. ونتيجة لذلك، حول الكرملين استراتيجيته للسياسة الخارجية إلى مصدر سوفياتي قديم من النفوذ الجيوسياسي- الشرق الأوسط. إن قرار الولايات المتحدة التخلي عن دورها كضامن إقليمي رئيس خلال فترة رئاسة باراك أوباما الرئاسية الثانية، كما يتضح من سلسلة من التحولات حول سوريا وقرار دعم غير مباشر لإعادة التوازن الإقليمي للقوة بين المملكة العربية السعودية وإيران بعد رفع العقوبات النووية عنها في عام 2016 سمحت للكرملين بالمطالبة بحصة في المناطق الساخنة في الشرق الأوسط، إضافة إلى إدراج قطاع الطاقة في قلب أسواق النفط والغاز في المنطقة.

موجة من صفقات الطاقة

 

أدى تمديد اتفاق مايو / أيار 2017 بين أوبك والدول غير الأعضاء في منظمة أوبك للحد من الإنتاج في محاولة لتعزيز أسعار النفط إلى جعل روسيا أكبر منتج غير عضو في أوبك مع المملكة العربية السعودية كمصدر رئيسي للنفط في أوبك. ويحتاج كل من البلدين إلى ارتفاع سعر النفط فوق 50 دولارا للبرميل، مع حرص روسيا على الحفاظ على ميزانيتها قبل الانتخابات الرئاسية في مارس 2018 والمملكة العربية السعودية يائسة لتمويل حرب باهظة الثمن في اليمن، والحفاظ على التأمينات الاجتماعية لتجنب الاضطرابات الداخلية، ودعم الطرح الأولي للاكتتاب العام المخطط له لأهم شركاتها، أرامكو السعودية. (في الواقع، فإن الصعوبات التي تواجه أرامكو السعودية في التغلب على العقبات التي تحيط بالخصخصة الجزئية يمكن أن تكون هدفا رئيسيا للشركات الروسية مستقبلا).

وقد أصبح أكبر مصدرين للنفط في العالم وثيقي الصلة منذ نوفمبر / تشرين الثاني 2016، عندما قررت روسيا خفض الإنتاج بمقدار 300 ألف برميل يوميا، أي نصف إجمالي المعروض من خارج أوبك. وقد أعربت المملكة العربية السعودية عن رغبتها في إضفاء الطابع المؤسسي على علاقات روسيا مع منظمة أوبك. وفي حزيران / يونيو 2017، قام نائب ولي العهد محمد بن سلمان ووزير الطاقة خالد الفالح بزيارة رسمية إلى سانت بطرسبرغ. وشهدت اجتماعاتهما مع الرئيس الروسى فلاديمير بوتين ووزير الطاقة الكسندر نوفاك الكثير من التهنئة المتبادلة على النجاح الملحوظ لاستراتيجية سوق النفط المشتركة بينهما، فضلا عن الحديث عن التعاون الثنائى والمشروعات المشتركة فى صناعة النفط.

 

روسيا، ومع ذلك، لا تقتصر في تحالفها على السعودية فقط. ويمكن رؤية محاولات موسكو للتمدد عبر الشرق الأوسط في صفقات الشركات التي تم توقيعها على مدى العامين الماضيين في بلدان متعددة. فعلى سبيل المثال، تقوم شركة “لوكويل” الروسية بتشغيل إنتاج النفط في حقل القرنة الغربية في العراق منذ عام 2009، ولكنها تجري مفاوضات لتوسيع الإنتاج هناك وبدء الإنتاج في حقل إريدو المكتشف حديثا. والتقى فاكت أليكبيروف الرئيس التنفيذي لشركة لوكويل مؤخرا مع وزير النفط الإيراني بيجان زانجنه لمناقشة الاستثمار في حقلين بريين . وقد قامت غازبروم نفت، الشركة التابعة للنفط في غازبروم، بتطوير ثلاثة كتل استكشافية تسمح لها بالحفر عن الهيدروكربونات في كردستان بينما تعمل أيضا في حقل بدرة في جنوب العراق. ووقعت شركة روسنيفت للنفط الروسية اتفاقيات تعاون فى كردستان وليبيا واشترت حصة 30 فى المائة من حقل الغاز ظهر العملاق فى مصر. وقد بدأت شركتها الجديدة، باشنفت، الحفر في بلوك 12 في العراق. بالإضافة إلى ذلك، بدأت أربع شركات نفطية روسية في التفاوض من أجل الحصول على فرص في سوريا، وهو مشروع مدفوع بالسياسة اكثرمن كونه مدفوعا بالمصالح التجارية – على الرغم من أن احتمال العثور على حقول نفطية جديدة كبيرة منخفض نسبيا، إلا أن الاستثمارات لها دلالة رمزية واضحة.

وفي إيران، تتفاوض غازبروم مع السلطات للاستثمار في حقل بارس الشمالي (وهو تطوير محتمل للغاز الطبيعي المسال) وفي حقل غاز فرزاد B البحري، مع النية المعلنة، مهما كانت بعيدة المنال، لتوفير صادرات الغاز إلى باكستان والهند، التي من شأنها أن توفر أداة تفاوض دبلوماسية أخرى ممكنة لروسيا. وعلاوة على ذلك، وقعت شركة غازبروم نفت مذكرة تفاهم مع شركة النفط الوطنية الإيرانية لتطورين محتملين في حقول النفط، في حين وقعت شركتا زاروبزنفت وتاتنفت أيضا صفقتين نفطيتين لكل منهما مع طهران. وعلى المستوى الحكومي، وقعت وزارة الطاقة الروسية على اتفاق بشأن النفط مقابل السلع حيث يتم شراء 100 ألف برميل يوميا من النفط الإيراني عبر شركة برومسيرييمبورت التجارية.

الدبلوماسية الثلاثية

كل هذا النشاط يجعل من الواضح أن روسيا تستخدم دبلوماسية الطاقة وشركات الطاقة لديها للعب دور المفاوض بين مختلف الأفرقاء، والأهم بين إيران والمملكة العربية السعودية. ومما لا شك فيه أن هذه العملية كانت قد بدأت بداية صعبة، حيث أن اجتماع أوبك الفاشل الذي عقد في الدوحة في 2016، على الأقل، قد ألقى باللوم جزئيا على عجز روسيا عن جلب إيران إلى طاولة المفاوضات. ومنذ ذلك الحين، كان الكرملين ناجحا إلى حد ما في الحفاظ على توازن في علاقاته مع الطرفين. على الرغم من أنه بالتأكيد لم يحقق أي تقارب، إلا أنه أظهر مع ذلك نزاهة نسبية. وهذا ما سمح لها بالتفاوض على اتفاقات تجارية في كلا البلدين، مع تقديم الدعم للتعاون في إطار منظمة أوبك التي ربما لم تكن ممكنة، نظرا إلى عدم رغبة إيران في الامتثال لأي اتفاق إنتاج حتى وصل إنتاجها النفطي إلى مستويات ما قبل العقوبات. ونتيجة لذلك، تمكنت من كسب المصداقية لدى الجانبين وتعزيز مكانتها في المنطقة.

إن فوائد توسيع الوجود الروسي في الشرق الأوسط ليست سياسية فحسب. أهم آثار العقوبات الأمريكية والاتحاد الأوروبي على البلاد كانت مالية. تتمثل في عرقلة الوصول إلى أسواق رأس المال الدولية لشركات روسية محددة، جعلت خدمة الديون قصيرة الأجل أكثر صعوبة. وردا على ذلك، بحثت روسيا عن مصادر بديلة للأموال، وكان هناك طريق واضح واحد عبر شركات تجارية تعمل في مجال الطاقة مثل جلينكور وفيتول وترافيجورا، وكلها مستعدة لتقديم ترتيبات عقود شراء نفط مسبقة، حيث يقدم التجار مبلغ اجمالي عبارة عن دفعة واحدة في مقابل تسليم النفط الخام. ونظرا لأهمية المنطقة في سوق النفط، فإن هؤلاء التجار لديهم روابط قوية مع الشرق الأوسط، ونتيجة لذلك يوفرون قناة أخرى لزيادة المشاركة الروسية. وشاركت الشركات الروسية في تجارة النفط الخام الكردي (مستفيدة من أسعارها المتدنية في السوق )، مع روسنيفت، على سبيل المثال، المصافي الأوروبية تدفع مسبقا ثمن النفط. والأهم من ذلك، تمكن تجار النفط أيضا من إدخال الشركات الروسية إلى مصادر جديدة لرأس المال.

وأوضح مثال على ذلك هو استثمار جلينكور وجهاز قطر للاستثمار في بيع 19.5 في المئة من روزنيفت في ديسمبر 2016، مما عزز الروابط الروسية في مجال الطاقة مع الشرق الأوسط من خلال التأكيد على أن الاستثمار المباشر من المستثمرين في المنطقة في الأصول الروسية هي موضع ترحيب. ومن دون قصد، قد تضع هذه الصفقة أيضا الكرملين في مركز مثلث دبلوماسي إقليمي آخر، نظرا للتحرك الأخير الذي قامت به المملكة العربية السعودية وثلاث دول خليجية أخرى لقطع صلاتها مع قطر. ومن الواضح أن السلطات الروسية ستحافظ على علاقات ودية على جميع الجبهات.

وعلى الرغم من النجاحات التي حققتها روسيا في العامين الماضيين، فمن غير المؤكد كم من الوقت يمكن لموسكو الحفاظ على دورها التثليثي. ويبدو أن كل من موسكو والرياض حريصان على إقامة شراكة طويلة الأمد مع الحديث عن إضفاء الطابع الرسمي على العلاقات وتعزيز التعاون الثنائي. وعلاوة على ذلك، أثارت زيارة الرئيس التنفيذي لشركة روزنفت “إيجور سيشين” إلى الرياض اقتراحات داخل دوائر صناعة النفط بأن روسيا والمملكة العربية السعودية قد تستعدان لإجراء مقايضات فيما خص النفط، بل وتقسيم السوق الآسيوية من أجل تجنب المنافسة المفرطة. بيد أن هذا الزخم الإيجابي يبني على أسس غير مؤكدة نسبيا. وسوف تتغير حوافز الدولتين حول اتفاق منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) مع انتهاء اتفاق التمديد الجديد في مارس 2018. بحلول ذلك الوقت، من المحتمل أن يعاد انتخاب بوتين، مما يحد من الضغط على روسيا للحفاظ على ارتفاع أسعار النفط ومواصلة المزيد من ضبط الانتاج، سيكون بعد ذلك أكثر من ضرورة للمملكة العربية السعودية.

إذا كان هناك تغيير في الموقف الروسي من اتفاق أوبك، فإن التوترات السياسية الأخرى بين إيران وقطر وسوريا يمكن أن تظهر، وربما تفاقمت بسبب العودة المحتملة للنفوذ الأمريكي في المنطقة، بالنظر إلى محاولات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة لإحياء علاقة قوية مع المملكة العربية السعودية (التي ساعدها موقفه المناهض لإيران). ومن ثم ستخضع استراتيجية روسيا لإنشاء مثلثات دبلوماسية إلى اختبار شديد، ويمكن أن تصبح صفقات الشركات التي جرت في جميع أنحاء المنطقة ركنا أساسيا أكثر أهمية في استراتيجية الكرملين.

بواسطة جيمس هندرسون وأحمد مهدي.

فورن بوليسي

June 20, 2017

السابق
العراق بعد داعش: ثلاث نقاط رئيسية
التالي
الولايات المتحدة: الأهداف الاستراتيجية في الشرق الأوسط

اترك تعليقاً