فكر ديني

غاية الله في خلقه (1): هل خُلق الإنسان سدىً؟

باسمه تعالى

” أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ ”

– من الحقائق التي عرض لها القرآن الكريم هي أن الإنسان لم يخلق سدى لا هدف ولا غاية له، والغاية والهدف من خلق الإنسان هو لقاء الله والرجوع إليه. ولكن السؤال الأساسي كيف يمكن للإنسان أن يحقق هذا الهدف وهذه الغاية، وما هو الطريق الموصل اليها.

– إذا كان الهدف هو السير نحو الله سبحانه وتعالى، من أجل التماس قيم الحق والكمال، والتي هي قيم فطر الله الإنسان عليها، كان لا بد له من اجتياز عالم الدنيا ,عالم البلاء والامتحان، فالإنسان لا يستطيع من دون العبور والمرور في هذه النشأة أن يحقق شيئاً من تلك الصفات، لذا كان عالم الدنيا عالم المكابدة وعالم السير والكدح نحو الله، عالم الاختبار, عالم تزكية النفس وتطهيرها من أجل استكمال كل الاستعدادات للوصول إلى تلك الكمالات، ولو كان الإنسان قادراً ويستطيع الوصول إلى تلك الكمالات دون العبور والمرور في عالم الدنيا، لكان أولى على الله أن ينزه أنبياءه ورسله وأولياءه عن اجتياز هذه الدنيا، وذلك بمقتضى عدله وحكمته ورأفته، ولكن هذا الاختبار لا ينجو ولا يستثنى منه أحد، حتى الأنبياء لا بد وأن يسلكوا هذا الطريق للوصول إلى كمالاتهم، مع فارق كبير بين الأنبياء وسائر الناس أن الأنبياء كمالهم يتعلق بانجاز التوحيد في نفوسهم وفي نفوس الاخرين ولا نقص في نفوسهم غاية الامر ينتقلون ويتدرجون من كمال إلى كمال فوقه، بينما الناس العاديون ينتقلون من نقص إلى كمال، هذا رسول الله الذي أعطي علوم الأولين والآخرين كان يقول ” وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا “.

إذا كان الإنسان مخلوقاً لهدف وهو بلوغ الكمالات، كيف يستطيع الوصول إلى تلك الكمالات، هل يحتاج إلى من يهديه ويبين له الطريق . أم أن الله بما أودعه من غرائز ومعارف فطرية كفيلة لوحدها ومن دون الرجوع إلى عامل خارجي في معرفة الطريق والسير على هداها، إذ إن الله قد جهز الإنسان بأهم النعم الإلهية وهي نعمة العقل، أليس العقل أداة ووسيلة كافية في اكتشاف الطريق أم أن العقل قاصر لان هناك عوامل وأسباب تحول دون وصول العقل واكتشافه لذاك الطريق، فكان لا بد من أن يزوده الله بتلك المعارف والطرق لبلوغ الغاية التي خلق من أجلها وهي الرجوع إلى الحق.

ولكي يتضح لنا الامر لا بد لنا من التعرف على العوامل التي تؤثر في سير الوجود وفي بنائه.

لذلك لا بد من الوقوف على مسألة مهمة جدا، من أجل التعرف على هذه العوامل  في حياتنا ومسيرتنا اليومية، وهي الهداية التي أشار إليها القرآن الكريم ” رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى “، الهداية التي على ضوئها يهتدي الوجود الى غاياته العليا . هذا ما يعبر عنه بالهداية التكوينية العامة أي أن الله سبحانه وتعالى خلق الموجودات وأودع فيها من الأجهزة والغرائز ما يخولها بلوغ الغايات التي خلقت لها، لأن كل مخلوق له غاية من خلقه لا بد من بلوغها، وتختلف هذه الغرائز والامكانات الموجودة في كل حي بحسب طبيعة الحي، فالموجودات بحسب طبيعة خلقها وتركيبها مؤهلة من تلقاء نفسها لبلوغ تلك الغايات ولا تحتاج إلى عوامل خارجية تساعدها في بلوغ مبتغاها، ولكنها احيانا لعوامل خارجية تؤثر عليها فتحتاج في مقابل هذه الهداية العامة إلى هداية خاصة تعينها وتوجهها باستمرار لبلوغ غاياتها، فالأشجار تثمر من تلقاء نفسها لان الله قد اهلها لذلك ووفر الشروط لذلك, ولكن حتى تثمر بشكل افضل واكمل تحتاج إلى من يتعهدها حراسة وسقاية وعناية حتى تصل إلى تلك المرتبة من الكمال والعطاء . والإنسان كموجود من موجودات الله سبحانه وتعالى خاضع ومشمول للهداية التكوينية العامة، بما أودع الله فيه من أجهزة وغرائز تسوقه نحو الخير والكمال، ووهبه عقلاً من أجل أن يرشده إلى معالم الخير والصلاح، وقد أشار القرآن إلى وجود تلك الأمور والمعارف بفطرة الإنسان، ” فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ “.

(الشيخ محمد ضيا)

السابق
جريدة الاخبار اللبنانية :العبادي لولاية ثانية وهذه مسودة برنامجه
التالي
غاية الله في خلقه (2): معرفة الله وتوق الانسان للكمال

اترك تعليقاً