أعلام وتراث

عناصر الحضارة العراقية…

 

ورث البابليون عن السومريين ديانة لها تقاليدها ومراسمها، وأنظمتها ومعابدها، ولكنهم لم يقنعوا بما كان في ذلك التراث الديني من بساطة، وسطحية فأخذ رجال الدين منهم يتاملون فيها لديهم من معتقدات ويحاولون الملاءمة بينها وبين مصالح الشعب حتى إستطاعوا أن يجعلوا من تلك العقيدة رقيباً على الأفراد في معاملتهم لأنفسهم ولذويهم وللناس الآخرين على السواء.

 

وبهذا قد تمكن الكهنة من بسط النفوذ الديني والسيطرة الكاملة على النفوس بفضل ما كانوا يؤكدونه من رغبة ورهبة، رغبة في حسن جزاء الآلهة لمن يخلص في عمله ويدين بالطاعة للرؤساء، ورهبة من هول العقاب لمن يتهاون أو يتمرد أو يحاول العبث بحقوق الآلهة أو واجبات الدولة والأفراد، على هذا الأساس تطورت العقيدة وعمت تعاليمها وكثرت الآلهة، وعلى هذا الأساس أيضاً توحد المجتمع، وتحددت أهدافه، وساد فيه النظام، وعلى هذا الأساس أخيراً كان سلطان الدين والكهنة أقوى وأعظم من سلكان الملك والدولة فكان الملك لا يعترف به إلا إذا خلع عليه الكهنة ولاية الملك وكان ينظر إليه كوكيل ينفذ إرادة الآلهة وكان للكهنة نفوذ عظيم في تصريف أمور الدولة وفي فض النزاع بين المتخاصمين فوجد فيهم القضاة، والأدباء، والعلماء، ورجال القانون، ونظرة فاحصة في ديانة البابليين ترينا عقيدة قوية مهذبة منظمة، ولقد كانت هذه العقيدة في آلهتها، وفي نظمها، وفي أساطيرها مصدر الكثير من العقائد الوثنية في الأمم القيدمة وعلى الخصوص الأمة العربية، وكثيراً ما إمتدحها اليونانيون واللاتنيون وشادوا بها في سبيل المقارنة بينها وبين ديانة المصريين الذين كانوا على حد تعبيرهم يعبدون أنواعاً مختلفة من الحيوان، والطير، والنبات، وأشهر الأساطير الدينية عند البابليين هي قصة الطوفان، ثم قصة الخلق الأولى للعالم وما في ذلك من تاريخ الإنسان منذ عهوده الأولى.

الأدب:

ثم أننا لو تجاوزنا الناحية الدينية وذهبنا إلى الناحية الأدبية بمعناها الضيق لوجدنا لديهم كثيراً من الشعر الديني لا يكاد يقل في موضوعه، لا في كميته، عن الشعر الديني لا يكاد يقل في موضوعه، لا في كميته، عن الشعر الديني عند اليونان أو الروم، وكذلك نجد لديهم كثيراً من القصص المنظومة على ألسنة الحيوانات تكاد تشبه ما نراه منشوراً في كتاب كليلة ودمنة، وهنا ينبغي أن ندخل في حسابنا على الأقل حينما ندرس أصل هذا النوع الأدبي – نقد المجتمع على ألسنة الطيور والحيوانات نقول، ينبغي أن ندخل في حسابنا الحضارة البابلية، إذ أن كثيراً من الباحثين في العصر الحديث قد إتجه في درسه لهذا النوع الأدبي إلى إفتراض أن البيئة الأولى لهذا الأدب إنما هي الهند وقد ذهب الفرس إلى الهنود لترجمة هذا الأدب من الهندية إلى الفارسية ومن ذلك إلى العربية.

ولم نجد، فيما قرأنا، واحداً من الأدباء أو النقاد قد حاول أن يتلمس أصل هذا الأدب في بيئة بابل، وإذا كان الأمر كذلك فإننا نرجح أن أصل هذا الأدب إنما هي الآداب البابلية فالقرب بين البيئتين (بابل وفارس) واضح، والتشابه بين الظاهرتين الأدبيتين ملموس، وعلى هذا فإنتاج الفرس في هذا الأدب إن هو إلا إمتداد لإنتاج البابليين، ثم عن الفرس إنتقل هذا النوع الأدبي إلى اليونانيين بفضل إيزوب – esope، الذي كان أسيراً من الأسرى الشرقيين الذين عاشوا في بيئة اليونان، وعن اليونانيين إنتقل هذا الأدب إلى الرومانيين بفضل الأديب فيدر – fedre، الذي كان تلميذاً لليونانيين ومن أًصل يوناني ثم عاش في روما وألف مجموعة أساطيره المنظومة على ألسنة الطيور والحيوانات، وعن هذين المصدرين – إيزوب عند اليونانيين وفيدر عند الرومانيين – إستقى الأديب الفرنسي لافونتين la fontaine قصصه الأديبة المجموعة تحت هذا العنوان: fables de la fontaine.

وهذا موضوع للبحث طويل، نكتفي منه بهذه الإشارات العابرة والنقط الأساسية، ونترك التفصيل فيه لباحث مستقل، أو لأديب ناقد أو لطالب يتخذه موضوعاً لرسالة يبين فيها متى، وكيف، وأين نشأ هذا النوع الأدبي، ثم يتتبعه في البيئات الأخرى متناولاً مظاهر التطور وعوامل ذلك التطور فيه.

ولقد عرف عند البابليين كذلك بعض المسرحيات التي كانت تمثل في بعض الطقوس الدينية، إما لإحياء ذكرى الآلهة، وإستحضارهم في صور واقعية ملموسة، وإما لتصوير الرحمة والجبروت عندهم فيتم لهم من وراء ذلك الدعوة إلى الرغبة فيهم والرهبة منهم.

وهذه المسرحيات تشبه إلى حد كبير مسرحيات اليونان في نشأتها الأولى يوم كانت تقوم حول المعتقدات الدينية لخدمة الآلهة أو لتصوير أحداثهم ومآثرهم.

ولعل أهم أثر أدبي عند البابليين هو تلك الملحمة التي ذاع صيتها، وتحدث عنها كثير من الأدباء والباحثين وعرفت بإسم ملحمة (جلجميش)، هذه الملحمة، بالرغم مما يبدو من إضطراب في تأليف أجزائها، تعتبر بداية طيبة لما ظهر عند اليونان من شعر قصصي عظيم، إذ أنها تحتوي على العناصر الهامة التي تميز الملاحم عن غيرها من الأنواع الأدبية كالخيال الواسع، والحوادث الخارقة للطبيعة، وإشراك الآلهة مع الإنسان في التكوين أو في الصراع، أو في الأخلاق، أو في الطباع، أو في الغرائز الجنسية، أو في غير هذا وذاك مما ألفنا وجوده في الياذة هو ميروس أو في ملحمته الأخرى المعروفة بالأوديسا، أو في إينياده فيرجيل عند اللاتينيين، إذ أن هندسة التأليف أو بناء الملحمة في كل ذلك يكاد يكون واحداً وإن إختلف الموضوع، وتباينت في الظاهر الأهداف، ولنجمل الآن الكلام عن ملحمة جلجميش فيما يأتي تاركين التفصيل للترجمة الكاملة لما عثر عليه منها في قصة الحضارة، الجزء الثاني، الفصل الخاس ببابل، ترجمة الأستاذ بدران: تنسب هذه الملحمة إلى جلجميش، حاكم مدينة أروك، وهو من نسل الآلهة شمش – نيشتين الذي قد نجا من الطوفان في نظر الأساطير القديمة، وتصف الملحمة هذه الشخصية وصفاً خارقاً لطبائع الناس من حيث جمال الخلقة، وعظم الجسم، ونفاذ البصيرة، وإدراك الأسرار، ثم يستبد هذا الحاكم بأفراد مملكته إستبداداً عظيماً إذ يسخر الرجال في بناء الأسوار، ويغدر بالزوجات والفتيات فيشكوه الشعب إلى الآلهة إشتار فتدخل هذه الآلهة في مساعدة الشعب ضد هذا الحاكم الظالم وتستعين بكثير من الوسائل كي تتغلب عليه فتذهب إلى أرورو، وهي عرابة جلجميش ثم ترجوها في خلق ولد آخر يشغل جلجميش، فتصور العرابة أنجيدو من الطين، ينشأ أنجيدو هذا نشأة غريبة إذ يعتزل الإنسان ويعاشر الحيوان وكأنه واحد من الحيوانات، فيحتال صائد على صيده حتى يمكن لسكان المدينة أن يستغلبوا بواسطته على جلجميش ولكن الصياد لا يفلح فيتوسل إلى جلجميش كي يعيره كاهنة تستطيع بجمالها وإغرائها أن تصطاد أنيجدو، تنجح الكاهنة في إغرائها فتوقع أنجيدو في شرك حبها ويستمر معها سبعة أيام معتزلاً كل أنواع الحيوانات وبعد أن يفيق من سكر اللذة مع الكاهنة يأخذ في الندم على مفارقة أصدقائه الحيوانات ولكن الكاهنة له بالمرصاد فتزجره على هذه الحياة في وسط الوحوش وتغريه بالذهاب إلى أروك ومخالطة جلجميش حاكم المدينة فيخضع أنجيدو لمشيئتها ويعود معها إلى المدينة وهنا تسر الآلهة وأفراد الشعب بما صنعته الكاهنة وبمقدم أنجيدو مؤملين أن يتغلب على الحاكم المستبد جلجميش، ولكن هذا الأخير ينتصر بقوته على أنجيدو ثم يتخذه صديقاً له، وهنا نجد الآلهة إشتار تظهر مرة أخرى على مسرح الملحمة فتقع في حب جلجميش الذي عجز أنجيدو عن هزيمته، ولكن جلجميش يرفض حبها وإغراءها فتتوعد وتنذره بعد أن تعده وتمنيه ولكنه يقابل كل بالرفض، فتذهب إشتار وهي محنقة إلى الإله الأعظم – أنو – وتتوسل إليه بأن يخلق وحشاً قوياً يصرع جلجميش يرفض الإله طلبها ويؤنبها عليه ولكنها تصر على ذلك وتتوعد الإله – أنو – إن هو لم يخضع لإرادتها، واخيراً يجيب الإله طلبها ويخلق الوحش ولكن جلجميش يتغلب على ذلك الوحش بمعاونة أنجيدو.

يغيظ ذلك إشتار وتدرك السبب في هزيمة الوحش وهي قسوة أنجيدو فتنقلب بجبروتها ضد أنجيدو وتسلط عليه مرضاً بصرعه، وهنا يحزن جلجميش ويبلغ منه الحزن كل مبلغ فيأخذ في التفكير في سر الخلود، ولا يجد وسيلة لإدراك سر الخلود إلا بواسطة الإله شمش – ينشتيم فيأخذ الطريق إليه ويصارع الطبيعة والمردة أياماً، وليالي حتى يصل إلى ذلك الإله ويطلب منه سر الخلود فيعطيه نبته ثمرها يجدد الشباب، يسر جلجميش بتلك النبته ويأخذ طريق العودة إلى أروك وبينما هو يستحم أثناء العودة إذ جاءت أفعى وسرقت النبته.

يعود جلجميش إذن إلى أروك حزيناً يائساً ولكنه يلجأ إلى الآلهة مرة أخرى فيطوف بالهياكل ويقيم الصلوات متوسلاً إلى الآلهة أن يعيدوا الحياة إلى أنجيدو لكي يستطيع أن يتحدث إليه ولو بكلمة واحدة، تقبل الآلهة دعواته وتبعث الحياة في أنجيدو فيتوجه إليه جلجميش بالسؤال عن حال الموتى، يرفض أنجيدو أول الأمر الإجابة عن هذا السؤال رحمة بجلجميش يصر على هذا ولو كان في ذلك حتفه فيأخذ أنجيدو في وصف الجحيم وما تشمل عليه من أهوال.

العلوم:

أما من الناحية العلمية فقد ظهرت عندهم مبادئ قوية لكثير من العلوم التي نعرفها اليوم فقد عرف لديهم التاريخ ووجد كثير من الألواح البابلية التي تقص أحداث العالم، والمدن والملوك، ويشبه هذا ما نجده من قصص تاريخي في الكتب المقدسة عند اليهود والمسيحيين، وإن الحيرة لتملك على المطلع نفسه حينما يقرأ ما جاء في تلك الألواح وما دون في هذه الكتب المقدسة ولكنه ينتهي إلى أحد أمرين: إما أن تكون هذه الكتب قد إستقت معارفها من تلك الألواح، وإما أن يكون الكل قد إستقى معارفه من مصدر واحد، وفيما عدا التاريخ قد وجد لديهم كذلك ما يعرف بالعلوم اللسانية التي تهتم باللغة، وتحاول أن ترسم لها حدوداً وتصنع لها ضوابط وتنظم فيها وسائل التعبير الشعري والأدبي إذ أنه قد عرف لديهم من ذلك علم اللغة، والنحو، والصرف وقد إضطرتهم ظروف المجتمع وطبيعة اللغة نفسها إلى التفكير والتدوين في هذه العلوم الثلاثة، إذ أنها كانت الوسيلة الوحيدة لمعرفة اللغة الفصحى التي تدون بها كل الآثار العلمية، وتقام بها الطقوس الدينية، وتنظم بها الأشعار، وتسجل بها القوانين، وتكتب بها الرسائل، وتقيد بها الأفكار الأدبية.

1 – علم الطب

ولقد كان ضمن ما عرف عندهم كذلك علم الطب الذي كان في أول عهدهم به بسيطاً، سطحياً محدوداً ساذجاً يعتمد على التمائم والرقي ويكاد يكون من عمل الكهنة وحدهم، ولكنه مضى الزمن قد إستطاع هذا العلم أن يخرج من حظيرة المعابد والهياكل ومن سلطان الكهنة ورجال الدين ثم يأخذ له ميداناً مستقلاً فتنشأ مهنة الطب يشرف عليها أطباء قد تخصصوا في معرفة هذا العلم وعاشوا من ممارستهم له ويتضح ذلك مما وجد في قانون حمورابي من لوائح تنظم صلة المريض بالطبيب وتفرض أجراً خاصاً على كل نوع من العلاج أو على كل عملية من العمليات الجراحية، كما نجد شبيهاً لذلك عند الأمم المتحضرة المعاصرة، وإذا كان فهمهم لمصدر الداء هو إختلاط أجسام روحانية شريرة بأجسام البشر، وعدم الملاءمة بين هذين النوعين، إلا أن تفكيرهم في العلاج وفي تركيب الدواء لا يكاد يختلف عن مبادئ حكماء اليونانيين وأطبائهم، الذين نادوا بهذا القول: كل داء يعالج بنبات أرضه، وما نادى به اليونانيون لا نزال نراه مطبقاً إلى حد ما حتى الآن، وهكذا كان أطباء البابليين يبحثون عن الدواء في أعشاب أرضهم، وحيواناتهم، فهم وإن أخطؤا التقدير في مصدر الداء فقد أصابوا في إتجاههم نحو تركيب الدواء.

2- علم الفلك

لعل أهم العلوم البابلية على الإطلاق هو علم الفلك فقد بلغ عندهم درجة لا تقل عن درجة هذا العلم في مصر الفرعونية، وها هو ذا العالم الحديث لا يزال يدين للبابليين بكثير من الأسس والقواعد التي وصلوا هم إليها، ولقد علل اليونانيون واللاتينيون تقدم هذا العلم عند البابليين بطبيعة البيئة والمناخ في تلك المنطقة، ولكن مهما يكن من شيء فإن ذلك لا يقلل من مجهود البابليين وفضلهم في الوصول إلى معرفة كثير من النظريات الفلكية التي لا تزال صحيحة ثابتة حتى الوقت الحاضر.

 

ولقد إستعانوا على ذلك بواسطة مبادئ ورثوها عن السومريين ولكنهم ساروا في هذا الطريق سيراً حثيثاً ومبكراً في وقت واحد فإستطاعوا أن يسجلوا بالدقة شروق الزهرة وغروبها بالنسبة إلى الشمس وذلك حوالي القرن العشرين قبل الميلاد، ثم أنهم درسوا النجوم الثابتة والمتحركة، ورسموا لها خرائط تبين أماكنها، وطرق سيرها فأمكنهم بذلك تحديد مواقع كثير من الكواكب، ولعلهم قد سبقوا المصريين في رسم السماء وقد بين عليها كل الأبراج الإثني عشر.

وكان من نتيجة أبحاثهم الفلكية الواسعة أن توصلوا إلى توقيت الزمن فقسموا السنة القمرية إلى إثني عشر شهراً قمرياً ثم أنهم أدركوا الفرق بين السنة القمرية وبين الدورة الحقيقية لمدار الشمس التي تنتج عنها الفصول الأربعة، إذ أنهم كانوا يقدرون ستة أشهر من السنة القمرية يتكون كل منها من 30 يوماً، والسنة الأخرى يتكون كل منها من 29 يوماً.

نقول حينما أدركوا هذا الفرق إصطلحوا على إضافة شهر لكل مجموعة من السنين حتى يحصل تعادل بين السنة حتى يحصل تعادل بين السنة القمرية ودورة الفصول الحقيقية، ولعل ما كان عند العرب قبل الإسلام من طريقة في التوقيت يرجع في أصله إلى القاعدة البابلية، التي نرجح أنها وصلتهم عن طريق البابليين إما بواسطة صلاتهم بهم في بابل وإما بعد هجرة البابليين أنفسهم وإستقرارهم في شبه الجزيرة العربية.

وإلى هذا تشير الآية الكريمة “إنما النسء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا، يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً”.

أليس ذلك أيضاً صورة لما جرى عليه المصريون قديماً من إضافة أيام إلى سنتهم كي يوازنوا بين توقيتهم ودورة الفلك الحقيقية؟

ثم ما أدخله الرومانون من تعديل أيضاً على السنة الشمسية التي أخذوها عن المصريين حينما أضافوا يوماً إلى كل أربع سنوات: أليست هذه المحاولة شبيهة بما تنبه له البابليون منذ آلاف السنين؟

ولقد كان من نتيجة أبحاثهم الفلكية أيضاً وملاحظتهم لأوجه القمر الأربعة أن قسموا الشهر إلى أربعة أسابيع، وقسموا اليوم إلى إثنتي عشرة ساعة، والساعة إلى ثلاثين دقيقة، ولقد إضطرهم هذا إلى التفكير في آلات يقيسون بها الزمن وفق هذا الحساب فإخترعوا لذلك المزولة والساعة المائية.

كل ما يلغى ضوءاً على تقدم هذا العلم وإتساعه عند البابليين، ويرينا إلى أي حد العالم الحديث نفسه عالة على القدماء فيما فكروا فيه، وفيما أوجدوه، ثم أن الباحث في علم الفلك عند البابليين لا يستطيع أن يمضي في بحثه دون أن يعرج على معارف القدماء من العرب بالنسبة للزمن، والسماء والنجوم، والكواكب لكي يقارن بين معارف الشعبين ويدرك الأثر المتبادل بين بيئة البابليين وبيئة العرب.

وهنا يجد الباحث صدى معارف البابليين الفلكية، التي إندثرت ضمن ما إندثر، ممثلة عند العرب تمثيلاً واضحاً، لا في القواعد والمبادئ فحسب، ولكن في الأسماء والمصطلحات أيضاً، فمعرفتهم بالنجوم وسيرها وبالقمر وأوجهه، وبالشمس ومدارها، وبالبروج الإثني عشر وأسمائها، وبالسنة القمرية وحسابها، وبدورة الشمس وعدد أيامها، وبالفرق بين دورة الشمس والقمر والتوفيق بينهما، كل ذلك يعتبر صورة لما لاحظه البابليون ودروسوه، وإذن فمن العسير أن نلتمس له عند العرب مصدراً آخر غير معارف أقربائهم من الساميين الذين إستقروا في بيئة العراق وإستمروا على صلة بهم وقرب منهم، كما أنه من العسير أيضاً أن نقبل الرأي القائل بنشأة هذا العلم في البيئة العربية وبأصالته عند العرب أنفسهم، إذ مهما كان صفاء الجو في شبه الجزيرة العربية، ومهما كانت حاجة العرب في حلهم وترحالهم إلى معرفة حالة السماء والمناخ وتغير الأجواء، نقول مهما كانت الضرورة التي تدفع بالعربي لمعرفة ذلك فإن كل ما يمكن تصوره في مثل هذه البيئة لا يتجاوز بعض المعارف الأولية البسيطة المحدودة التي تلائم حياة العربي، ومعارفه الضئيلة الطبيعية، وظروفه الإجتماعية، أما الدراسة الطويلة المتسلسلة المتشعبة التي لا تكتفي بالظواهر تصفها، وإنما تنفذ إلى الجوهر تحلله، وتعلل أعراضه، وتبين أوجه الصلة بين الجوهر والعرض ثم الأثر المترتب على تلك الصلة بالنسبة لظروف المجتمع وحياة الأفراد، نقول أن الدراسة التي هي من هذا النوع لا يلائمها عبر بيئة متحضرة فيها حياة مستقرة، وفيها معاهد للدرس والبحث والتجارب، وفيها وحدة إجتماعية منظمة السياسة محددة الأهداف، وما عهدنا مثل ذلك في حياة العرب قبل الإسلام، ولكننا عرفناه ممثلاً واضحاً في بيئة السومريين، ثم مهذباً ناضجاً في بيئة البابليين.

ولعل من أوضح الأمثلة التي تدل على تأثر العرب بالبابليين في علم النجوم هو ما نجده من تاشبه بين الشعبين في الأسماء والمصطلحات والقواعد الخاصة بذلك العلم، من ذلك لفظ – المريخ – فإنه يقابل عند البابليين في اللفظ، وفي المعنى كلمة – مرداخ -، وكذلك كلمة – زحل – عند العرب، إذ أنها تقابل عند البابليين كلمة – كاون، وهي وإن إختلفت عنها في اللفظ إلا أن المعنى واحد عند الشعبين، إذ أن معناه في اللغتين هو الإرتفاع والعلو.

ثم أننا نجد كذلك تشابهاً عظيماً في أسماء الأبراج السماوية عند العرب والبابليين على السواء، وقد ذكر الأستاذ جورجي زيدان قائمة هذه الأبراج وما يقابلها عند البابليين أو الكلدانيين فليرجع إليها القارئ وليلاحظ بنفسه مبلغ التشابه بينها، في اللفظ وفي المعنى.

ولنعد الآن قليلاً إلى بابل لنرى ماذا آلت إليه حالها، وبواسطة أي الهزات العنيفة قد تأثرت حضارتها بعد أن غزت وادي دجلة والفرات، وإستطاعت فيما بعد أن تغزو الجزيرة العربية من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ثم تمتد فيما وراء ذلك حتى تستقر في شواطئ الأبيض المتوسط، بل تتجاوزه إلى الغرب، ويصل صداها إلى بيئة اليونانيين.

لم يمضى على موت حمورابي غير بضع سنين حتى تصدعت مملكة بابل تحت ضغط الكاشيين الذين جاءوا من الشرق يخربون ما يجدونه أمامهم، ويسلبون ما تقع عليه أيديهم، وكان هؤلاء الكاشيون يعيشون في منطقة جبلية في الشرق من بابل، ويكونون حلقة ضمن سلسلة الشعوب الهندو – أوربية – indo europeens، وكان صنيع هذه القبائل شبيهاً إلى حد ما بصنيع الساميين مع السومريين غير أن الساميين كانوا يضعون نصب أعينهم تأسيس مملكة جديدة على أنقاض مملكة قديمة فإحتفظوا بآثار حضارة أسلافهم وأضافوا إليها كثيراً من مجهودهم السياسي والأدبي والفني، أما الكاشيون فقد كانوا يضعون نصب أعينهم بيئتهم الفارسية الأولى فحاولوا أن يهدموا تلك المملكة البابلية وينقلوا ما يستطيعون نقله من آثار الحضارة البابلية إلى بلادهم وهذا يذكرنا بما كانت تصنعه روما فيما تغزوه من البيئات المثقفة المتحضرة وهكذا نجد مرة أخرى كيف تتشابه أو تتكرر الظواهر الإجتماعية في العصور المختلفة وفي البيئات المتباعدة.

إستمر هذا الشعب يعيث فساداً في مملكة بابل على حساب حضارتها مدة ستة قرون مثل ما صنع الهكسوس في مصر تماماً، ولقد كان من نتيجة هذا الإضطراب أن إندثر كثير من معالم تلك الحضارة، ووقفت حركة نموها وتقدمها، ولكن بيئات أخرى قد إستطاعت أن تجني من ثمارها بواسطة العناصر المثقفة التي هجرت بابل وبحثت عن مواطن أخرى يتوفر فيها الهدوء والإستقرار مثل أشور شمالاً وبيئة الحجاز واليمن جنوباً، ويدلنا على مبلغ الإضطراب السياسي والإجتماعي في بابل بعد سقوطها مجموعة من الرسائل وفدت إلى مصر حيث يستنجد أهل البلاد الأصليون بمعونة المصريين لكي يتخلصوا من ظلم أولئك الغاصبين.

وقد عثرت فلاحة مصرية على هذه الرسائل في (تل العمارنة) فألقت بذلك ضوءاً على ما آلت إليه حالة البلاد من الفوضى والإضطراب.

 

العراق وما توالى عليه من حضارات (الدكتور حسن عون)

 

السابق
تكتيكات داعش حول العالم
التالي
ضبط مدير موقع شركة إيرثلنك متلبساً بالجرم المشهود

اترك تعليقاً