أعلام وتراث

عن مدينة الحضر الأثرية حافظة الشرائع التي دمرها داعش

احتل تنظيم داعش الارهابي محافظة نينوى التي تقع ضمنها مدينة الحضر الأثرية منتصف عام 2014، وفي الشهر الثالث من العام التالي 2015 قام مقاتلوه بتدميرها عن بكرة أبيها من أجل محاولة اخفاء تاريخ العراق ومحو تراثه، فالحضر موقع ضمته منظمة اليونيسكو إلى قائمة التراث العالمي.

وبين أيدينا دراسة دراسة مفصلة عن تلك المدينة الأثرية كتبها عام 1988 د. واثق إسماعيل الصالحي عن مدينة الحضر حافظة الشرائع والتي كانت تضج بما تحويه من كنوز معرفية تنطق بتاريخ مجيد، قبل ان يرتكب بحقها التكفيريون أعداء الانسانية مجزرتهم المشهودة.

وفيما يلي نص الدراسة:

يمثل تشريع القوانين والأنظمة القانونية وتدوينها مقياساً في تقويم تقدم المستوى الحضاري ومؤشراً على حسن التنظيم الإجتماعي لتلك المدينة أو الدولة صاحبة التشريع، وللعراق القديم تأريخ عريق ومتميز في هذا المجال ففي ربوعه وضعت اللبنات الأولى لأصول التشريع القانوني، كما أثبتته الدراسات التاريخية المقارنة المستندة على الوثاق المكتوبة التي وصلتنا من خلال التنقيبات الأثرية في مدن العراق القديم.

 

وإشتملت الوثائق على التشريعات والقوانين والمستندات القانونية التي بموجبها نظم العراقيون القدماء مفردات مجتمعاتهم ومن خلال دراستها التفصيلية إستطاع الباحثون تتبع تطور النظام القانوني وطريقة إستنباط الأحكام، وقد تأثرت الدول المجاورة بالتقدم الذي أحرزه العراقيون القدماء في هذا المضار الحيوي، إضافة إلى تأثرهم بالجوانب الحضارية الأخرى والذي إنعكس في سنِّ تشريعات وقوانين والقيام بإصلاحات قانونية مشابهة، وإعتقد العراقيون القدماء أن الملوك والحكام الذين وضعوا تلك القوانين هم ممثلو الآلهة على الأرض وكانت مهمتهم تطبيق الإرادة الإلهية في العدالة وألّة البعض منهم أنفسهم أو إدّعى قرابةً ونسباً إلى الآلهة، ولهذا إتسمت القوانين العراقية القديمة بأنها إما شرعت بتفويض من الآلهة وأنها منذ أول تشريع أو إصلاح قانوني إرتبطت بالآلهة وبأحكامها، فيذكر أوروكا جينا حاكم مدينة لجش “وعندما منح الإله ننكرسو وأمسكت بيده من بين الجموع.. تمسك أوروكا جينا بالكلمة التي قالها له ننكرسو…” أما أورغو، مؤسس سلالة أور الثالثة، فيذكر في مقدمة قوانينه بأنه “إستطاع وبقوة الإله ننا، سيد مدينة أور بأمر الإله أوتو (شمش) الحق أن يوطد العدالة في البلاد ويزيل البغضاء والظلم والعداوة من خلال القضاء على المفاسد التي كانت تعم البلاد”.

 

ولبّت عشتار، أحد ملوك أيسن الذي حكم في الفترة بين 1934 – 1924 ق.م. فيذكر في مقدمة قوانينه كيفية إختيار الآلهة له ويصف نفسه بالراعي الحكيم و”فوّضته الآلهة لنشر العدل في البلاد”. وتتوضح هذه الظاهرة في أبرز وأهم مثال هي قوانين حمورابي ملك بابل الذي حكم في الفترة بين 1792 – 1750 ق.م. فقد جاء في مقدمتها “إنتدبني – آنذاك آنو وأنليل، أنا حمورابي، الأمير الكريم عابد الآلهة – لأنشر العدل في البلاد”.

لقد وصلنا من مدينة الحضر عددٌ من النصوص الكتابية محفورة على أحجار كبيرة تلقي ضوءاً على بعض الأحكام القانونية والأعراف التي كانت سائدة فيها وخاصة تلك التي تتعلق بالسرقة والعقوبة الصادرة بحق مرتكبيها، وقد عثر على هذه الكتابات خلال أعمال التنقيبات التي إضطلعت بها دائرة الآثار والتراث في مواسم مختلفة من عملها في المدينة الذي بدأ منذ ربيع عام 1951 وإستمر لسنوات طويلة حتى توقف في بداية هذا العقد، وقد صاحبت الحفائر الأثرية أعمالالصيانة للأبنية والمرافق المكتشفة، ويتضح من خلال الدلائل الآثارية والتاريخية أن فترة إنتعاش المدينة إمتد من حدود القرن الأول ق.م. حتى قبيل منتصف القرن الثالث الميلادي، وهناك عوامل وحوافز وراء ذلك أبرزها الأهمية الدينية التي إكتسبتها المدينة بكونها مركزاً للقبائل العربية التي سكنت في منطقة الجزيرة والتي ورد ذكرها في الكتابات الآرامية بإسم عربايا، حيث أقامت معابدها ووضعت فيها تماثيل آلهتها ودفنت فيها أمواتها.

 

وكان للعامل العسكري دور في إزدياد أهمية تلك القبائل أثناء الحروب الطاحنة التي حدثت مع الرومان إضافة إلى أن موقع المدينة السوقي يتصف بصفات ذات أهمية بالغة في السيطرة على الطرق والمسالك البرية التجارية والعسكرية المحاذية لنهري دجلة والفرات والتي إنشغلت في نقل البضائع الشرقية من الهند والجزيرة العربية إلى الأسواق الغربية عند قنوات كانت القبائل العربي تتعامل بها وتحميها. لقد بلغت مدينة الحضر أوج إزدهارها خلال القرن الثاني للميلاد ولذلك أصبحت مطمعاً للرومان الذين حاولوا السيطرة عليها بشتى الطرق والوسائل الحربية ولكن محاولاتهم باءت بالفشل الذريع بسبب مناعة تحصيناتها وبسالة أهلها الذين بذلوا الغالي والنفيس في سبيل الحفاظ على إبائها وعنفوانها وعدم تدنيسها من قبل الأباطرة الرومان المتغطرسين، وإمتد نفوذها ليشمل مناطق واسعة، وإزدادت عظمة، ولا بدَّ أن وراء ذلك الإنتعاش والإزدهار الحضاري أسباب عديدة قد تبدو معقدة ولكنها تشمل بالضرورة تنظيم حياة المدنية في جوانبها المختلفة وينعكس على الجانب الإجتماعي الذي جعلها تتميز بواقعها المتآلف ووحدتها المتماسكة وترسم حدود مجتمعها وتضع قاعدة التعاون في نطاق التشريعات والقوانين التي كفلت لها تضامن أبنائها وتماسكهم على وفق ضوابط أساسها إحترام قادتها ورعاية أبنائها وما ورد عند المؤرخين العرب الأقدمين والكلاسيكيين من وصف لصمودها الرائع فإنه إستذكار بأهمية المكانة الموقرة التي حظيت بها والإهتمام والإحترام التي كانت تتمتع به بين مثيلاتها من المدن المعاصرة.

 

لقد أدركت القبائل العربية التي إتخذت من الحضر مركزاً لها في حدود تصورها وطبيعة حياتها أن الأرض التي تعيش عليها وتدافع عنها هي أرض مرتبطة إرتباطاً وثيقاً بتلك المدينة والتي يجب أن تستميت في الدفاع عنها وتضحي من أجلها بإستبسال وتعيش عليها بكرامة ولا بدَّ أن تدفعها هذه العوامل إلى أن تبذل جهودها من أجل التعاون والتكاتف والتوحيد وأصبح إنتماؤها أساساً في توفير سبل الحياة الكفيلة برعاية أبنائها وهذا ما جعل أواصر الشد محكمة وعوامل الإرتباط متماسكة ومتشابكة ولهذه الأسباب وغيرها مجتمعة وضعت قوانين الحضر لتعبر عن إستيعابها لحاجات المجتمع ولتلبي نوازع سكانها الذين آمنوا بأسباب وجودها وعزتها ومنها إستمدوا مقومات حياتهم ومن أجل هذه الحقيقة جاءت تلك القوانين متميزة لغرض أن تبقى حياتها الداخلية سليمة وهي تتصدى لقوى البغي والعدوان.

 

لقد جاءت قوانين الحضر تلبية لمتطلبات الحياة القاسية وهي لا تبتعد كثيراً عما ألفته المجتمعات القديمة فمن خلال الإطلاع على معظم الأحكام القانونية في العراق القديم يبدو أنها تضمنت فقرات مهمة ومتعددة حول السوقة مما يدل على أن الأموال المنقولة كانت ذات قيمة أغلى من قيمة الأرض لأن لدى المجتمع أو الدولة أراضٍ كثيرة تكفي للزراعة ولذلك إعتبرت سرقة الممتلكات أياً كان نوعها (كالعبد أو الحيوان المدجن أو آلة أو أداة) جريمة يعاقب عليها القانون

 

وتعتمد العقوبة على نوع المادة المسروقة وظروف وقوعها وحتى أوقاتها وتراوحت بين عقوبة الموت أو الإعدام لمرتكبيها أو تشويههم أو فرض عقوبة الجلد أو دفع تعويضات، بعد إعادة الممتلكات المسروقة، تضاهي قيمة المادة إضافة إلى غرامات أخرى أو قد تتطلب السرقة فرض مضاعفات المبالغ المسروقة أو الإكتفاء بالتعويض بالمقابل.

 

من أقدم الإشارات التي وردتنا المتعلقة بالسرقة هي تلك التي تذكرها نصوص إصلاحات أوروكاجينا التي تقود بتاريخها إلى حدود القرن الرابع والعشرين ق.م. بأن السارق يرجم بالحجارة التي كتب عليها “نيته الشريرة”. أما النصوص القانونية المتعلقة بالسرقة والتي من الضروري أن تتضمنها قوانين أورنمو (2113 – 2095 ق.م.) والتي تعتبر أقدم قوانين مكتشفة، فإنها لم تصلنا لحد الآن لوجود نقص في النص المكتشف في بداية المواد القانونية ووسطها ونهايتها، ومن المؤكد أنها قد عالجت الجرائم الخاصة بالسرقة، وجاءت بعض نصوص فقرات قانون لبت عشتار مخصوصة بالسرقة، أما قانون مملكة أشنونا والتي يعود تاريخها إلى بداية العصر البابلي القديم فقد ميَّز بين السرقة التي تحدث في النهار أو في الليل فالمواد القانونية الخاصة بذلك تشير إلى أن السرقة إذا حدثت في أثناء النهار فالسارق يدفع تعويضاً أما إذا قبض على السارق وهو متلبس بالسرقة ليلاً فيحكم عليه بالموت.

 

وفي قوانين حمورابي الموت هو عقوبة سارق أموال القصر (الدولة) أو المعبد أما إذا وقعت السرقة على أموال منقولة للمعبد أو القصر خارج حرم المعبد أو القصر فعلى السارق أن يدفع غرامة تعادل ثلاثين ضعفاً من قيمة المسروقات، وإذا لم يكن لدى السارق المال الكافي لدفع الغرامة فإن عقوبته الإعدام، وإعتمد الملوك الآشوريون على أحكام القوانين العراقية السابقة لعصرهم وفي مقدمتها قانون حمورابي، ولم يصدروا قوانين جديدة خاصة بهم.

 

ووصلت إلينا بعض نصوص قانونية من الفترة الآشورية الوسيطة تتعلق بعقوبة المرأة السارقة – متزوجة كانت أم غير متزوجة – المتهمة بسرقة حاجة من المعبد وقبض عليها متلبسة بجريمتها فعقوبتها إسترجاع ما سرقته، ويقام الإتهام ضدها ويستعلم رأي الإله في تحديد العقوبة، أي إلى كهنة المعبد الذي سرقت منه، ولا يمكن معرفة العقوبة التي يفرضها الكهنة إذا ما قورنت مع ما جاء في قوانين حمورابي فإن العقوبة صارمة جداً وتشير موارد قانونية أخرى إلى أن عقوبة جرائم السرقة قد تباينت بين الإعدام إلى الغرامات المادية وحتى التشويه الجسدي.

 

لقد حاولت في هذه المقدمة أن أوضح أبرز السمات الخاصة بجرائم السرقة في القوانين العراقية القديمة قبل أن أتناول قوانين الحضر التي تعتبر إستكمالاً للتفكير الذي ألفه الناس وخضع له العرف وإلتزمت به التقاليد وواكبته مسيرة المجتمع وعرفه السلوك الإجتماعي.

 

 

فعلى لوح من حجر حلان طوله 98 سم وعرضه 50 سم نقشت كتابة تتألف من 12 سطراً (شكل 1)، وكان قد عثر على اللوح على عمق 1,20 م تحت أرضية الإيوان الجنوبي من معبد العجول الذي يؤلف الوحدة الثالثة من الأواوين المتسقة ويبعد عن عتبة فتحة الإيوان بحوالي 1,5. من المحتمل أن اللوح لا يتعلق بالبناية التي عثر عليها فيها، كما أعتقد سابقاً وإنما للبناية المجاورة لها من جهة الجنوب والتي كانت مخصصة لعبادة الإله برمرين، إستناداً إلى دلائلكتابية أخرى، وقد تم دفنه بعد الإنتهاء من تشييد آخر مراحله البنائية، وربما يكون هذا اللوح موضوعاً في محل بارز لكي يقرأ جميع الذين يترددون أو يمرون بالقرب من المعبد الذي يجري تشييده والمخصص أصلاً لعبادة برمرين أحد آلهة التثليث الحضرية، وعلى أحد أوجه اللوح الطويلة حفرت الكتابة التالية:

 

1- ب ج ن م ر ن و م ر ت ن

 

2- و ب ر م ر ي ن ع ل م ن دي

 

3- ل ن س ب م ش ك ن ا ا ن

 

4- ح ط م ا ا و م ر ا

 

5- و ن ر ج ا ن ك س ي ر (د)

 

6- و ج ب ل ي ت ا و م ك ل ا

 

7- و ح ص ن ا م ن ع ب د ا

 

8- د ي ب ر م ر ي ن و م ن د ي

 

9- ل ن س ب ح د م ن ج ر ب ا

 

10- هـ ل ي ن م ن (ع ب د ا) دي ب ر م ر ي ن

 

11- ح وي ح ل م ا دي

 

12- ا ر ج م ي ت م ر ج ي م

 

الترجمة

 

1- لعنة الآلهة مرن (سيدنا) ومرتين (سيدتنا).

 

2- وبرمرين (إبن سينا أو ساداتنا) على كل من

 

3- يأخذ (يسرق) خيمة أو

 

4- مظلة (سقيفة) أو مَراً

 

5- وفأساً ومعولاً

 

6- وطشتاً ومخلاً (هيماً)

 

7- وفأسة (صغيرة) من العمل الخاص (من معبد)

 

8- العائد لبرمرين وعلى كل من

 

9- يأخذ (يسرق) واحدة من قرب (الماء)

 

10- هذه من (العمل الخاص) العائد لبرمرين.

 

11- لقد بيّن (أظهر) الحلم أن الذي

 

12- لعنته سوف يُرجم

 

لهذه الكتابة أهمية بالغة فإنها تلقي ضوءاً على الأحكام القانونية بحق من يقوم بسرقة الأموال المنقولة العائدة لمعبد الإله وهي تتطابق مع المادة السادسة من قانون حمورابي لأنها تتضمن تدنيساً أو إنتهاكاً لقدسية المعبد والتي تكون عقوبتها الإعدام. إلا أن صيغة محتوى هذه الكتابة تبدو وكأنها تفصل بين نوعين من السرقة والعقوبة المترتبة عليها فإن سرقة خيمة العمل أو المظلة التي يستظل تحتها عمال البناء العاملين في معبد برمرين أو أدوات العمل الأخرى التي تتضمن المر (المجرفة) والفأس والمعول والطشت والمخل والفأسة الصغيرة فستنزل العقوبة على مرتكبيها وهي اللعنة المسلطة من الآلهة وهي مشابهة للعقوبة التي وردت في القوانين الآشورية الوسيطة بشأن إستعلام رأي الآلهة في تحديدها والتي ربما تكون جسيمة حتى الموت، أما العقوبة الأخرى التي تفرضها أحكام هذه الكتابة فهي الرجم لأي شخص يسرق أو يأخذ إحدى قِرَب الماء العائدة لمعبد برمرين وهذا النص يتفق مع ما ورد في مخطوطة S. Nau لكتاب “شرائع البلدان” الذي ينسب إلى برديصان الراهب السرياني والتي جاء فيها أن القانون في الحضر ينص على أن “كل من يسرق وعاءً صغيراً، ولو للماء، يستحق الرجم” وقد صححت بعض فقرات المخطوط وسنأتي على ذكرها لاحقاً.

 

وعثر في الباب الشمالي من السور الرئيس للمدينة وعلى الجدار الذي يواجه الشخص الداخل للمدينة في باحة المدخل الأول على كوة مبنية من الحجر ومغطاة بطبقة سميكة من الملاط وفي داخلها وضعت لوحة مهمة تتألف من جزءين، على القسم العلوي منها نقش لنسر باسط الجناحين بالنحب البارز، أما في القسم السفلي فقد حفرت كتابة بقي منها أحد عشر سطراً وطرأ تلف على أسطرها الأربعة الأخيرة (شكل 2)، وإكتشفت نسخة أخرى من هذه اللوحة في الباب الشرقي وبوضعية مشابهة وهي بحالة جيدة (شكل 3) حيث وصلتنا أسطرها كاملة، ووضعت هاتان اللوحتان في مداخل الأبواب الرئيسة لغرض تنبيه الشخص الداخل للمدينة بفحوى الأحكام القانونية التي تتضمنها الكتابة وهي بذلك لا تختلف عن أخواتها من مدن العراق القديم مثل بابل ونينوى وغيرها في هذا المضمار حيث جرت العادة على إطلاع الشخص الداخل للمدينة على قوانين المدينة بوضعها في أبوابها الرئيسة، وفي أدناه قراءة وترجمة النص.

 

1- ب ي ر ح ك ن و ن د ع *100*20*20*20*1*1*1

 

2- ب م ل ك ا دي ا ل هـ ا ا ص ط ب و

 

3- ش م ش ب ر ك ر ب ي ت ا ب ح ط ر ي ا

 

4- ق ش ي ش ا و د ر د ق ا وع ر ب ي ا

 

5- ك ل هـ و ن و ك و ل دي ع ل و ن ق و ق

 

6- ل ح ط ر ا و ك و ل دي ع م ر ب ح ط را

 

7- و هـ ك و ن ف س ق و دي ك و ل د ل ج ن وب

 

8- ل ج و م ن م ل ا هـ د و ن و ل ج و م ن

 

9- ب ش و ر ا ب ر ي ا ا ي ن ج ب ر ا

 

10- ح د ج و ي ا ل ق ط و ل ب م و ت ا د ي

 

11- ا ل هـ ا و ا ي ن ج ب ر ا هـ و ب ر ي ا

 

12- ل ر ج ي م

 

الترجمة

 

1- بشهر كانون من (سنة) 363 (151/152 ميلادي)

 

2- بمشيئة الآلهة أختير (إنتخب)

 

3- شمشبرك سادناً للحضريين (أو بين الحضريين)

 

4- شيباً وشباناً وللعرب

 

5- كلهم ولكل من مرَّ

 

6- بالحضر ولكل من سكن (إستوطن) بالحضر

 

7- ومن أجل ذلك قرروا أن كل من يسرق

 

8- من داخل هذه المخازن ومن داخل (المخازن)

 

9- في السور الخارجي، إن كان رجلاً

 

10- واحداً من المجتمع الحضري (الداخلي)، فإنه سيقتل بالوت الذي

 

11- يسلطه الإله وإن كان الرجل هو أجنبي (خارجاً عن الحضر أو غريباً)

 

12- فسيرجم

 

يحمل هذا النص القانوني تحذيراً إلى جميع سكان المدينة وإلى القبائل العربية التي أتخذت من الحضر مركزاً لها وإلى قاصديها وزائريها إلى الجاليات التي إستوطنتها بأن إختيار شمشبرك للقيام بمهام السدانة فيها والإشراف على إدارتها وتطبيق قوانينها على المخالفين إنما جاء بتفويض من الإله “بملكا دي ألها” “بمشيئة الإله وملكوته” وهذه صفة مشابهة تتطابق مع قوانين العراق حيث وكما مرّ بنا بأن مُشرعي تلك القوانين أمثال أورنسمو وحمورابي ذكر بأنها وضعت إستجابة لنداء الآلهة في نشر العدل بين الناس، وتتطابق أحكام هذا النص القانوني مع ما ورد في المادة السادسة من قانون حمورابي بشأن السرقة من القصر أي من بيت الملك، بمعنى أنها ممتلكات الدولة، ويتوافق مع السرقة في مخازن المدينة وخاصة تلك التي في السور الرئيس الذي يضم العديد من الأبراج الحاوية على غرف إستعملت لخزن العتاد والمواد العسكرية الأخرى والذخيرة التي يتطلبها الدفاع عن المدينة، وتتفق العقوبة المفروضة على

 

العربي والحضري المتهمين بالسرقة من مخازن المدينة وهي “الموت الذي يسلطه الإله مع ما ورد في النص السابق، وكذلك مع القوانين الآشورية الوسيطة، وجاءت نفس العبارة ضمن نصر آخر محفور على لوح كبير عثر على بالقرب من كوة هرقل في باحة مدخل الباب الشمالي، لم نستطع قراءتها كاملة بشكل جيد بسبب النقص الذي أصابها نتيجة تعرضها لضربات البناء أثناء إعادة إستعمال اللوح حجرة بناء، ولا بدّ أن تلك الكتابة تتعلق بأحكام قانونية مشابهة لأنها تشير إلى ملك الحضر “سنطروق” وإلى العقوبة المسلطة وعلى لوح مشابه (شكل 4) إكتشف في باحة مدخل الباب الشرقي ضمن الجزء الأيمن من كوة النسر، حفرت كتابة مهمة تلقي أضواءً جديدة على الأحكام القانونية وتضيف إلى ما ورد في الكتابات السابقة معلومات في غاية الأهمية، وفيما يلي قراءة الكتابة وترجمتها.

 

1- ب م ل ت ش م ش ح دي ي (ت)

 

2- و ح ف ي ز ي ق ش ش و ح ط (ر ي ا)

 

3- ك ل هـ و ن هـ ك ي ن ف س ق و

 

4- ش ل هـ ي ا ن ش د ل ز ب ي ن ل ك ف(ا)

 

5- و ل ك ص ر ا و ل ج ص ا م ن ح د

 

6- ع ج ل ا د ي ب ي ت ا ل هـ ا

 

7- م ن ط ل ت د ي ن س ي ب و ا ج ر

 

8- ب ر ي هـ و ن م ن ب ي ت ا ل هـ ا

 

9- و ا ي ن ل ز ب ي م ن هـ و ن ك ف ا

 

10- ا و ج ص ر ا ا و ج ص ا

 

11- ا و ج ص ا ا ل ج ر م ن هـ و ن

 

12- ع ج ل ت ا ل م و ت م و ت ا

 

13-( د ي ) ا ل هـ 1

 

الترجمة

 

1- بأمر شمشحديث

 

2- وحفيزو الشيخ والحضريين

 

3- كلهم، وهكذا قرروا

 

4- أي شخص فقير(؟) يسرق (يحمل خلسة) حجراً

 

5- وتبناً وجصاً (و) إحدى (أي واحدة من)

 

6- عربات (البناء) العائدة إلى بيت الإله (المعبد)

 

7- على أساس أنها أخذت (سرقت) لقاء مكافأة (أو أجر)

 

8- من خارج بيت الإله (المعبد)

 

9- وإذا باع من هنا حجراً

 

10- أو تبناً أو جصاً

 

11- أو جصاً لقاء مكافأة (أو أجر)

 

12- حالاً سيموت (با)لموت

 

13- (الذي يسلطه) الإله

 

إن الأحكام القانونية التي تتضمنها هذه الكتابة وهي سرقة أموال منقولة وعلى الأخص مواد البناء من المعبد الرئيس في المدينة إما لغرض إستعمالها أو بيعها فإن عقوبتها ستكون الموت الذي يفرضه الإله وهي تتفق أيضاً مع ما جاء في المادة السادسة من قانون حمورابي المشار إليها سابقاً.

 

نستخلص من هذا الإستعراض أن المواد القانونية المتعلقة بالسرقة قد بقيت في إطارها العام وتفاصيلها مستمدة من القوانين العراقية الأقدم عهداً وهو ما ألفه المجتمع الحضري وإلتزم به حكامها وإداريّوها لأنها قد كلفت لأبنائها وأهلها ومستوطنيها حياة آمنة مزدهرة، لقد ورد ذلك هذه القوانين وصرامتها عند الكاتب والمؤلف السرياني الراهب “برديصان” الذي ولد في الرها (أديسا) الذي ينسبه بعض الباحثين إلى تلميذه فيليب والذي ربما كتبه خلال الأعوام 196 – 229 ميلادي، ويعتقد بعض الباحثين، إستناداً إلى المصادر الكتابية، بأن “برديصان” كان شاعراً وفيلسوفاً وإهتم بالفلك والنجوع وأوضح في مؤلفاته تأثيرها في أجسام البشر لا على أرواحهم، ومما يذكر عن أعمال “برديصان” بأنه “ألف 150 فصلاً وشخّص سبعة كواكب وتكهن بساعة ولادة الأفلاك وترك إرثاً لتلاميذه” ولكن لم يبق منها سوى كتابه الآنف الذكر.

 

وتطرق “برديصان” في حديثه عن القوانين التي كانت سائدة في تلك الفترة إلى القانون في الحضر وقال “فرض قانون في الحضر أن كل من يسرق شيئاً صغيراً ولو كان زهيد الثمن، يستحق الرجم” وورد في نسخة أخرى للمؤلف نفسه “أن كل من يسرق وعاءً صغيراً، ولو للماء، يستحق الرجم” ويتضح لنا من خلال دراسة النصوص الحضرية السالفة الذكر أن هذه الإشارات وإن بدت متباينة فإنها قد وردت فعلاً في الكتابات، فالكتابة المرقمة (281) إلى الأحكام القانونية بشأن سرقة مولد البناء من جص وحجر وتبن بينما لم تتحدد نوعية الأموال المنقولة في الكتابتين (336 – 343) وإنما جاءت عقوبة السرقة المطلقة، ويبدو أن هذه الإشارات الواردة في “شرائع البلدان” قد تأثر بها بوسيبوس Eusebius الذي كتب بالإغريقية في مؤلفه Praeparation Evangelica حيث يشير “في الحضر، سارق قطعة نقد صغيرة (أبول) سوف يرجم”، ولكن ترد إشارة عابرة صغيرة في “برديصان” تبدو متناقضة مع ما ورد سابقاً بشأن

 

عقوبة السرقة في الحضر حيث يقول “ولا الذين في الحضر يرجمون السّراق” ولكن لم يردنا تفسير في “برديصان” بشأن أسباب التناقض ولم تردنا أية دلائل كتابية أخرى تؤكد تطبيقه في الحضر.

 

لقد وصلتنا كتابة عثر عليها في أحد المعابد الصغيرة الذي كان مكرماً لعبادة الإله هرقل – حبذا – إله الحظ إشارة قصيرة إلى عرف إجتماعي له مدلولات دينية بشأن إستعمال الغرف والأواوين التي كانت تحيط بخلوة ومصلى ذلك المعبد (شكل 5)، فقد ذكرت الكتابة بأن “… على السيد نزيل الأواوين والغرف أن يرحمها …” إذا ما تعرضت للتصدع لقاء إستعماله لإحداها ويبدو أن الأعراف الدينية كانت تسمح بإستعمال ملحقات المعبد دون أن يدفع النزيل أي مقابل ولكن شرط المحافظة عليها أصبح لزاماً عليه.

 

ومهما يكن من أمر فإن النصوص القانونية المكتوبة التي عثر عليها في التنقيبات في المدينة تشير إلى التواصل الحضاري لمجتمع وادي الرافدين منذ أقدم العصور وتؤكد في الوقت نفسه أن جسور الرافدين منذ أقدم العصور وتؤكد في الوقت نفسه أن جسور النقل الحضاري كانت قائمة وأن الإشارة في “برديصان” عن قانون السرقة في الحضر تعتبر من أوثق ما وصلنا لأنها تشير إلى قضايا معاصرة أكدتها الدلائل الآثارية أيضاً.

 

 

(د. واثق إسماعيل الصالحي – كلية الآداب – جامعة بغداد عن مجلة المؤرخ العربي، تصدر عن الأمانة العامة لإتحاد المؤرخين العرب، العدد 34، السنة الثالثة عشرة 1988م)

السابق
السيد السيستاني يدعو للحوار …ولكن ليس للقبول بالأمر الواقع!
التالي
دعوة الى استجواب حسن الراشد بعد بيعِهِ الاتصالات لـبارزاني

اترك تعليقاً