أعلام وتراث

ضرورة التوثيق وبناء ذاكرة جمعيّة للمقموع: الكورد الفيليون أنموذجاً

إن الفيلية كلمة مُركبة وهلامية إلى حد كبير بالنسبة إلى الكورد وغير الكورد، بما في ذلك الفيليين أنفسهم، وذلك لتأثر نطاق وطريقة إستخدامها بأوضاع سياسية متقلبة، كان الفيليون وما يزالون يعيشون في ظلها، ففي حالة المد السياسي الكوردي وإستقرار الوضع الإجتماعي والإقتصادي والثقافي للفيليين في مدينة بغداد، لم تتردد الجماعات الكوردية ذات الأصول الشيعية من سكنة مدن وأرياف محافظات ديالي والعمارة والكوت في تعريف أنفسهم كفيليين، أما في حالات الجزر السياسي وتراجع الحاد في أوضاع الفيليين في بغداد نتيجة للسياسات القمع والتهجير العنصرية المُمارسة ضدهم خاصة في ثمانينيات القرن الماضي، فإن الكثيرين من أولئك الكورد يتجنبون إطلاق صفة الفيلية على أنفسهم كي لا يتعرضون إلى قمع النظام الديكتاتوري السابق.

 

لذلك ترى هذه الدراسة القصيرة أنه من الضروري أن يتم التمييز بين المفهوم العام الواسع للفيلية والمفهوم الخاص الضيق لها، فالمفهوم الأوسع للفيلية يشمل سكان أهالي خانقين ومندلي وبدرة وجصان وزرباطية وجلولاء وغيرها من مناطق محافظتي ديالي والواسط، التي لها إمتدادات ديمغرافية وجغرافية وثقافية طبيعية مع مناطق إقليم كردستان – العراق المجاورة لها، وعانت الأكثرية من هؤلاء الكورد من التهجير الداخلي (داخل العراق) والأقلية من التهجير الخارجي (إلى إيران)، كما تعرضت ممتلكاتهم إلى المستعمرات السكانية الصغيرة الموجودة في عدد من المحافظات الأخرى للفيلية فيشمل فقط سكان بغداد من الكورد الحضريين الذين لا تؤدي العشائرية دوراً يُذكر في حياتهم وتوجهاتهم، على النقيض من أخوتهم في المناطق الأخرى، والغالبية الساحقة من هؤلاء الفيليين عانوا وما زالوا يعانون من الأبعاد القسري إلى الخارج العراق وإغتصاب حقوقهم القانونية والطبيعية ومصادرة أموالهم المنقولة وغير منقولة، إضافة إلى إعدام المئات من شبابهم دون أن توجه تُهمة محددة أو تُجرى محاكمة أصولية.

 

إن وضع الغالبية من الفيليين يشبه إلى حد كبير، إن لم يكُن أسوأ، وضع أفراد محددين وقعت عليهم عقوبة عُرفت في روسيا القيصرية بالموت القانوني، وتلك العقوبة كانت هي الأقسى وقد تمثلت بتجربة الفرد المُعاقب أو حتى تدمير جميع وثائقه التي كانت تؤكد وجوده الطبيعي وحقوقه ومصالحه، ولم يكن في مقدور هذا الفرد العمل أو الزواج أو حيازة الأملاك أو السفر أو الدراسة، وبدون حماية القانون والقدرة على اللجوء إلى المحاكم، أصبح هذا الفرد المُعاقب عرضة

 

للسلب والنهب والإعتداء وحتى القتل، وهذه الإنتهاكات والجرائم تُرتكب دون أن تُسجل وذلك لأنها وببساطة تُرتكب ضد فرد لا وجود له!

 

وبقدر ما يتعلق بالمسألة الفيلية فإنها دُرست من نواحٍ قانونية وسياسية بشكل رئيس، أما الجانب التوثيقي الذي يُعد الأساس والمنطلق في إجراء مختلف الدراسات لتلك المسألة فلم ينل إهتماماً يُذكر لأسباب عدة، منها أن المؤسسة الأرشيفية الرسمية غير مهتمة أو تتجاهل عن قصد توثيق تلك المسألة لأسباب سياسية وأيديولوجية، كما أن الفيليين أنفسهم لم يعيروا حتى الآن الأمور التوثيقية وبناء الذاكرة الجمعية الأهمية التي تستحقها.

 

وبسبب غياب التوثيق والأرشفة ووجود ذاكرة جمعية أصبحت المسألة الفيلية ومن جوانبها السياسية والسياسية والثقافية كافة مُثيرة للجدل ومصدراً للخلافات إبتداءً من ما هو المعني أو المقصود بالفيلي وإنتهاءً بأسباب إضطهاده، وقد تكاثرت المغالطات والتشويهات المقصودة وغير المقصودة من قبل الكثيرين، بما في ذلك مثقفين وساسة كورد.

 

الذاكرة الجمعية

 

إن الذاكرة الجمْعيّة هي ما توجده جماعة بشرية معينة (مجتمع، أمة، مجموعة أثنية، طبقة إجتماعية، طائفة دينية ألخ)، ويأتي من أجل التأكيد على كل ما هو مهم ومشترك بين أفرادها، وإستمراريته التاريخية، إذن فإن خلق الذاكرة من خلال إختيار ما هو مهم ومشترك ومن ثم المحافظة عليه وتطويره المتواصل عبر فواصل زمنية ومن جيل لجيل آخر هو عملية واعية ومقصودة إذ جاءت لغايات محددة، ولهذا فإن الذاكرة الجمْعيّة ليست ببساطة عملية جمع للذاكرات الأفراد، التي هي بالأساس تعكس تجارب شخصية مهمة وغير مهمة وفي الكثير من الأحيان لا يجري وحتى لا يُمكن توارثها أو إنتقالها من فرد لآخر.

 

إن الذاكرة الجمْعيّة نتاج عمليات حفظ وحماية ونشر وترويج لتجارب ولأحداث كُبرى مهمة، سواء أكانت إيجابية، ومنها إعلان الإستقلال أو الإنتصار في الحرب، أو سلبية، ومنها إبادة سكانية أو حرب أهلية، تركت بصماتها بقوة وآثارها بشكل ملموس ومصيري على جماعة بشرية ما، فالجماعات والحكومات تختار النُصب وتبني متاحف وتؤسس مراكز توثيق، التي كلها تصب في عملية بناء ذاكرة جمعيّة وتعزيزها، لا بهدف تخليد واقعة ما فحسب وإنما هي أيضاً بمثابة دعوة مباشرة إلى ضرورة إستنباط العبر والدروس، على سبيل المثال لا الحصر، منع وقوع حروب إبادة جديدة.

 

إن النصب والصور والأفلام التوثيقية ودور الأرشيف والمتاحف ما هي إلا مادة لذاكرة جمْعيّة عامة تم إعادة صياغتها بأشكال مختلفة، وهكذا فإن الذاكرة الجمْعيّة تقوم على عملية فرز وإعادة صياغة لما هو مهم يستحق التخليد والترويج له عن ما هو غير ذلك.

 

ويُمكن التمييز بين الذاكرة الجمْعيّة المادية الملموسة (الأرشيف والنصب والصور) والذاكرة الجمعية الشفاهية التي هي غير مقروة أو غير مرئية، التي تتداخل فيها الحقائق والأوهام وتتغير بإستمرار من جيل لجيل آخر لفقدانها الطابع التوثيق المادي ولربما تتلاشى تماماً بمرور الوقت.

 

التوثيق والأرشفة

 

إن المقصود بالأرشفة هو جمع وحماية وصيانة وتنظيم وتصنيف وثائق منجزة بمختلفة أشكالها الورقية والصورية والإلكترونية والرقمية من دون المساس بمضمونها وتهيأتها بطريقة تُسهل إستخدامها من قبل كل الراغبين بالإطلاع عليها، أما التوثيق فهو إبتكار وثائق جديدة من خلال جمع المعلومات وتدوين وتصوير شهادات أفراد وأسرهم ومعارفهم وكذلك شهود العيان والمتورطين في الأحداث سواء أكانوا رجال أمن أم موظفين مدنيين أم قضاة أم ساسة، ألخ، والغرض من التوثيق هو لملمت جزئيات موضوع أو حدث أو ظاهرة بطريقة تجعلها وحدة واحدة منطقية وعقلانية ومفهومة للقارئ أو المشاهد أو المستمع.

 

إن التوثيق والأرشفة هي من إبتكارات أصحاب السلطة الدينية أو الدنيوية إذ عكست في إدارة الشؤون العامة بأسلوب منظم وكذلك رغبتهم في توطيد سيطرتهم السياسية على المجتمع وأفراده، والملاحظ أن الأنظمة السياسية القمعية هي الأكثر إهتماماً بالتوثيق والأرشفة مقارنة بنظيراتها غير القمعية، فهي تمتلك أفضل الأرشيفات في مؤسساتها خاصة في المؤسسات القمعية الأمنية والحزبية، وذلك لغرض تعزيز هيمنتها وسيطرتها المحكمة على المجتمع والأفراد، فالأنظمة القمعية تُسجل وتراقب وتوثق أدق التفاصيل عن الجماعات والأفراد والنُشط والظواهر والأحداث، إن أرشيفات الأنظمة القمعية هي بمثابة ذاكرة القامع عن نفسه وعن المقموع إلى حد معين، ولكن يُمكن تحويلها جزئياً إلى ذاكرة للمقموع بعد تحليلها ودراستها بشكل دقيق في ظل نظام ديمقراطي جديد يسعى إلى فهم الماضي بشكل صحيح لغرض معالجة إفرازاته ومنع تكرار الظواهر السلبية، كما أن التوثيق اللاحق، إي بعد زوال النظام القمعي، بمختلف أشكاله وطرقه هو عملية مرسومة ومقصودة لبناء ذاكرة جمْعية للمقموع، لهذا فإن أرشفة وثائق النظام القمعي (بوصفه ذاكرة القامع عن المقموع) والتوثيق اللاحق، أي بعد زواله، (بوصفه ذاكرة المقموع عن القامع) لهما عمليتان ضروريتان للوصول إلى الحقائق والخروج بتفسيرات عقلانية ومتوازنة ودقيقة لدى دراسة الوقائع والظواهر.

 

أهمية الذاكرة الجمْعيّة والتوثيق والأرشفة

 

والسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا كل هذه الدعوة للإهتمام بالتوثيق وبالأرشفة وبالذاكرة الجمعية بالنسبة إلى الكورد الفيليين؟ قبل الإجابة على هذا السؤال المهم يجب التذكير أن الفيليين هم من أكثر الجماعات التي صدرت ضدها تشريعات وتعليمات رسمية إستهدفت تدميرها بشكل تام ومنظم بالمقارنة مع بقية الجماعات الأثنية والدينية في المجتمع العراقي، وأن المنزلة التي إحتلها الفيليون بوصفها الجماعة الأكثر تعرضاً للقمع والإضطهاد، قد رافقها إنكار لوجودهم التاريخي والطبيعي بحيث تم إبعادهم بطريقة منظمة ومدروسة عن الذاكرة التاريخية العامة للعراقيين، ولهذا فإن لمسألة بناء الذاكرة الجمعية والشروع بعملية التوثيق أهمية كبيرة ومتعددة بالنسبة إلى الجماعة الفيلية:

 

أولاً: إن الذاكرة البشرية عاجزة عن خزن والإحتفاظ بالمعلومات والتجارب بشكل متكامل وعلى مديات طويلة، ولهذا يتحتم على البشر والجماعات اللجوء إلى وسائل وآليات تحفظ وتحمي وتُنظم معلوماتهم وتجاربهم.

 

ثانياً، هناك خوف دائم من ضياع معلومات قيمة خاصة في مجال الثقافة الشفاهية، التي هي لدى أفراد معدودين ومعرضين كغيرهم إلى مخاطر النسيان والعجز وحتى الموت، وهذه الأمور تُضعف أو حتى تمنع إنتقال الثقافة الشفاهية والتجارب الإنسانية من جيل لآخر، إن التهجيرات الجماعية والسياسية الرسمية العنصرية المعادية لكل ما هو فيلي في أوائل السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي تسببت في ضياع الكثير من المعلومات وضياع الكثير من الثقافة الشفاهية.

 

ثالثاً، من الصعب ولربما من المستحيل أحياناً إسترجاع حقوق مغتصبة والحصول على تعويضات للمتضررين وتحقيق مساواة في الحقوق والواجبات مع الجماعات الأخرى من دون وجود توثيق منظم ودقيق.

 

رابعاً، إن التوثيق أداة فاعلة ومؤثرة في تصحيح الإنطباعات الخاطئة ودحض الأكاذيب والقضاء على الدعايات المغرضة المتراكمة عبر السنين التي وقفت وراءها نخبة عنصرية وطائفية متسلطة، قامت من خلال إستخدام الدولة وأجهزتها القمعية الفكرية والجسدية بتشويه الحقائق المتعلقة بالفيليين ودورهم على صعيد العاصمة بغداد والعراق والمسألة الكوردية، وكثيراً ما صُور الفيليون أمام الآخرين على أنهم إيرانيون في إنتماءاتهم وولاءاتهم ومخربين في نُشطهم السياسية وطفيليين في فعالياتهم الإقتصادية، فللتوثيق إذن دور مهم في نقد التاريخ التي تقف وراءه سلطة قمعية وكذلك في منع تسلل معلومات ومفاهيم زائفة تُعد من المسلمات والبديهيات لدى كتابة التاريخ أو عند إعادة كتابته.

 

خامساً، إن التوثيق وتقوية الذاكرة الجمعية تخدمان في مسألة هي في مهمة غاية الأهمية ألا وهي منع تكرار المأساة، فتوثيق التجارب المريرة، كتسفيرات السبعينيات والثمانينيات على سبيل المثال، يُسهم في توضيح ما حصل ولماذا حصل تمهيداً لمنع وقوعه مرة أخرى، إن توثيقاً يُمكن الأجيال الحالية والمستقبلية من فهم ما حدث من معاناة وابعاده دون اللجوء إلى الخيال، يوفر فرصة للرجوع إلى الماضي، الذي أصبح جزءاً من التركيبة النفسية والعاطفية لأفراد الجماعة، إن فهم الماضي بالنسبة إلى الأجيال اللاحقة التي لم تعاصر المحنة يعني فهمها لخلفيتها ولعوامل ما زالت تؤثر في حاضرها بشكل ملحوظ، فبدون التوثيق لا يُمكن للذاكرة أن تتواصل وتستمر بين الأجيال المختلفة، ولو أجريت تجربة بسيطة حول الأشخاص الذين عاصروا التهجيرات القسرية وما صاحبها من سلب الممتلكات والتجريد للحقوق وإعتقال الشباب لإتضح أنهم يعطون تفاصيل كثيرة ودقيقة وبعاطفة وحماسة كبيرة عن الأحداث والأمكنة والأوقات والمسببات والنتائج، أما أبناء الجيل اللاحق فإنه ليس لديه تلك التفاصيل والدقة والحماسة وعاطفة، ومن هنا يتبين للمرء أهمية التوثيق ووجود ذاكرة جمعية للمقموعين.

 

سادساً، لا يمكن التخطيط لإعادة بناء الجماعة الفيلية وتعزيز وجودها الإجتماعي وثقلها السياسي ودورها الإقتصادي وتأثيرها الثقافي في المحيط الذي توجد فيه من دون وجود ذاكرة جمعية وتوثيق لتراثها ولخبراتها ولتجاربها الناجحة والفاشلة والمفرحة والحزينة على حدٍ سواء، إن التثقيف والتوعية بالوضع الفيلي لا ينتهيان حالما تُوضع تشريعات جديدة تغير من الوضع القانوني والحقوقي للفيلين، هذا لإن وجودهم المتميز خارج إقليم كردستان ولّد وما زال يولد مصالح

 

عامة ومصالحة خاصة في آنٍ واحد، فمن ناحية هناك مصالح عامة مشتركة مع كورد إقليم كردستان تقوم على الإنتماء الإثني والإرتباط العاطفي، ومن ناحية ثانية، هناك مصالح خاصة بالفيليين تعكس واقعهم خارج ذلك الإقليم بوصفهم أقلية تحتاج إلى الدخول في علاقات تفاعل مع الجماعات الأثنية والطوائف الدينية الأخرى التي تتعايش معها، خاصة الشيعية.

 

سابعاً، يُعد التوثيق والأرشفة أمران حيويان بالنسبة إلى فهم الحاضر وتغييره والتخطيط للمستقبل، وكذلك بالنسبة إلى تبني أي نشاط أو تطيق برامج معينة في مجالات حساسة في ميادين الثقافة والتعليم والإقتصاد والسياسة.

 

ثامناً، إن وجود التوثيق والأرشفة والذاكرة الجمعية تسهم كلها في تأكيد هوية خاصة للكورد الفيلية وفي إثبات وجودهم طبيعي في مجتمع متعدد الجماعات والطوائف تتضارب فيه المصالح وتتلاقى بحسب الظروف السياسية المحلية والإقليمية والدولية، بإختصار إن الذاكرة الجمعية والتوثيق تعمل كما لو أنها آلية للحماية والدفاع الذاتي تمنع الإنصهار من دون أن تمنع التفاعل الإيجابي مع المجتمع التعددي الأوسع.

 

تاسعاً، إن التوثيق في أحد جوانبه إقرار بدور الفيليين، كجماعة أو كأفراد، في تطور العراق الحديث في جوانبه المتعددة.

 

متطلبات مشروع التوثيق والذاكرة الجمعية

 

إن ترجمة مشروع التوثيق والأرشفة إلى واقع حقيقي يتطلب تهيئة جملة شروط، أهمها وجود مؤسسة متخصصة تمتلك آلية وخطة عمل واضحة تُسهل لها الوصول إلى الوثائق المنجزة المتوفرة، وفي مقدمة ذلك إقامة علاقات وثيقة مع مراكز أرشيفية ومكتبات أكاديمية ومتخصصة في داخل العراق وخارجه بهدف الحصول على نسخ أصلية أو مستنسخة من الأوراق الرسمية وغير الرسمية والرسائل الشخصية والصور، كما أن إستخدام التقنيات التقليدية والحديثة يُعد أمراً حيوياً سواء في إنتاج أشكال متعددة للوثائق المنجزة، وتتمثل التقنية التقليدية بأجهزة التصوير، المايكروفيلم لإنتاج المصغرات الفلمية والإستنساخ المباشر على الورق، أما التقنيات الحديثة فتتمثل بالرقمنة (digitization) من خلال إستخدام أجهزة المسح الضوئي (digital scanners)، ومن الضروري أن تضيف المؤسسة الأرشيفة المتخصصة إلى مجموعاتها وثائق جديدة تبتكرها عن طريق إستخدام تقنيات مختلفة مقروءة ومرئية ومسموعة بما في ذلك تدوين ونشر شهادات الأفراد، وتصوير الأماكن التي جرت فيها الأحداث (مثل مراكز الإعتقال والسجون، معسكرات المهجرين في إيران، المراكز الحدودية التي تمت عمليات تهجير عبرها) وصنع الأفلام الوثائقية والبرامج الإذاعية والتلفزيونية.

 

وعملية خلق الذاكرة الجمعية للكورد الفيليين تحتاج أيضاً إلى تعزيز مستمر لها من قبل المؤسسة الأرشيفية، التي يتوجب عليها القيام بجملة فعاليات، منها وتكوين مجموعات متخصصة من الكتب والوثائق والأفلام والصور الفوتغرافية والخرائط والرسائل الشخصية وتوثيق الثقافة الشفاهية بما في ذلك الأغاني والأمثال والحكايات والتقاليد والعادات الإجتماعية والإهتمام بالحاضر من خلال توثيق الأحداث السياسية والتطورات الإجتماعية والنُشط الثقافية وتشجيع ورعاية الأبحاث التي تتناول أوضاع الكورد الفيليين على مختلف الصعد السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية والقانونية وعقد

 

الندوات الأكاديمية بشكل دوري للتعريف بالكورد الفيليين من مختلف النواحي وإقامة معارض دائمة للفنون التشكيلية والأزياء تؤكد الهوية الفيلية وخصوصياتها.

 

ملاحظات أخيرة

 

إن بناء ذاكرة للمقموعين لا يأتي إلا من خلال جمع وتنظيم الوثائق المنجزة وعمليات التوثيق للظواهر والأحداث تمهيداً لإستخدامها من سواء من قبل عامة الناس أو من قبل المتخصصين، وبقدر ما يتعلق الأمر بالفيليين فإن هناك حاجة ماسة وحقيقية إلى لوحات وأعمال نحت وقطع موسيقية وطوابع بريدية تتناول وتُذكر بكل ما أصبهم من معاناة نفسية وجسدية بسبب التهجير والتعذيب والإعتقال وأعمال الإبادة المقصودة والمنظمة.

 

إن أهمية النصب وتسمية الشوارع الرئيسة والساحات والمدارس والمراكز الثقافية والترفيهية بوصفها شواهد حية على وجود طبيعي ودلالات على دور مؤثر هي التي دفعت بالقوى السياسية العنصرية المتسلطة إلى غلق المدرسة الفيلية الإبتدائية والثانوية والنادي الرياضي الفيلي، ولم تكن تلك الإجراءات فردية ومنعزلة وإنما جاءت ضمن سياسة رسمية معادية للكورد تهدف إلى نفي الوجود الطبيعي للجماعة الفيلية ومحي تاريخها وإزالة تأثيراتها وتأثرها بمحيطها الإجتماعي، وحتى في العراق الجديد، قام أحد التيارات المتطرفة، التي إغتصبت أسماء الكثير من الشوارع والساحات العامة والرئيسة، وفرضة منصات قبيحة تحمل صور قادتها وشعاراتها وراياتها، بتحطيم لوحة تحمل عبارة الشهداء الفيليين التي أطلقت على إحدى الساحات ولأكثر من مرة، وهذه الساحة الواقعة في قلب بغداد القديمة التي عاشى فيها وما يزال الكثير من أبناء الجماعة الفيلية.

 

إن أهمية مشروع نسب شهداء الفيليين، المزمع إنجازه ووضعه في إحدى ساحات بغداد القديمة بعد حصوله على الموافقات الرسمية يُمثل أرشيفاً علنياً دائماً يُلخص المسألة الفيلية ويثير التساؤلات ويفتح باب النقاش حول حقيقة ما جرى وتداعياته، وهو بذلك يسهم في خلق ذاكرة فيلية وتعزيزها، وقد شبّه أحد الفلاسفة الإيطاليين، وهو جيورجيو أغامين، أحد النصب التذكارية بكتاب الذاكرة، الذي لا يوجد فيه ما يُمكن قراءته.

 

(د. سعد بشير إسكندر – المدير العام لدار الكتب والوثائق

الأرشيف – العدد الرابع/ السنة الأولى 1431هـ/2010م)

السابق
شاهد ممارسات البيشمركة ضد اهالي ناحية زمار
التالي
علم الكلام (1)

اترك تعليقاً