أبحاث ودراسات

زمن كورونا وإعادة تشييد السلطوية

من لبنان إلى العراق، ومن إيران إلى مصر ودول الخليج العربي، مرورا بتركيا وسوريا وغيرها من بلدان شرق المتوسط المتشابهة، صارت أزمة كورونا مناسبة استثنائية لأن تُظهر سلطات حكم هذه الجغرافيات والمجتمعات كامل لاوعيها وديناميكيات أفعالها التقليدية، حتى منها تلك التي كانت قد تجاوزتها نسبيا، أو غدت تمارسها على “حياء” ومواربة.

فكورونا، باعتبارها فظاعة عامة، واستعارة عن حرب مطلقة تُشن على المجتمعات والمتن العام، فإنها ظرف مثالي لاستدعاء سلطة عمومية مطلقة الصلاحية، حربية الأدوات والسلوكيات، أبوية القيم والرموز. سلطة تأمر فتُطاع، دون نقاش أو مراجعة، وبالتالي خارج أي نقد أو أي حلم بالمحاسبة.

طوال تاريخها الحديث، خلال العقود الخمسة الأخيرة على الأقل، كانت مختلف أنماط الحكم السياسي في بلداننا، تحوي شيئا كثيرا من ذلك، وإن كانت قد ترهلت بنسب مختلفة، بسبب تحولات مركبة طرأت على بنى تلك المجتمعات، وعلى علاقتها مع متن السلطة العامة في بلدانها. لكن أولا بسبب فقدانها للمناسبات الاستثنائية التي مثل هذه لفترة طويلة. فآخر حرب طويلة بين دولتين شهدتها المنطقة كانت قبل ثلاثة عقود، وأهم صراعات المنطقة صارت تفتقد لياقتها، وصارت التناقضات الأكثر حضورا هي بين السلطات الحاكمة ومجتمعاتها.السلطات في لبنان والعراق والجزائر فرحة لأن آلية تعاطيها مع كورونا فرضت حظرا على أية احتجاج

لذا، فإن أزمة كورونا، بما وفرته من شروط ومناخات، منحت سلطات الحكم هذه فرصة لإعادة ترتيب موقعها وشكل علاقتها مع المجتمعات المحكومة، ساعية لمراكمة المزيد من القوة لصالحها، ومعها ديناميكيات شديدة الإحكام للضبط العام، لأن تكون هيمنتها العامة مطلقة وأبدية.

هذه السلطات حينما تفعل ذلك، إنما تستعيد أمجادها السابقة، وقتما كانت منجرفة لإنتاج وتشييد المجتمعات المحكومة نفسها، لتكون متوافقة وموافية لمواصفات وشروط هذه السلطات. فنوعية السلطات في بلداننا، حسب التصنيفات الشهيرة للكاتبة الألمانية حنة أرندنت، هي مزيج مريع من السلطانية التقليدية مع الشموليات الفاشية الحديثة، أي نتيجة الجمع بين الأبوية الفوقية بمؤسسات القمع العام شديدة الفاعلية، “الحديثة”. فهي كانت وما تزال تواقة لأن تصبح آلة ضخمة لتحطيم الكم الهائل من المدخلات والتأثيرات التي أنتجت هذه المجتمعات نفسها عبرها، وتسعى لأن تكون هي ـ السلطات الحاكمة ـ المنتج الوحيد لهذه المجتمعات.

♦♦♦

لم تكن أفعال واستراتيجيات سلطات بلداننا شبيهة بتلك التي اتخذتها بلدان أخرى، الديمقراطية منها على الأقل. إذ صحيح أن بعض تلك الإجراءات قد تكون ضرورية وصحية تماما لتفادي انتشار الوباء، لكن إلى جانب ذلك الفعل، فإن سلوكياتها كانت تشي بالكثير من الرغبة والتطلع لاستغلال الموقف، وأن تكون كل خطوة من أفعالها لبنة في جدار قلعة الزعامة والهيمنة والقداسة التي تشيدها حول نفسها ورجالاتها وقادتها المكرسين.

فالسلطات في لبنان والعراق والجزائر كانت فرحة لأن آلية تعاطيها مع كورونا فرضت حظرا كاملا على أية مظاهر احتجاجية سابقة، كانت قد اجتاحت هذه البلدان منذ شهور كثيرة، وكانت تهدد باقتلاع سلطات تلك البلدان من جذورها. في سوريا، ستعيد كورونا كثير من الشرعية لنظامها الحاكم، فالسوريون لا يملكون حلا إلا بالاستجابة لكافة فروض نظامهم الحاكم، وكثيرون منهم سيفرحون لو أبدى هذا النظام استجابة إنسانية بحدها الأدنى، وأطلق سراح عشرات الآلاف من المعتقلين تعسفا.

في إيران، صارت كورونا مناسبة لأن يعيد نظامها المهترئ بناء قلعة المؤامرة المتخيلة، التي تقول بأنها تستهدفه، ويعتبرها حربا أميركية ضده، كما صرح المرشد الإيراني الأعلى صراحة. في تركيا، وغيرها من البلدان الشبيهة، فإن السلطة تستعد لأن يكون تعاملها مع كورونا فرصة نادرة لفعل كل ما لم يكن متاحا من قبل، وهكذا.

ففي كل تفصيل من سلوكياتها تلك، فإن السلطات الحاكمة كانت تستعين بأركان أدوات حكمها التقليدية، لتكرس من فاعلية سطوتها المطلقة. رجال الدين الذين أضفوا هالة أخلاقية ووجدانية على تلك الإجراءات، والجيوش التي فرضت ضبطا ماديا مطلقا ومضادا لأي تحرك أو معارضة، إلى جانب جيش المادحين والمشرعين لتلك الإجراءات، من إعلاميين وصحفيين وقادة رأي، وبمؤازرة رجال الأعمال الفاسدين، الذين سعوا عبر ما قدموه من تبرعات مالية لاختلاق غمامة من روح التضامن الوطني الزائفة.

القضية ليست في الإجراءات الطبيعية التي اتخذتها الحكومات والمؤسسات التابعة لها، بل في الكم الهائل من الاستعداد والقابلية لتحوير تلك الإجراءات، على ما فيها من تقصير واضح، إلى ملحمة لتمجيد هذا السلطات، ومنحها شيكا مفتوحا على بياض، لتفعل بحاضر هذه المجتمعات، وربما بمستقبلهم، ما تشاء.

♦♦♦

تفعل السلطوية السياسية في بلداننا ذلك في زمن كورونا، لتعيد بناء وتمتين ما تعتقد أنها فقدته خلال فترات ماضية، وحسب توازن ما معقول قد تكرس بينها وبين المجتمعات التي تحكمها.

فهذه السلطات تتطلع أولا لإعادة اكتساب الشرعية الكاملة لمنظومتها الحاكمة، بمواثيقها وأجهزتها وآليات حكمها. تلك الشرعية التي كانت محل تساؤل كبير في مختلف هذه الدول، بدرجات متفاوتة. صار الشك والطعن بها بحكم الأمر الواقع في غياهب النسيان. مع هذه الشرعية التي نالتها من جديد، صارت تطلب معها صكا للقبول بالأحكام العرفية والإجراءات الاستثنائية والسلوكيات التي تتخذها، أيا كانت.في سوريا، ستعيد كورونا كثير من الشرعية لنظامها الحاكم

ضمن تفاصيل الشرعية المطلقة هذه، فأن السلطات قد تتطلع سريعا لأن تتجاوز قواعد لعبة الشرعية التي محكومة بها حتى قبل شهور قليلة. فالسلطات الجزائرية والسودانية قد تستعيد كثيرا من شروط العلاقة السابقة بينها وبين مجتمعاتها، ونظيرتها السورية قد تحول واقعها الحالي إلى جسر لاستحواذ شرعية إقليمية ودولية فقدتها، ونظيرتها الإيرانية قد تعتبر أن حروبها الطائفية العبثية ليست محل احتجاج…إلخ.

فعل استحصال الشرعية سيجر حتما دعوة لنسيان ماضي هذه السلطات، بكل أفعاله وفظائعه. فالمحكومون، وبحكم المحنة المريعة هذه، مدعون لحفلة غفران مفتوحة لما ارتكب بحقهم من قبل، ومدفعون لاعتبار اللحظة الحالية تأسيسية لكل شيء، بالذات لعلاقتهم مع الحاكمين، القادرين وحدهم على “إنقاذهم” مما هم فيه.

ففي زمن كورونا، كما في كل أوقات المحن الكبرى، تسقط أدوات الذاكرة وأحلام العدالة وقيم المحاسبة وشرعية المساواة، وتغدو السلوكيات والفاعليات الاستثنائية والقاسية والحتمية، وبكل جورها، ممتلكة للأحقية والقابلية على التنفيذ. بمعنى ما، لا صوت يعلو فوق صوت معركة كورونا.

نسيان الماضي ذلك، ستليه فصول مفتوحة، وربما طويلة، لنسيان الحاضر والمستقبل. إذ لم يحدث في التاريخ وكانت فيها سلطة أو حياة ما بحِلٍ عن ماضيها، إلا وكان حاضرها ومستقبلها مختلا بشكل مريع.

فحاضرا، ليس لأحد أن يسأل إذ ما كانت مختلف طبقات المجتمع تتحمل وزر تبعات حالة الطوارئ في زمن كورونا أم لا! فالطبقات الأكثر سحقا وضعفا وهوانا وفقرا، لا تملك لسانا لأن تقول بأن بقاءها لأسابيع وشهور طويلة في بيوتها، دون عمل أو تأمين اجتماعي وحياتي، إنما يعني تدميرها وتحطيم حتى حياتها البيولوجية، تفكيك أسرها ومنظومة القيم بداخلها، في وقت ينعم فيه الميسورون ما راكموه من خيرات تلك البلاد، وإن كانوا يحيون في حِجرٍ عام مثلهم. في حالة سلطوية كورونا، ليس للمسحوقين أن يسألوا عن أي من حقوقهم الطبيعة العادلة في خير البلاد، الرمزي والمادي، حاضرا ومستقبلا.في إيران، كورونا مناسبة لأن يعيد نظامها المهترئ بناء قلعة المؤامرة المتخيلة

في نفس السياق، لن يتمكن أحد من مساءلة ومحاسبة هذه السلطات الشمولية، وأيضا بحكم فظاعة ظرف كورونا، أن يسأل عما فعلته من تبذير للأموال العامة على الأسلحة والأجهزة الأمنية والمؤسسات السلطوية، طوال سنوات وعقود سابقة كثيرة، ولم تبنِ بنية تحتية متينة للقطاعات الصحية والتعليمية، لتكون مجتمعاتها قادرة، ولو بالحد الموضوعي المعقول، على مواجهة مثل هذه الأزمات. لا يحق لأحد مثل تلك الأسئلة، لا حاضرا ولا مستقبلا.

سيحدث ذلك، في وقت ستسحق فيه الأسئلة الواجبة والحقيقية، وستصير بالتقادم بحكم “التافهة”، مثل السؤال عن الفساد الذي سيطال هذه الإجراءات، وشبكة المستفيدين والمستغلين للظرف، تلكؤ السلطات وسعيها لاستغلال الظرف الاستثنائي، مدى تأثير وعقلانية ما تمارسه في مختلف القطاعات خلال هذه الفترة…إلخ.

ليس في هذا الكلام أية دعوة لعدم فعل ما يلزم من إجراءات لمنع تفشي كورونا، بقدر ما هي محاولة للتفكير بنمط السلطات التي حكمت وما تزال بلداننا. فزمن كورونا هو استعادة تراجيدية لأزمة شبيهة كثيرة مرت على مجتمعاتنا، كانت السلطات تسحق فيها أشكال كثيرة للحياة، في سبيل ما تدعي أنها تحافظ عليه من شكل ما للحياة. خصوصا وأن زمن كورونا قد يتطور من حالة وفاصل زمني قصير إلى حقبة طويلة، قد يطول من شهور إلى سنوات، يمنح بها ترياقا آخر لشجرة السلطوية العامرة أساسا في بلداننا، وعلقما لمجتمعاتنا، طبقاتنا المسحوقة بالذات.

الحرة

السابق
تقرير يفسر سبب تمسّك الفصائل بعبد المهدي!
التالي
كيف حافظت هونغ كونغ وهي الأقرب الى الصين براً على شعبها من كورونا : ثلاثة أمور سحرية

اترك تعليقاً