اخترنا لكم

في ظل تحدياتها الداخلية.. هل تتنازل الولايات المتحدة عن قيادة العالم للتنين الصيني؟

جوزيف ناي هو أحد المفكرين السياسيين البارزين في العالم، في 1990 صاغ مفهوم “القوة الناعمة” وهي القدرة على التأثير على الآخرين وجعلهم يتصرفون كما تريد، بواسطة الإقناع والجذب”، الجزء الخاص بالجزرة في مثال العصا والجزرة. استخدمت الولايات المتحدة قوتها الناعمة في تقديم المساعدة الاقتصادية والدبلوماسية، وحتى في نسج أحلام بواسطة أفلام هوليوودية. الصين تبني بنية تحتية لدول فقيرة في إطار مشروع “الحزام والطريق” كتجسيد للقوة الناعمة.

في تموز 2018، وفي مقابلة معه في تل أبيب، تحدث ناي عن “القوة الذكية” -وهي دمج للقوة الناعمة والصلبة. دون حكمة كهذه، لن نستطيع أن نواجه المشاكل الجديدة التي تقف أمام العالم، تكنولوجيا متقدمة مثل الذكاء الصناعي والسايبر، وعبر شبكات اجتماعية تتلاعب بالوعي وحتى انتفاضات ضد العولمة. لقد حذر من أن مقاربة الرئيس ترامب، بعد سنة ونصف من دخوله للبيت الأبيض، والتي بمقتضاها “القوة لعبة صفرية المجموع، يجب أن تكون مصالح كلا الطرفين فيها متناقضة، وهي مقاربة خطيرة”. وأضاف: “ترامب لا يفهم القوة الذكية، لأنه لا يؤمن بالقوة الناعمة”.

كانت التحالفات الدولية إحدى الأوراق التي أمسك بها الأمريكيون قبل ترامب، والتي لم تكن موجودة لدى الدولة العظمى الأكثر تهديداً لها-الصين. ولكن ترامب تنازل عنها. وادعى ناي حينئذٍ أن ترامب إذا أنهي ولايته بعد 4 سنوات تنهض الولايات المتحدة، وإذا استمر في الحكم 8 سنوات فإنها ستفقد القيادة العالمية. في أيلول هذا العام كتب: “في 3 تشرين الثاني سنعرف هل وصلنا إلى نهاية الحادث التاريخي”.

قبل أن تنتهي الـ 4 سنوات، أظهرت أزمة كورونا أن الولايات المتحدة تتخلف عن الصين في الممارسات الأساسية أثناء الأزمة: كانت إدارة مكافحة الوباء على الجبهة الصحية كارثةً، وكانت قيادتها منقسمة ولم يكن هنالك تنسيق وتركيز على إدارة النظام الصحي. نفى ترامب وجود الوباء، واتهم الصينيين. غرق الاقتصاد الأمريكي في أزمة اقتصادية شديدة، في الربع الحالي، وزالت الولايات المتحدة غارقة في بطالة تبلغ 8% -وهي نسبة لم نشهدها منذ الأزمة المالية لسنة 2008. نهوض الاقتصاد الأمريكي يواجه توقفاً. وبالمقابل، تحظى الصين بربعين متواليين من النمو مقارنة بـ 2019، وزادت ناتجها عن المستويات التي كانت قبل الوباء.

بالنسبة لـ 320 مليون أمريكي، لا تبدو المشكلة الحقيقية في أن الصين تتفوق على الولايات المتحدة في النمو الاقتصادي أو بسبب مؤشرات أخرى أو أنها تتخلف فيها. فالقوة الناعمة التي استخدمتها الولايات المتحدة لترسيخ نفوذها في الشرق الأوسط وآسيا أو أمريكا الجنوبية، لا تهمهم. ما يقلقهم هو صفوف آلاف السيارات لتوزيع الأكل على المحتاجين، وفقدان التأمين الصحي من قبل الموظف المفصول، كما تقلقهم الشوارع المعطوبة والانقطاعات في الكهرباء. هم يخافون أنهم لن يستطيعوا إرسال أولادهم إلى جامعة جيدة، الأمريكيون يخافون من العنف والعنصرية، من الأجانب في الخارج ومن الأجانب الذين بينهم، ثقتهم بمؤسسات السلطة متدنية، وحتى متوسط العمر المتوقع في العقد الماضي سجل انخفاضاً بعدة سنوات.

على من سيقود الولايات المتحدة في الـ 4 سنوات القادمة، تقع مسؤولية الربط ما بين كلا الأمرين، من الممكن أن تختار الولايات المتحدة الانسحاب من دورها كزعيمة للعالم والسماح للصين بتولي دور متزايد على المنصة الجيوسياسية. ولكن أجزاء كبيرة من التميز الذي ميزها في العهد الذي ارتقت فيه إلى العظمة، هي ضرورية لنجاحها الداخلي ولرفاهية مواطنيها. التنازل عن القيادة العالمية يجب أن يتم بطريقة أكثر ذكاءً بكثير وأقل جنوناً وغرابةً من تلك التي اتبعها ترامب، مثل الانسحاب من تحالفات دولية والتي لا تقل أهمية بالنسبة للولايات المتحدة عن أهميتها لشركائها.

تمتعت الولايات المتحدة بفترة متميزة جداً من الازدهار الذي رافقه مستوى عالٍ من المساواة الاقتصادية، ما بين سنوات 1950-1980. ولكن بغض النظر عمن سيتولى الحكم، فلن يستطيع أحد إعادتها على عظمتها التي كانت في ذلك الحين، لأن تضافر العوامل التي رفعها بعد الحرب العالمية الثانية لن يتكرر، وعليها أن تجد سبيلاً للعظمة من نوع آخر.

الرئيس الذي سيؤدي القسم قريباً يجب أن يواجه الأزمة الاقتصادية والصحية الحالية قبل أن يتفرغ لإجراء إصلاحات عميقة في الاقتصاد والمجتمع الأمريكي- إذا أراد، وإذا استطاع أصلاً. الحزب الديموقراطي، حزب الـ 40 سنة الماضية، لم يقم بعمل أفضل مما فعله الحزب الجمهوري، وقرارات المحكمة العليا عززت قوة أصحاب رأس المال في السياسة، بحيث إن من يتم ترشيحهم للمناصب السياسية يتم التحكم بمعظمهم من قبل أغنياء أو يتم تمويلهم من قبلهم، في كلا جانبي الخارطة السياسية.

من شأن التغييرات الديموغرافية التي في الولايات المتحدة، مثل تقلص الأغلبية البيضاء، أن تمنح دعماً أكثر للحزب الديموقراطي في المستقبل. هذا لا يعني أنها ستجلب معها شفاءً لضعفها الداخلي. لقد أظهر الجناح التقدمي في الحزب تكيفاً سريعاً مع اللعبة السياسية في السنة الأخيرة. وكلما كبر أعضاء كادره الشباب سيسيرون في طريق سابقيهم. أما الحزب الجمهوري فقد يجري نقداً ذاتياً كبيراً بعد عهد ترامب – الآن أو بعد 4 سنوات.

القدس العربي

السابق
«البعث» دمره أصحابه في سوريا وفي العراق!
التالي
كيف تنظر إسرائيل إلى آثار الانتخابات الأمريكية عليها؟

اترك تعليقاً