فكر ديني

زينب(ع) الصابرة على المصائب والأحزان… حفيدة الأنبياء

غريبة تلك المرأة ( زينب بنت عليّ، بنت فاطمة )، في جميع حالاتها وأدوارها التي عاشتها، فقد استولى الحزن، واستولت المصائب على طول مسيرة حياتها، بدءا من فقدان جدها، مرورا بأمها وأبيها وأخيها الحسن، ولم يبق معها إلا اخوها الحسين قرةُ عينها، يملأ قلبها ونفسها، ويطيّب حياتها المفجوعة بأخلاقه الشريفة، كما بقي لها إخوتها من أمّ البنين: العباس وإخوته رضي الله عنهم، هي لهم أخت وعقيلة فاضلة ترعاهم ويُجلّونها.

إن الشخص الذي يعيش في أجواء المصائب والشدائد، هو شخص قادر على إدراك الحياة ومعانيها بشكل أوسع وادق من غيره، ومن ثم نسج علاقة مميزة مع الله سبحانه وتعالى، وقد أشار إلى ذلك أمير المؤمنين:”عِبَادَ اَللَّهِ إِنَّ مِنْ أَحَبِّ عِبَادِ اَللَّهِ إِلَيْهِ عَبْداً أَعَانَهُ اَللَّهُ عَلَى نَفْسِهِ فَاسْتَشْعَرَ اَلْحُزْنَ وَ تَجَلْبَبَ اَلْخَوْفَ فَزَهَر مِصْبَاحُ اَلْهُدَى فِي قَلْبِهِ”، من هنا نجد أكثر الشخصيات العظيمة وخصوصا الأنبياء والأولياء، عاشوا البلاءات بحيث خيم الحزن على حياتهم، هذا نبي الله يعقوب حينما فقد ولده النبي يوسف ماذا قال: ((وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)). ولكنهم استطاعوا أن يقدموا للبشرية نموذجا رائعا،هذا نبي الله عيسى كيف كانت حياته، يقول امير المؤمنين واصفاً زهد عيسى عليه السلام قائلاً : “وإن شئت قلت في عيسى بن مريم عليه السلام فلقد كان يتوسّد الحجر ويلبس الخشن ويأكل الجشِبَ، وكان إدامُهُ الجوع، وسِراجُهُ بالليل القَمَر، وظِلالُهُ في الشتاء مشارِقُ الأرضِ ومغارِبُها، وفاكهتُهُ وريْحانُهُ بالليل ما تُنْبِتُ الأرضُ للبهائم، ولم تكن له زوجة ٌ تَفْتِنُهُ، ولا وَلَدٌ يُحْزِنُهُ، ولا مالٌ يَلْفِتُهُ، ولا طَمَعٌ يُذِلُّهُ، دابَّتُهُ رجْلاه، وخادمهُ يداه”. فالذي يعيش الالام والاحزان هو شخص قادر على استلهام معاني الوجود ، وسبر اغواره، لان لحظات الحزن هي لحظات يتحد فيها الانسان مع ذاته اكثر، فيكون اقرب الى الله، ويحاول ان يفهم الوجود من حوله بشكل اعمق فهو دائما منهمك في اكتشاف الجديد من الاسرار، يسعى الى تشييد معناه الخاص التي يتجاوز فيه الناس السطحيين ،لا يكتفي من حياته باللهو واللعب بل يدرك ان ثمة مغزى أكبر وهدف أوسع عليه ان يسعى لبنائه وتجسيده، من هنا كانت العزلة عن المجتمعات فرصة ليتحد الإنسان مع ذاته ومع خالقه، من اجل استشراف افقا اخر لا يخوض فيه مع أناسه، ولا يؤثر حضورهم علي، فنبينا محمد  كان ينقطع في غار حراء، شهراً كاملاً، من كل عام، يقضيه في التأمل والتفكر، بعيداً عن الصراعات والخوض فيها. فالناس في أغلب الأحيان تنصاع لرغبات المجتمع وأكثر بني البشر يحبون ان يحيوا على قيد اللعب واللهو، بدل السعي نحو بناء ذواتهم ومجتمعاتهم، والسبب أن ذلك يكلفهم الكثيرمن العناء والتضحية. كما قال أمير المؤمنين:” وهمج رعاع، أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق”.

نعم لقد عاشت السيدة زينب عليها السلام مرارة الألم والحزن، وبذلك استحقت أن تنال تلك المرتبة عند الله، وأن يبقى ذكرها قائما على مر التاريخ، ويبقى حبها ساكنا في قلوب احباء الله وأوليائه.

السابق
السيدة زينب”ع”( النموذج والقدوة)
التالي
الانتخابات البرلمانية المقبلة لن تكون نزيهة في كردستان وتخبط الاحزاب سيقود إلى نتائج كارثية

اترك تعليقاً