أعلام وتراث

علم الكلام (1)

لا تزال حتى اليوم ومنذ الجذور الأولى للتاريخ الإسلامي المشرق الوضاء تبرز على صعيد الورق وصعيد اللسان!! معركة علمية عنيفة بين أصحاب ومؤيدي المذاهب والمدارس الكلامية الإسلامية المختلفة.. وكل منها يزعم بأنه هو مؤسس علم الكلام ومنشئه وبانيه وواضع ركائزه الأولى وخطوطه العريضة والضيقة…!!

 

ومن الملاحظ أن هذه المعركة وأمثالها من المعارك العلمية المتصلة بالجوانب المذهبية والعقيدية تكون غالباً – وكلمة تثار – مشحونة شحناً عاطفياً مفعماً. لذلك فلا يكاد الباحث المنصف يتحسس طريقه إليها ليتناوش الحقيقة والواقع إلا بعد جهد وعناء وحذر..!!

 

فالشيعة الإمامية أو البعض منهم – كما يقال – يذهبون إلى أنهم هم واضعو الركائز الأولى لعلم الكلام والسباقون إلى رصف لبناته ومسائله وأصوله، ويستدلون على ذلك بأن الأئمة من آل البيت (ع) قد كشفوا الكثير من المسائل الكلامية في كثير من أحاديثهم وخطبهم وإحتجاجاتهم… من أمثال ما ورد عن الإمام علي (ع) مع معاوية والخوارج ومع الإنقلابيين والمرتدين وأضرابهم من المشككين والحاقدين والمنافقين أيام السقيفة والشورى والجمل وصفين، ومن أمثال إحتجاجات وأحاديث الأئمة الآخرين وبخاصة إحتجاجات الإمام الصادق (ع) ومحاوراته المعروفة بعمقها وشمولها والتي إحتواها كتابي توحيد المفضل وتوحيد الصدوق بأسلوب حواري رائع بديع.

 

ويمضي الشيعة في الإستدلال على ذلك بأن عيسى بن روضة الإمامي التابعي وصاحب المنصور كان وحيد عصره في علم الكلام “وهو الذي فتق بابه وكشف نقابه”، وذكر النجاشي عنه أنه كان متكلماً جيداً وله كتاب في الإمامة، وهو مقدم على عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء، كما أن هناك رواي تشير إلى أن أبا هاشم عبد الله محمد بن الحنفية كان إمام علم الكلام بالإتفاق وقد تقدم على الزعيمين المعتزليين المذكورين، ويذكرون كذلك بين مشاهير المتكلمين الأوائل قيس بن سعد بن عبادة وسليم بن قيس وكميل بن زياد وخالد بن عيسى بن العاص وصعصعة بن صوحان العبدي وأويس القرني وأضرابهم.. وكلهم من شيعة علي ومعاصريه..

 

وبهذا كله يستدل الشيعة على سبقهم في كشف نقاب هذا العلم وبلورته وإنشائه.

 

ولكن البعض الآخر منهم يذهب على العكس من ذلك حيث يقول: بأن تحذير الأئمة (ع) لا سيما الصادق من علم الكلام وتعلمه لا يساعد على أن نقول إن الشيعة هم واضعو اللبنة الأولى له. نعم إن الأئمة سبقوا الناس إلى إعطاء الفكرة النهائية لجميع الموضوعات التي بحثها علم الكلام والفلسفة من قبل أن يظهرا عند المسلمين.

 

أما المعتزلة فيذهبون إلى أن الفضل في إنشائه وبعثه وتصميمه يعود بالدرجة الأولى إلى جهودهم وبحوثهم في هذا السبيل، ولولا هذه البحوث والجهود لما ظهر هذا العلم في ذلك التاريخ المبكر من حياة الإسلام، ويؤيدهم في هذه الفكرة أكثر المؤلفين والباحثين من السابقين والمعاصرين، ومن هؤلاء الدكتور أحمد أمين حيث يقول: “والحق أن المعتزلة هم الذين خلقوا علم الكلام في الإسلام وأنهم أول من تسلح في المسلمين بسلاح خصومهم”. ومثله يذهب الأستاذ علي مصطفى الغرابي حيث يقول: “إن واصل بن عطاء قد نصب له درساً بعد إعتزاله لمجلس الحسن، ومن هذا الدرس نشأ علم الكلام”. وتتردد على لسان الكثير من المؤرخين والباحثين – كما نلاحظ -: هذه الفكرة الأخيرة، وهي أن علم الكلام قد نشأ وترعرع من درس إبن طاء الذي عقده بعد إعتزاله مجلس الحسن البصري، ويبدو أنه كان لهذا الدرس وهذا الإعتزال أهميته وأثره في ذلك التاريخ وما بعده.. ولكن إبن خلدون – فيما يظهر – لم يتفق مع هؤلاء في هذه الفكرة – وإن كان لا يعين الجهة التي أنشأته – .. إذ ذكر بأن حدوث “بدعة المعتزلة” – كما يحلو له أن يسميها – كان بعد أن ألف المتكلمون في التنزيه … وعلى هذا فإنبثاق المدرسة المعتزلية جاء بعد تأسيس علم الكلام وبعد مرحلة التأليف فيه .. وذلك بالطبع لا يتلاءم مع القول بأن المعتزلة هم الذين خلقوا علم الكلام أو أن علم الكلام نشأ من درس واصل بن عطاء.

 

وهكذا تذهب بعض الفئات الأخرى من أهل السنّة والجماعة وممن لهم شهرة وإعتبار إلى أن أهل السنّة هم الأحق والأجدر في إعتبارهم باعثي علم الكلام على الظهور والإنطلاق وفي تكوين أصوله وترسيخه، وذلك لأن الحقيقة في بحوث هذا العلم تدور مدار ما إنتهوا إليه من آراء وأفكار وإن كانت متأخرة في ظهورها وضيقة في شمولها.

 

ولعل الأولى من أولئك وهؤلاء أن يدعي كل من الخوارج والمرجئة في وضع الركائز الأولى لعلم الكلام، لأنهم كانوا – فيما يبدو – أسبق من غيرهم في إثارة بعض مسائل هذا العلم وإنطلاقها.. وذلك في أواخر عهد الخلافة الراشدية.

 

ولكن ليس أضعف منهم – جميعاً – حجة ودليلاً.. لو إدعى كل من الجهمية والجهنية في تصميم هذا العلم وإنشائه، لأن المسائل التي بحثوها أو أثاروها في القمة من المسائل الكلامية التي يمكن أن تكون لها الأولوية على غيرها في رصف اللبنات الأولى لعلم الكلام – كعلم، وأما المسائل الأخرى التي سبقتها أو لحقتها فليست لها كل تلك الأهمية ليتوقف عليها بناء هذا العلم وكيانه.

 

هذا وليس من البعيد أن تكون هناك إدعاءات أخرى لمذاهب أو مدارس أخرى في حيازة شرف السبق بكشف نقاب هذا العلم وإنشائه ولكنها على كل تقدير لا تستحق البحث عنها ولا الإطالة فيها…

 

وإلى جانب تلك المعركة – المعركة التي دارت بين أصحاب المذاهب والمدارس والباحثين حول الجهة التي أسست علم الكلام وبلورته – توجد معركة أخرى مشابهة لها ومرتبطة بها.. وهي تدور حول زمن تأسيس هذا العلم وزمن إنبثاقه.

 

فذهب فريق إلى أن زمن تأسيسه يعود إلى زمن الرسول الأمين. وآخرون إلى أنه لا يعتدى أواخر أيام الخلافة الراشدية. كما ذهب فريق ثالث إلى أنه يعود إلى عهد الخلافة الأموية.

 

أما الفريق الرابع فقد أفرط حتى قال: بأن تأسيسه وبروزه كعلم لا يمكن أن يكون سابقاً على وقت تغلغل الفلسفة اليونانية بين الأوساط الإسلامية، وقد قرنه بحياة أبي الهذيل العلاف.

 

ومن ملحقات هذه المعركة: هو التساؤل عن أول مؤلف في الإسلام ظهر في علم الكلام، وإلى أي مدرسة أو مذهب ينتمي مؤلف هذا الكتاب.. إلا أن ذلك في الحقيقة ليس بذي أهمية في هذا المجال بعد معرفة مؤسس هذا العلم وزمن تأسيسه. مع أن تحديد أول مؤلف في هذا الفن من الصعوبة بمكان إذ ما يدرينا أن الكثير من المؤلفات الكلامية قد سبقت ذلك الكتاب الذي إنتهى نظرنا إلى أنه هو المؤلف الأول الذي ظهر في هذا الفن في الإسلام.. فلعل هناك كتباً كثيرة سبقت ذلك ولكنها طمستها الأحداث أو طمسها المؤرخون، وهو غير بعيد – فيما نعرف – من طبيعة الأحداث وطبيعة المؤرخين.

 

فما هو الحق إذن في ذلك كله  بعد أن إستعرضنا إستعراضاً أقوالهم وآراءهم؟ وفي أي زمن نشأ هذا العلم؟ وأي فريق أنشأه..وأية جهة كانت السباقة إلى التأليف فيه..؟

 

ويبدو أننا إذا ما بادرنا في البحث أولاً عن زمن تأسيسه ونشأته وحددناه إستطعنا – على الأقل – أن نضيق من نطاق الجهات المتنازعة على شرف تأسيسه ورصف كيانه، وسهل علينا بعدئذٍ معرفة الجهة أو الجهات التي ساهمت في إنشائه.. فلا عناء.

 

ثم إننا إذا ما فرقنا بين الفلسفة وعلم الكلام ووضعنا لهما إطارات خاصة مميزة ثم عرفنا نطاق كل منهما وحدوده بعد أن “إختلطت الطريقتان – كما يقول إبن خلدون – عند هؤلاء المتأخرين وإلتبست مسائل الكلام بمسائل الفلسفة” وكذلك إذا ما أدركنا بأن للعلم – أي علم كان – قواعده وأصوله المميزة له عما سواه.. أقول إذا ما أدركنا كل ذلك وحددناه سهل علينا – أولاً – (وعلى الأقل) تحديد أو تقريب زمن نشأة هذا العلم، ثم تحديد الجهة التي عنيت به فعملت على تأسيسه وإنشائه وبلورته.

 

قلنا إن البعض أرجعه إلى عهد النبي الكريم فإعتبر هذا العهد أول عهد للناس بعلم الكلام، فما هو مستندهم في ذلك يا ترى؟

 

روي في حديث شريف أن النبي (ص)، خرج على أصحابه مرة وهم يتناظرون في القدر ورجل يقول: ألم يقل الله كذا؟ وآخر يقول: ألم يقل الله كذا؟ فغضب رسول الله وقال: أبهذا أمرتم؟ إنما هلك من كان قبلكم بهذا.. إلخ”.

 

وموضع الشاهد من الحديث هذه المناظرة في القدر.. إذ إعتبر هؤلاء الذين يدعون أن عهد الكلام يرجع إلى عهد النبي (ص) أن هذه المناظرة تدل على أن المسائل الكلامية كانت موضع جدل ونقاش بين المسلمين، وهو مما يساعد على إرجاع بداية بنشأة هذا العلم إلى ذلك العهد.. أما تحديد هذه البداية من ذلك العهد فلا يجيب عنه هؤلاء القائلون،

 

ولكننا يمكن أن نتبرع عنهم بالإجابة حيث نقول: – تمشياً مع الحديث الشريف – بأن تلك البداية لا تعدو أن تكون أواخر سني النبي، أو لا تعدو – على الأقل – سني الهجرة التي عاشها الرسول، لأن المناظرة بين رجلين من أصحابه في مثل هذه المسألة – وقد خرج عليهم – لا يمكن أن تتوفر إلا في جو من الحرية، وهذا لا يتوفر طبعاً أو لم يتوفر إلا في المدينة المنورة وإلا في أواخر سني الرسول الأمين بالذات.. حيث تكثر أصحابه وتفرغهم وإستعدادهم للمناظرة والنقاش، وحيث تكامل القرآن أو إشرافه على التكامل لأن كلاًّ من أصحابه أولئك إستطاع أن يعزز رأيه بآيات عدة من القرآن وفي موضوع واحد.

 

ولكن إذا لم نرد أن نعرض لمناقشة هذا الحديث ونخدش فيه سنداً ودلالة – مع أننا في غنى عن كل ذلك – فإن هذه المناظرة في مثل هذا الموضوع لا تصلح لأن تكون بداية لنشوء علم الكلام أو تبلوره، ولا كاشفة عن وجوده وإنبثاقه.. لأننا إذا سلمنا بذلك وأمثال ذلك وتنازلنا لقبوله فما قولنا في مثل تلك البحوث التي شغلت أصحاب الديانات القديمة – وقد أشار إليها الحديث نفسه – أو التي تكلم عنها فلاسفة اليونان ونقلها عنهم السريانيون وكذلك النصارى والزردشتيون.. فقد وصلت إلينا بلا شك هذه البحوث وشاهدنا ما كان بين فلاسفتها من إحتدام المناقشات والمناظرات حول هذه المسألة – مسألة القدر – ومسائل أخرى من هذا القبيل.. فهل يا ترى نستطيع – على هذا الأساس – إرجاع علم الكلام إلى زمن اليونانيين أو الزردشتيين لأننا وجدناهم يبحثون في مثل هذه المسألة وأمثالها من علم الكلام التي نخوض فيها.

 

بالطبع إننا لا نستطيع أن نجرؤ على ذلك كما لم يجرؤ عليه كذلك أحد من مثل هؤلاء المدعين لأننا ذكرنا سابقاً بأنه لا بدَّ لكل علم من قواعد وأصول، وأصول هذا العلم وقواعده بعد لم تبرز في تلك العهود إلى الوجود، كما ألمحنا إلى وجوب التفرقة بين الفلسفة وعلم الكلام، واليونايون بنوا بحوثهم وآراءهم – كما نعرف – على أسس فلسفية ومنهاج فلسفي أصيل.

 

هذا وقد إستدلوا من جهة أخرى على إنبثاق هذا العلم في هذا العهد – عهد الرسول – بتناول القرآن الكريم لبعض المسائل الفلسفية والكلامية وسلوكه في ذلك سبيل الحوار والمناقشة.. وهذا نفسه لا يتعدى أسلوب علم الكلام.. وسيأتي توضيح ذلك.

 

وهناك من أرجع نشوء علم الكلام وتبلوره إلى عهد الخلفاء الراشدين، أو إلى عهد خلافة الإمام علي بالذات.. فبعد وفاة الرسول المين وإستتباب الأمر للخليفة أبي بكر ثم عمر إنبثقت بعض المسائل وكان في مقدمتها مسألة الإمامة وشروطها، والخلافة من هو أحق بها وأجدر لإشعالها، ثم ترددت بعد ذلك وبعد مقتل الخليفة الثالث قضية قتله وما أثير حولها من ملابسات ولغط وقضية نشوب الحرب بين الإمام علي وعائشة ثم بينه وبين معاوية، وما تبع ذلك من حركات الخوارج وجدالها بعد قضية التحكيم.. إن كل هذه القضايا وغيرها كانت أسباباً – كما يقول البعض – لنشوء بعض المسائل الكلامية في هذه الفترة الأخيرة كالبحث في مسألة الكبائر وحكم مرتكبها أمؤمن هو أم كافر؟

 

كما ظهرت إلى جانب ذلك في هذه الفترة مسائل أخرى أمثال القول بخلق القرن أو قدمه ومسألة صفات الله نفيها أو إثباتها، ورؤية الله أو عدمها، أما أبرز هذه المسائل وأكثرها جدلاً وحواراً في هذه الفترة فكانت مسألة القضاء والقدر وقد كشف لنا الإمام علي في مناسبات عدة ما يثار حولها من شكوك وغموض، ومن ذلك السؤال الذي طرحه رجل من المسلمين على الإمام وهو: “أرأيت من جنبني سبل الهدى وسلك بي سبيل الردى أأحسن إلي أم أساء؟ قال علي: إن كنت إستوجبت عليه حقاً فقد أساء، وإن كنت لم تستوجب عليه شيئاً فهو يفعل ما يشاء”.. وقريب من ذلك سؤال الشامي للإمام علي نفسه “أكان مسيرك إلى الشام بقضاء الله وقدره؟ فقال (ع): ويحك لعلك ظننت قضاءً لازماً وقدراً حاكماً، ولو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب وسقط الوعد والوعيد.. إن الله أمر عباده تخييراً ونهاهم تحذيراً وكلف يسيراً .. إلخ”.

 

أقول… صحيح أن تلك المسائل – لو صح وقوع البحث فيها في هذه الفترة – هي مسائل كلامية بل هي في الطليعة من مسائل هذا العلم.. ولكن من الحق لنا أن نتساءل: هل أن تلك المسائل وأضرابها تصلح لأن تؤسس في مجموعها علماً قائماً مرصوف البنيان، ولمثل علم الكلام الواسع الأطراف والأرجاء؟ إن ذلك مما يدعو – حقاً – إلى التشكيك والتحقيق!!

 

وفريق ثالث من الباحثين ذهب إلى أن نشوءه لم يسبق أو لم يتعد عهد الخلافة الأموية أو مطلعها، وله على رأيه هذا دلائل كثيرة ومؤيدون أكثر، ومن تلك الدلائل ظهور بعض المدارس التي عنيت ببعض مسائل هذا العلم في هذا العصر كالجهمية والجهنية.

 

وكمدرسة الحسن البصري التي كان لها يومذاك في البصرة وغير البصرة كيانها ودورها اللامع الفعال في بحث أو صقل المسائل العقائدية وغير العقائدية من علوم الإسلام، وكذلك المدرسة المعتزلية التي لم تقل عن البصرية أهمية وبروزاً والتي إنشقت عليها فإعتزلت درس الحسن ومجلسه وخالفته في مسألة الحكم على مرتكب الكبيرة من المسلمين حتى نصب – كما تقدم – واصل بن عطاء له درساً بعد إعتزاله ومن هذا الدرس نشأ علم الكلام – كما يزعمون.

 

ومن تلك الدلائل الأخرى التي يتذرع بها البعض كذلك على نشوء علم الكرم في هذا العهد ما ذكره إبن المرتضى المعتزلي من أن محمد بن الحنفية هو الذي ربى واصلاً وعلمه حتى تخرج وإستحكم وأخذ عنه علم الكلام حتى “سئل أو هشام عبد الله بن محمد بن الحنفية عن مبلغ علم أبيه فأجاب إذا أردتم معرفة ذلك فأنظروا إلى أثره في واصل بن عطاء”. إن هذه الرواية لا تعدم الدلالة بل تؤكد على مبلغ نمو هذا العلم وتبلوره في هذا العهد الذي عاش فيه إبن الحنفية وإبن عطاء.

 

هذا إلى جانب بروز الخوارج كفرقة لها إستقلالها ورأيها وإشتداد خطرها وأثرها في ذلك العهد مما كان له الأثر الكبير في تبلور مسائل هذا العلم وتكاملها لأن حركتهم – مما لا شك فيه – أدت إلى إثارة كثير من المسائل العقائدية وعرضها على بساط البحث ومسرح النقاش.

 

فمن هذا الجانب وذاك وبظهور هذه المدرسة وتلك … إلى دلائل وشواهد أخرى كثيرة قد نكون في غنى عن ذكرها .. برر هذا الفريق لنفسه تحديد نشوء هذا العلم وبلورته بهذا العهد دون سواه، ويمكن أن تكون لتبريراتهم هذه نصيب من الصحة وجانب من الواقع لأنها لا تخلو في الحقيقة من تحقيق وتدعيم.

 

وبالإضافة إلى ذلك كله فإن قسماً من هذا الفريق – فيما يبدو – يعتقد أن كل ما مر من عرض لبعض المسائل الكلامية قبل هذا العهد ما هو إلا عرض لأحاديث ونصوص وردت في القرآن الكريم.. أراد المسلمون بها تأكيد عقائدهم وتعزيزها، وهي لا تصلح لأن تكون مادة لخلق هذا العلم وتكوينه وبلورته.. أما الخطوة التالية وهي التي تم الإستدلال بالعقل زيادة على النقل أو حين صاروا يستخدمون العقل في الدفاع عما جاء به النقل، والتي لم تحدث إلا في عهد الخلافة الأموية كما يبدو من سياق إستدلالات هذا الفريق، عندها – أي عند هذه الخطوة أو النقلة – حدث علم الكلام.

 

أما الفريق الرابع والأخير فيعتقد أن الخطوة الصحيحة التي بها يصح لنا أن نعتبر علم الكلام كياناً قائماً بذاته ومتبلوراً، فهي الخطوة التي تم بها إخضاع النقل للعقل لا إستخدام العقل وسيلة لإثبات النقل – كما هو رأي الفريق السابق.

 

وهذه الخطوة – كما يدللون – لم تحدث إلا في مطلع الخلافة العباسية بعد إستقرارها.. وذلك عندما شجع المنصور العلم والعلماء ودعاهم إلى الإستزادة من الثقافة والعرفان فقربهم وأكثر من أعطياتهم، كما شجع الترجمة وأرصد لذلك المال والرجال، ومن هذا الإنطلاق والتوسع في العلم والمعرفة وفي ترجمة الكتب اليونانية وغير اليونانية ولا سيما الفلسفية منها – والذي حدث كما قلنا في عهد المنصور، وتضاعف وإشتد في عهد الرشيد والمأمون. بالإضافة إلى عامل التطور الزمني الذي كان له أثره في تبلور هذا العلم وأمثاله.. أقول من هذا الإنطلاق حدثت تلك الخطوة.. نتيجة الحرية في البحث، والإطلاع على كتب الفلاسفة وآرائهم والتي أصبحت متوفرة لديهم ومنتشرة بين أيديهم.

(عن مجلة النجف التي تصدر عن كلية الفقه، العدد السادس، السنة الخامسة 1962)

السابق
ضرورة التوثيق وبناء ذاكرة جمعيّة للمقموع: الكورد الفيليون أنموذجاً
التالي
علم الكلام (2)

اترك تعليقاً