فكر ديني

غاية الله في خلقه (3): هداية الإنسان للصراط المستقيم

ان معرفة الصراط المستقيم هو السبيل إلى تحقيق الغاية المخلوق من أجلها الإنسان ثم السير والسلوك على هدي هذه الطريق، فكانت المعرفة اساس التوحيد والعبادة , ولكنا نرى كثيراً من الناس حينما يطلبون العلم ويجدون في تحصيله ويكتسبونه، يتحول علمهم إلى آفة عقيمة في نفوسهم، فبدل أن يكون العلم سبباً للوصول إلى الله وإلى قيم السماء نجده سببا للبعد فينحدر بالإنسان نحو قيم الأرض البالية، وما ذلك إلا لأن هذا العلم يبقى صورة هشة هامدة جامدة، ويتلقاه القلب دون أن يتأثر به ودون ان يتحول إلى نبض وحياة يحياه الإنسان في كل لحظة وفي كل آن، وهذا ما أشار إليه مولانا الإمام الصادق حينما سأله أحدهم أن يعلمه وبعد الحاح من السائل قال له الإمام، اعلم يا هذا أن العلم ليس بكثرة التعلم إنما العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء، إذن العلم نور وتوفيق إلهي بالدرجة الأولى، إنها هبة من الله لمن يجده أهلاً لذلك، بما أوتي من قابليات إيمانية أصبح من خلالها مورداً ومحلاً لأن يعطيه الله ويفيض عليه بالمعارف والعلوم والمواهب الربانية، وليس هذا معناه كما يفهم الكثيرون أن العلم لا يحتاج إلى بذل جهد ومشقة من أجل نيله، إنما المقصود أن العلم إذا لم يتحول إلى أنوار للهداية إذا لم يتحول إلى حياة في كل لحظة تتدفق من قلب من تعلم فلا يكون لهذا العلم أي قيمة, وإلى هذا أشار رسول الله قليل من التوفيق خير من كثير من العلم. ويروى أن المسلمين الأوائل كانوا يحفظون عشرة آيات من القرآن لا يحفظون غيرها، حتى تتحول إلى جزء من شخصيتهم وحياتهم اليومية، من خلال ممارسة وسلوك لا زالت حتى الآن تدهش الكثيرين ممن قرأ سيرة المسلمين الأوائل.

اذن الكل يعرف أن الأشياء بحسب ما يترتب عليها من آثار تكون مفيدة وصالحة وتؤتي ثمارها. فالصلاة التي نؤثر اثرها هي الصلاة التي يترتب عليها مقصدها وغايتها وهي المعراجية إلى الله، فإن لم تكن كذلك تبقى الصلاة مجرد صورة، والعلم كذلك إذ لم يتحول إلى نور يسري في كل كيان الكائن البشري يبقى صورة لا أثر لها. وعليه لا بد من الإشارة إلى مسألة مهمة جداً تتعلق بالقلب وكيفية تلقيه للعلوم والمعارف، تارة يتعاطى القلب مع المعارف والعلوم على أساس أنه وعاء ومستودع وظيفته تخزين هذه المعلومات دون أن يتفاعل معها التفاعل المطلوب، وهنا لا يكون للعلم أثر على الاطلاق، وتارة يتعاطى مع المعلومات ويتلقاها على أساس الانصهار والتفاعل مع هذه المعلومات، هنا العلم يتحول إلى حياة ينبض بها قلب الإنسان الذي يتلقاه، هنا يستحيل العلم انوارا تشع بها الذوات والانفس، وتتألق بها القلوب، ويخشع لها هيكل الإنسان، ولا يقتصر اشعاع تلك الأنوار على النفوس، بل يصل اشعاعها إلى من حوله، بل تحيط بكل ما حول الإنسان، ويصل مداها إلى الجميع، هذا هو مراده العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء، فهناك ارتباط بين العلم والنور أي لا يكون نور بلا علم، هذا العلم المؤثر هو الذي يتحول إلى خشية من الله، ” إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ “. فالعلم سبباً ومصدراً رئيسياً للخشية من الله سبحانه وتعالى، لأن الإنسان يحدد موقعه من الشيء وتتوثق روابط العلاقة بهذا الشيء، بقدر الإلمام بطبيعة هذا الشيء، فكلما كان الإنسان أكثر الماماً ومعرفة بالله كان أكثر خشوعاً أمامه، لما يدرك من عظمة وقدرة تؤدي به الى خشيته سبحانه وتعالى. لذا نجد هناك علاقة جدلية بين الخشية والمعرفة، فالعلم مصدر الخشية من الله سبحانه وتعالى، وتنحصر خشية أهل العلم بالله دون غيره، ” الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً “.

فالله مصدر الفيض والله مصدر النور، والله مصدر الإلهام والعطاء ” وَمَن لَّمْ يَجْعَلً اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مًن نُّور ” وطبيعي أن يكون الله منشأ كل شيء فهو السبب الرئيسي لوجود هذه النعم الإلهية، وهو المحيط بكل هذه النعم وبكل أسبابها ” والله بكل شيء محيط “. وفي القرآن بصائر ومعارف, لا يسعها هذا الضيق . (تم)

(الشيخ محمد ضيا)

السابق
غاية الله في خلقه (2): معرفة الله وتوق الانسان للكمال
التالي
الفايننشال تايمز: حلم الدولة الكردية تهشم بمقامرة من بارزاني

اترك تعليقاً