اخترنا لكم

غياب المايسترو الإيراني ينعكس تخبطا في الكورال العراقي

لعل عدنان الزرفي المكلف بتشكيل الوزارة العراقية أكثر المستفيدين من حالة الهلع والتوجس التي تعيشها دول العالم بخاصة تلك المعنية بالشأن العراقي، جراء تفشي فيروس كورونا وبعد التوافق على وصفه بأنه “جائحة” على المستوى العالمي. ولعله يردد في سره بيت أبي الطيب المتنبي الذي يقول فيه: “بِذا قَضَتِ الأيامُ ما بينَ أهلِها… مصائبُ قومٍ عندَ قومٍ فوائدُ”.

فالجميع ممَن يعنيهم ما يجري على الساحة العراقية من جدل وجدال حول تشكيل الحكومة الجديدة وآلية التكليف التي سمحت لرئيس الجمهورية برهم صالح بايصال الزرفي إلى موقع التكليف، مشغولون بكيفية التصدي لموجة الوباء المجهول العلاج حتى الساعة وسبل مكافحته ومنع انتشاره، ليس فقط من أجل الحد من النزيف البشري، بل أيضاً من أجل تحديد خسائرهم السلطوية بعد انكشاف المؤسسات والدول التي يقودونها أمام هذه التحدي وما يمكن أن يحمله من تحديات سياسية واقتصادية لهم في بلدانهم.

وبدأت عدوى الانشغال بانتشار الوباء المستجد ترخي بظلالها أيضاً على الحراك السياسي العراقي، خصوصاً لدى الأطراف الرافضة أو المنزعجة من قرار الرئيس صالح، تكليف الزرفي.
 فبعدما سعت هذه الأطراف إلى تكثيف اجتماعاتها لتنسيق موقفها من هذا التكليف وتداعياته على العملية السياسية، بخاصة في ما يتعلق بالمكون الشيعي، عادت وتأثرت بأجواء حالة الطوارئ الصحية ومنع التجول الذي فرضته الحكومة المستقيلة، فتراجع الحديث عن اجتماعات بين قيادات الأحزاب والقوى الشيعية المعترضة على الزرفي، بعدما تحولت هذه اللقاءات إلى محطة للانتقاد الشعبي، بخاصة من قبل الجماعات التي تعارض هذه الأحزاب وتتهمها بالسعي خلف الحفاظ على حصصها في السلطة والاستمرار في فرض هيمنتها على الدولة والمؤسسات بعيداً عن مراعاة مصالح العراق وشعبه.
 

كلام شينكر

وفي ظل الانشغال الدولي وتراجع الاهتمام العلني والمركّز بالملفات الخلافية بين القوى الدولية والإقليمية على صعيد منطقة غرب آسيا، فإن الكلام الصادر عن مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر حول بالعراق لم يسهم في إعادة بوصلة الاهتمام إلى هذه الملفات، أو التخفيف من الانسياق وراء متابعة الإجراءات المتعلقة بالوباء عالمياً.
وحاول شينكر قطع الطريق على جهود القوى والأحزاب الشيعية المحسوبة على إيران لتوحيد صفوفها والاتفاق على موقف موحد من تكليف الزرفي والتعامل معه، وبالتالي صياغة موقف من رئيس الجمهورية، ووجه تحذيراً مباشراً لطهران بقوله “نأمل في ألا تقوم إيران وحلفاؤها بتقويض تسمية عدنان الزرفي لتشكيل الحكومة الجديدة في العراق”، معيداً التصويب على التقاطعات الأميركية – الإيرانية في ما يتعلق بالوضع العراقي، ومحاولة الدفاع عن الفرصة التي تراها واشنطن بتكليف الزرفي لإعادة التوزان على هذه الساحة والتقليل من حجم التأثير والتدخل الإيرانيين المعرقلَين مباشرة أو عبر حلفاء لكل محاولات إنهاء الأزمة السياسية والانتقال إلى تفعيل العمل الحكومي بعد استقالة رئيس الحكومة السابق عادل عبدالمهدي.


أحزاب الفلك الإيراني


في المقابل، يبدو أن القوى والأحزاب التي تدور في الفلك الإيراني أو تقترب وتبتعد عنه بحسب المرحلة ومقتضياتها، فشلت في الحد من خلافاتها ومحاول كل منها الاستئثار بالحصة الأكبر من كعكة رئاسة الوزراء وأن تكون هي الجهة التي تسمي المرشح لتولي هذا الموقع. وعجزت تلك الأحزاب أيضاً عن الاتفاق على “سلة” أسماء تكون بديلة للزرفي بسبب استمرار الخلاف في ما بينها. الاتفاق الوحيد بين تلك الأحزاب هو على “السلبية” برفض تكليف الزرفي من حيث بعده الدستوري، بينما يسود الناحية “الإيجابية” خلاف حول طرح شخصية بديلة له. كما يبدو أن هناك توافقاً بين تلك الأحزاب على ترك الزرفي يستهلك ويستنفد المدة الدستورية المحددة لتقديم تشكيلته الوزارية التي حُددت بـ 15 يوماً تُمدد لمثلها، أي ما مجموعه 30 يوماً.
عدم وضوح الرؤية لدى القوى الشيعية المعارِضة لتكليف الزرفي وعدم اتفاقها حول موقف موحد، يمكن إرجاعه لأسباب عدة أهمها، أن كل طرف أو جهة تريد مرشحاً محسوباً عليها وأن تستحوذ هي على الموقع الأول في إدارة البلاد والسلطة التنفيذية، وهي في هذا البعد منقسمة إلى فئتين، الأولى تتضمن حزب الدعوة الذي يسعى إلى استعادة الموقع، إما عبر مرشح من قياداته أو من المحسوبين عليه على الرغم من فشله في المرحلة الماضية في فرض أي مرشح بديل لعبد المهدي، وفئة ثانية تسعى إلى انتزاع هذا الموقع على أساس قطع الطريق والآمال على “حزب الدعوة”، لتطرح نفسها بالتالي كبديل مؤهل بعد فشل التجارب السابقة.

كما نجد من أسباب عدم وضوح الرؤية لدى تلك القوى، هو عجزها عن تقديم مرشح يكون محل توافق مع كل القوى والمكونات العراقية الأخرى وشباب ساحات الاعتصام، ويكون في الوقت ذاته قادراً على ضمان حصصهم في الوزارات والاستثمارات والمصالح المادية والاقتصادية.

الراعي الإقليمي

ولعل أهم الأسباب التي تمنع هذه القوى من التوصل إلى نقطة الاتفاق والموقف الموحد، هو غياب الراعي الإقليمي الإيراني بعد اغتيال الجنرال قاسم سليماني الذي كان يمثل ضابط الإيقاع و”المايسترو” الذي يقود “كورال” الأحزاب وينسق إيقاعاتها السياسية والعلاقات في ما بينها، وهو ما يعني أن التأثير الإيراني يعاني هذه المرحلة من تراخٍ واضح في قبضته على الساحة العراقية، وعدم قدرته على إعادة ترميمها سريعاً، بالإضافة إلى أن القائد الجديد في “الحرس الثوري” الإيراني الذي تولى مسؤولية التعامل مع الملفات الإقليمية “إسماعيل قاآني” لم يستطع فرض نفسه كشخصية قيادية قادرة على فرض رؤيتها أو ترجمة الرؤية الإيرانية على الساحة العراقية، ما سمح لكل حزب من الأحزاب العراقية الدائرة في فلك طهران بالعمل على رفع صوته منافساً أصوات مَن يُفترض أنهم شركاؤه.

حسن فحص كاتب وصحفي

اندبندنت عربية

السابق
الامريكان أرادوا بانسحابهم جس نبض القيادات السياسية العراقية
التالي
بومبيو :يوجه “اتهاما خطيرا” إلى الصين بشأن فيروس كورونا

اترك تعليقاً