فكر ديني

غاية الله في خلقه (2): معرفة الله وتوق الانسان للكمال

إذن الميل نحو معرفة الله والعوالم الغيبية، لها جذور في عمق وجود الإنسان فهو منذ نشأته الأولى حتى موته، مدفوعاً دائماً بحب الاطلاع عليها، ومعرفتها، فهذه الهداية العامة أيضاً موجودة في الإنسان، وهي بلوغ غايته المخلوق من أجلها وهي السير نحو الله، فحب الكمال والاتجاه نحو تحقيقه أمر فطري يولد مع الإنسان، فهو على سبيل المثال يدرك تماماً أن العلم كمال وأنه من الأمور المعشوقة لديه، كما يدرك أن الجهل نقص وأنه من الأمور المبغوضة لديه، لذا نجده يعشق كل كمال وينفر من كل نقص، وهذا بحسب فطرته وطبيعته، وما عشقه لله سبحانه وتعالى إلا لأنه الكمال المطلق الذي لا يضاهيه كمال على الإطلاق.

إذا كانت الهداية الخاصة ضرورية في الموجودات الطبيعية من أجل أن تحقق غايتها الاكمل وتصب في مجراها الصحيح، فإن الهداية الخاصة بالنسبة إلى الإنسان اكثر ضرورة من أي موجود آخر، لأن الإنسان وبسهولة كائن يملك شعورا ووعيا يخوله الاختيار في افعاله , ولديه رغبات وشهوات مضادة لفطرته الصافية تسعى بالإنسان من خلال ما تسوس له في نفسه إلى تصوير أهمية هذه الرغبات والشهوات واهمية الحصول عليها, وتوفير كل السبل من اجل نيلها، ولو على حساب قيم الخير والجمال. تصل به حد الانغماس والتيه في عالمها بحيث تصبح عالمه الوحيد الذي يحياه ، إن الانغماس في الملذات تسقط من حساب الإنسان أن هناك أمورا روحية ومعنوية ترتبط بجانبه الباطني، ولا يعود ملتفتا إليها بالمطلق، ويصبح همه الوحيد اشباع هذه الرغبات كيفما كان وهذا عادة ما يؤدي إلى الانحراف في الإنسان عن مساره الطبيعي، وعن وظيفته المخلوق لها وهي ترقية هذه النفس من أجل الحفاظ على القيم الجميلة والحميدة التي تليق بالكائن البشري وترفع من شأنه، بدل أن يبقى في الدرك الأسفل كالأنعام همه علفه مندكا ومستغرقا في تلك المرتبة في أسفل السافلين، بدل أن يرتفع إلى مرتبة العليين.

إذن نلاحظ أن الهداية الخاصة التي يحتاجها الإنسان تختلف عن الهداية الخاصة لأي موجود آخر، فالهداية الخاصة التي ترتبط بالجوانب الطبيعية للكائنات تتعلق بالعوامل الطبيعية التي توفر الشروط السليمة لنمو الكائن نمواً طبيعياً، أي الجوانب التي تساهم في توفير شروط حياة أصلح، وهذا يختلف عن الهداية التي يحتاجها الإنسان، فالإنسان لاتقتصر هدايته على الجوانب الطبيعية فقط في حياته لانه  مخلوق ذو بعدين، بعد روحي، وبعد مادي.

الهداية التكوينية التي ترتبط بالبعد المادي والطبيعي للانسان وتسعى الى توفير شروط لحياة أصلح ومحاولة الرقي في هذا الجانب لمادي، وهذ الناحية هي وظيفة العقل.

فالعقل بما لديه من قدرة على إدراك واختبار هذا الوجود المادي والذي يرتبط بوظيفته ، استطاع العقل البشري أن يقطع أشواطاً في هذا الجانب، وأن يكتشف الكثير من الأسرار، وهذه وظيفة من وظائف الانسان في تحقيق الاستخلاف، انه الجانب الذي يتعلق بعمارة الأرض وهذه وظيفة العقل البشري،

وهنك جانب اخر في تحقيق الاستخلاف يرتبط بالبعد الروحي وإنجاز التوحيد وما يترتب عليه من آثار في الجوانب الاجتماعية وهذا أمره محصوراً بالأنبياء وهو مايسمى بالهداية التشريعية، هذه الهداية هي من مختصات الأنبياء، وبما أن الإنسان تتجاذبه عوالم متعددة لا تبقي هذه الغرائز بمنأى عن التشويه،كان الأنبياء هم الذين يعيدون للفطرة صفاءها الأول ويطهرونها مما اعتراها من تدنيس وتشويه، وحينها تصبح مؤهلة ومستعدة من جديد لكي تؤدي وظيفتها التي خلقت لها وهي بلوغ كمالها الخاص.

ثم انه لو سلمنا أن البعض قد استطاع أن يحافظ على صفاء فطرته ونقاء عقله بعيداً عن التشويه وتدنيسه بالمعاصي، ولم يصبه أي انحراف، إلا أن عالم الغيب ليس من وظيفة العقل الاطلاع عليه وإدراكه، ولا يقع تحت نطاقه، ولم يخلق العقل ليبلغ تلك العوالم باعتبار أن عالم الغيب من طبيعة ونشأة والعقل من طبيعة ونشأة مغايرة لتلك العوالم، ولا بد أن يكون هناك اتحاد بين طبيعة الأشياء التي تريد أن تدركها وبين الوسيلة المستخدمة في فهم وإدراك تلك الأشياء، والعقل لا قدرة له على إدراك تلك العوالم، لأن العقل في حدود وظيفته وهو تفسير العالم المادي عاجز عن إدراك جميع الحقائق، فكيف بالعوالم التي لا صلة له بها، فإنه لن يستطيع أن يخطو خطوة واحدة على الاطلاق.

والإنسان لا يخلو من إثارة الكثير من الأسئلة والتساؤلات التي ترتبط بعالم ما وراء الطبيعة، ولكنه بقي عاجزاً عن ايجاد الأجوبة المناسبة وبقي عاجزاً عن معرفة شيء عنها، من هنا كان تطلعه دائماً نحو السماء لكي ترفده وتزوده بالأسرار والقوانين والأحكام التي تتلاءم وذاك العالم العلوي، فأمد الله الإنسان بالأنبياء من أجل أن يبثوا أسرار العلوم والمعارف الغيبية، سواء ما يرتبط منها بالله أو ما يرتبط بالآخرة وأوصافها، أو ما يرتبط بعالم البرزخ والقيامة وما إلى ذلك،

اوما يرتبط بعالم الشهود لبناء افضل حياة اجتماعية  للكائن البشري ,من خلال التشريعات التي تصب في خدمته وصالحه, ، لأن المصالح والمفاسد لا يعرفها إلا الله سبحانه وتعالى. وإلى هذا أشار القرآن الكريم ” كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ “. إذن وظيفة الأنبياء قيادة المجتمع نحو التوحيد، وتجسيد مفهوم التوحيد في المجتمعات التي أرسلوا من أجل هدايتها، وليس التوحيد تصورا ذهنيا باردا , التوحيد نمط من الحياة يتجلى في الحياة البشرية رحمة وعدالة ومحبة وخيرا لجميع البشر, ويكون وذلك من خلال سلوك  الصراط المستقيم، نحن نقول ” اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ “، هذا الصراط المستقيم معرفته والسير على هديه، لا يكون إلا باتباع الأنبياء، والأخذ عنهم بكل ما جاء، لأنه وحده الطريق الذي يتكامل به الإنسان التكامل المطلوب والتكامل الصحيح، وهو الذي يوصل إلى مقام القرب من ساحة الحق وجنباته تعالى علواً كبيراً. لذا ورد في الحديث عن رسول الله “أيها الناس ما من شيء يقربكم من الجنة ويباعدكم عن النار إلا وقد أمرتكم به، وما من شيء يقربكم من النار ويباعدكم عن الجنة إلا وقد نهيتكم عنه”. إذن الصراط المستقيم معرفته محصورة في الأنبياء وفي تعاليمهم، وفي الطرق والسبل الذي بينوها واشاروا إليها، وما عداها من الطرق هي سراب بسراب لا تنفع سالكها في شيء، بل أحياناً أو غالباً ما تؤدي نتيجة معاكسة تماماً، وهذا ما أشار إليه الحديث الشريف عن مولانا الصادق “ع” “العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا يزيده سرعة المشي إلا بعداً”.

(الشيخ محمد ضيا)

السابق
غاية الله في خلقه (1): هل خُلق الإنسان سدىً؟
التالي
غاية الله في خلقه (3): هداية الإنسان للصراط المستقيم

اترك تعليقاً