أعلام وتراث

علم الكلام (2)

نشأة وتكون علم الكلام في هذا العهد يشير بعض الباحثين – وإن لم يرجع سبب هذا النشوء وهذا التكوين إلى ما أرجعناه – بقوله: “إن أبا الهذيل – وأبو الهذيل هذا عاش في القرن الثاني حيث ولد سنة 135 هـ أي مطلع العهد العباسي – وإن لم يكن له منهج خاص يسير عليه في بحثه فإنه قد وضع كثيراً من الآراء التي ساعدت على تكوين علم الكلام عند المسلمين لأنه قد إنقسم العلماء في موقفهم من آراء أبي الهذيل إلى مؤيدين ومنكرين وكلاهما أخذ يقوي لما يعتقد صحته بأدلة ويضعف ما يرى بطلانه بأدلة.. وهكذا، ومن هذه الأفكار والآراء التي ردها بعض العلماء وقبلها البعض الآخر، ومن الأدلة التي أتى بها كلاهما على ما يقصد من صحة أو بطلان تكون علم الكلام عند المسلمين.

 

ولكن هذا الرأي لا شك أنه ظاهر التطرف.. إذ إن الخطوة التي حدثت في هذا العهد – عهد الدور الأول من الخلافة العباسية – لم تكن خطوة لنشوء علم الكلام أو تبلوره وإنما هي خطوة لنشوء الفلسفة الإسلامية وتمييزها عن علم الكلام، أو الإنتقال من مرحلة الكلام إلى مرحلة الفلسفة.

 

نعم إن علم الكلام لا شك أنه إستزاد وإستفاد في هذه المرحلة إستفادة غير يسيرة.. حيث دخلت عليه كثير من المباحث كما تجلت مباحثه الأخرى ونمت وإزدهرت.. فالقول بإنبثاق هذا العلم في هذه المرحلة بالذات ظاهر التطرف وواضح البطلان كما سيتبين لنا الحق عن قريب في ذلك.

 

وهذا الإستعراض والنقاش لأقوال المختلفين في نشأة علم الكلام وتأسيسه وإن لم يكن نقاشاً وإستعراضاً مستوعباً لجميع وجهات النظر في الموضوع، ولكنه يكشف لنا على الأقل الأقوال الرئيسة في الموضوع ومدى نصيبها من الصحة والبطلان، وعما عرض في كل عهد من تلك العهود من المسائل الكلامية والعقيدية ذات الإعتبار.

 

وفي عقيدتي أن لكل من هذه الأقوال نصيباً من الصحة وجانباً حقيقياً بالإعتبار.. لو نظرنا الموضوع نظرة فاحصة وفرقنا بين كل من النشوء، والنمو، والتكامل.. فدور النشوء هو غير دور النمو، وهما غير دور النضج أو التكامل.. وكل قول من هذه الأقوال أو عهد من تلك العهود يصلح لأن يمثل دوراً من هذه الأدوار الثلاثة.. ولكن الخلط والإلتباس في تحديد المفاهيم وعدم التمييز تمييزاً كاملاً بين تلك الأمور هو الذي أوجب كل هذا الخلاف والنقاش بين الباحثين.

 

لذا فإن تلك الأقوال يمكن أن نعتبرها بجموعها أدواراً لتطوره ولا يصح أن نعتبر واحداً منها بذاته نطاقاً لعلم الكلام وحداً له.. وهذا شأن كل علم أي علم.. حيث يبدأ أول ما يبدأ في بحث بعض المسائل البسيطة المتعلقة به، ثم يأخذ في النمو والتطور حتى يتكامل فيصبح بنية أو كياناً قائماً بذاته متميزاً عن غيره – كما هو مصطلح علم الإجتماع.

 

وعليه وإنطلاقاً من هذه الفكرة نستطيع أن نقرر بأن الحق في أن علم الكلام قد بدأ ونشأ في الصدر الأول من الإسلام ما دام تعريف لا يتعدى كما يقول إن خلدون في مقدمته: “الحجاج عن العقائد الدينية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين”، وما دام موضوعه “هو العقائد بالأدلة العقلية فترفع البدع وتزول الشكوك والشبه من تلك العقائد”. وما دام الإسلام – كذلك – قد جند قواه في فترة ما بعد الهجرة للرد على الملاحدة والمنحرفين ولتجلية العقائد الدينية وعرضها والإستدلال عليها بالعقل قرآناً وحديثاً.. أقول ما دام كل ذلك متوفراً صح لنا أن نعتبر هذا الدور “دور نشأته وبدايته”.

 

فهذا القرآن المجيد يعرض لنا في كثير من آياته طائفة من المسائل الكلامية عرضاً رائعاً، كما يعرض للرد على المنحرفين الملحدين حواراً عقلياً مؤثراً وفي أسلوب من أروع الأساليب الإستدلالية وأسدها، ومن ذلك قوله في معرض الرد على المشركين وتزييف معتقداتهم المنطوية على إتخاذ الشركاء والأنداد:

 

“أمن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها.. أإله مع الله..!!”.

 

“أمن جعل الأرض قراراً وجعل خلالها أنهاراً وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزاً.. أإله مع الله..!!”.

 

“أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته .. أإله مع الله..!!”.

 

“أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض.. أإله مع الله!!”.

 

ومثل ذلك نجد الكثير من الأحاديث النبوية عرضاً وحواراً في كثير من المسائل العقائدية، إذ لا شك أن النبي وأصحابه قد جندوا أنفسهم لتجلية الكثير من المفاهيم الدينية والإستدلال عليها بالأدلة العقلية، من حيث لا يمكن أن يتقبلها الداخلون في الإسلام أول أمرهم حقيقة واقعة وأمراً مقبولاً لا يحتاج إلى تجلية أو دليل أو برهان.

 

إذن هذه مادة وهذا عرض وذاك حوار، وكله ليس أجنبياً عن موضوع علم الكلام وإن كان لا ينهض بتكوين علم الكلام وإعتباره كياناً قائماً بذاته، بل يمكن أن يعد دوراً لبدايته ولأول نشوئه وإنبثاقه.

 

أما “دور النمو والإرتقاء والتبلور” فهو الدور الذي برزت فيه المشاكل وتبلور بعض المسائل التي أصبحت مثاراً للجدل والنقاش والإستدلال.. وذلك بعد أن إنتهى المسلمون من الفتوحات وإستتبوا وبعد أن إستقرت البلاد الإسلامية إثر حروب وحركات مستمرة طاحنة.. فكان لا بدّ أن تنشأ على أثر كل ذلك مشاكل مختلفة ومسائل مستجدة وفروعاً تتعلق بتلك الأصول التي عرض لها القرآن من غير تفصيل وإيضاح، مما أضاف على ذلك العالم الناشء مادة واسعة وأبواباً رحبة أصبحت بعد حين ميداناً للصراع الفكري والعقائدي وميداناً للحوار والجدل حتى تكثرت فيها الأقوال كما تكثرت التآليف والمدارس الفكرية التي بحثت تلك المشاكل والمسائل وأخضعتها لميدان القلم بعد أن كانت طليقة في ميدان اللسان.!! وينتظم في هذا الدور الشطر الأخير من الخلافة الراشدية وعصر الخلافة الأموية اللذين شرحناهما بالتفصيل فيما مر من الحديث.

 

ولكن كل ذلك التطور والتبلور في علم الكلام لم يكسبه دور التكامل والنضج ليصبح بنية قائمة بذاتها لها إستقلالها ومنهجها الخاص ولها أصولها المتميزة الواضحة.. والخطوة لذلك كانت بعد حركة الترجمة الواسعة التي ظهرت في مطلع العصر العباسي والتي فتحت آفاقاً جديدة رحبة للمعنيين بهذا العلم وهذه البحوث.. فأكسبتهم ذهنية ناضجة متحررة وسلاحاً قوياً للدفاع عن عقائدهم وأصولهم، وصيرت منهم كتلاً ومدارس فكرية واعية.

 

وبذا ومن بعد هذا بلغ هذا العلم ذروته وأوج رقيه فأصبح كياناً قائماً بذاته له ضوابطه وأصوله الخاصة المميزة.. وبهذا الإعتبار سمّينا هذه الحلقة من حلقاته أو هذا الدور من أدواره “دور النضج والتكامل”.

 

إذن فالحق أن علم الكلام نشأ في صدر الإسلام بعد الهجرة، ونما وتطور في عصري الراشدين والأمويين، وتكامل في مطلع العصر العباسي فبلغ أوج رقيه.

 

وبهذا الإعتبار إستطعنا أن نصحح من بعض الجوانب تلك الأقوال الكثيرة – على ما يبدو من إختلافها – حيث جعلناها بمثابة أدوار لتطور علم الكلام ونموه لا بمثابة تحديد لتأسيسه وإنبثاقه في عهد من تلك العهود دون سواه.

 

ومن هنا نستطيع أن نتبين بسهولة الجهة أو الجهات التي إدعت لنفسها تأسيس علم الكلام أو التي أسهمت في تأسيسه.

 

والواقع إننا بعد هذا الإستعراض لا نستطيع أن ننسب إلى جهة خاصة خلق هذا العلم وتأسيسه لكي لا نغمط حق الآخرين الذين لعبوا هم كذلك دوراً في خلقه ونموه وتبلوره.

 

فكل من الشيعة بفرقها وأهل السنة بإتجاهاتها، وكل من الخوارج والمرجئة والمدارس المعتزلية والجهمية والجهنية قد ساهمت في تبلور علمنا هذا ونموه وتكامله، ولكن لا يمكن هنا تحديد اللبنة الأولى لهذا العلم ونسبتها إلى فئة خاصة من تلك الفئات نظراً لصعوبة مثل هذا التحديد أولاً، ولوجود الخلط في هذا المجال ثانياً.. مع أن القرآن والأحاديث النبوية – كما قلنا – يمكن أن تكون هي راصفة هذه اللبنة وواضعة هذا البناء، فيما طرقت من مسائل لهذا العلم وفيما سلكت سبيل الحوار والحجاج بالرد على الملحدين والمبتدعة والمنحرفين.. وهو نفس أسلوب علم الكلام ومنهاجه.

 

ولكن مع كل هذا يمكن أن نقول إن الفضل كل الفضل يرجع في نمو هذا العلم وتبلوره وحتى في تكامله إلى المدرسة المعتزلية، لأنها كانت في طليعة المدارس الكلامية والمتكلمين جرأة وإنطلاقاً وحرية في البحث والنقد، وأكثرها إطلاعاً وعمقاً في الموضوع… حتى تكثرت على أثر ذلك مدارسها وإتجاهاتها، وحتى جاز للبعض أن يضمها في فرق وللبعض الآخر في طبقات.

 

أما المرحلة الثالثة والأخيرة من هذا البحث – والتي عرضناها في صدره، وهي معرفة نواة التأليف أو أول مؤلف ظهر في هذا العلم، ولمن يعود؟ فهي لا تقل خلطاً وإلتباساً وتكثراً في الأقوال والمدعيات عن المرحلتين السابقتين – وهما زمن تأسيس هذا العلم والجهة المؤسسة له.

 

قيل: إن المعتزلة هي السباقة إلى التأليف فيه، وإن أول من صنف في الكلام أبو حذيفة المعتزلي واصل بن عطاء المتوفى سنة 131. قاله جلال الدين السيوطي في الأوائل.

 

وقيل: إن متكلمي الشيعة هو أول من بادر إلى التأليف فيه فقد ذكروا أن عيسى بن روضة الإمامي التابعي وصاحب المنصور هو أول من صنف في علم الكلام وله كتاب في الإمامة، وقد وصفه – كما قال النجاشي – أحمد بن أبي طاهر في كتاب بغداد وذكر أنه رأى الكتاب.

 

وذهب إن خلدون إلى “رأي ثالث” معاكس للرأي الأول فقال – كما سبق أن عرضناه -: إن حدوث “بدعة المعتزلة” كانت بعد ولع الناس في التدوين والبحث في سائر الأنحاء، وبعد أن ألف المتكلمون في التنزيه.. فإذن لم تكن المعتزلة هي السباقة في التأليف على هذا الرأي.. وإن كان صاحب هذا الرأي لم يحدد الجهة أو الشخص الذي كتب في تلك المسألة الكلامية – التنزيه – كما لا أجد مجالاً لإعتبار عيسى إبن روضة المار الذكر هو من أفراد تلك الجهة أو هو ذلك الشخص الذي عناه إبن خلدون من إطلاقه لأن المسألة الكلامية التي ذكرها إبن خلدون هي مسألة التنزيه وكتاب عيسى بن روضة هو في الإمامة.. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فلأن إبن روضة هذا لما ثبت أنه كان صاحب المنصور وحكم المنصور كان في الفترة ما بين 137 – 158، ولأن المعتزلة لما لم يتجاوز ظهورها – بحسب التحقيق – العقد الأول من القرن الثاني للهجرة ثم لأن حدوث المعتزلة – بناء على رأي إبن خلدون – كان بعد التأليف في مسائل هذا العلم.. لذلك كله لا يصح إعتبار عيسى بن روضة هو الجهة أو الشخص الذي عناه إبن خلدون – وذلك من أجل هذا العامل الزمني (على الأقل) – إلا بنوع من التسامح والتجوز.

 

إذن فرأيه هو رأي ثالث يختلف عن الرأيين السابقين، وإن كان – كما قلنا – لم يحدد الجهة أو الشخص المعني بالتأليف.

 

ورأي (رابع) يقول: إن نواة التأليف في علم الكلام كان بعد أن أمر المهدي العلماء بالرد على الملاحدة عندما إشتد خطرهم وكثر عددهم في الدولة… وبهذا الإعتبار كان هذا العمل من المسلمين – يعني الرد على الملاحدة – في ذلك العصر نواة التأليف في علم الكلام.

 

إذن إن نواة التأليف – على هذا الرأي لا تخرج عن نطاق حكم الخليفة المهدي الذي دام بين سنة 158 – 169.

 

والذي يبدو لي من كل هذا: أن أول مؤلف في علم الكلام يمكن أن يعتد به ويعكس هذا العلم بشكل شامل وكامل لا يتعدى علماء المعتزلة الذين سبق أن قلنا إنه كان لهم الفضل كل الفضل في بلورة هذا العلم وصقله وتجليته، كما لا يتعدى مثل هذا “المؤلف” حدود الفترة التي طغت فيها الفلسفة اليونانية بين الأوساط الإسلامية العلمية. ولا يعنينا بعد ذلك إن كان قد ظهر قبل هذا التاريخ – ولا بد أنه قد ظهر – وعن غير هذه الجهة أو عنها مؤلفات أخرى بسيطة في بحثها ومحدودة في مسائلها.

 

(عن مجلة النجف التي تصدر عن كلية الفقه، العدد السادس، السنة الخامسة 1962م)

السابق
علم الكلام (1)
التالي
مقرب من العبادي: الغاء الاستفتاء لم يعد كافيا وهذا هو شرط بغداد الجديد للحوار مع اربيل

اترك تعليقاً