أبحاث ودراسات

كردستان، إسرائيل الجديدة؟

مع  الاستفتاء على استقلال الاكراد العراقيين يوم الاثنين، يعمل العالم العربى على القضاء على تطلعات هذه الدولة الصديقة للغرب.

 

من بين الجدالات الذي أعقبت إعلان القيادة الكردية العراقية أنها ستجرى استفتاء على الاستقلال في 25 سبتمبر / أيلول 2017، كانت هناك ثلاثة أنواع من ردود الفعل في الشرق الأوسط: أولئك الذين عارضوا الفكرة تماما،  والذين سعوا إلى تاجيل الاستفتاء إلى تاريخ آخر، وما يسمى بفاعلي الخير  الذين حذروا من العواقب الكارثية على الأكراد والمنطقة ككل.

وادلي معارضان أيضا بأقوالهما. وفي مقاله استفزازيه بعنوان “أربعة اسرائيل آخرى أو كردستان بدون أكراد” ، الكاتب الكردي ويلات محمد يتناول الخطاب الرسمي في الدول العربية والدولة التركية والايرانيه التي تصور المحاولة الكردية لأقامه دوله خاصه بها مشروع لإنشاء إسرائيل ثانيه ، أو حتى أربعة آخرين ، في المنطقة-في تركيا وإيران والعراق وسوريا. ونقل محمد عن السياسي التركي الذي دعا خلال زيارته لإيران في صيف 2017 إلى التعاون بين بلديهما لان “أميركا وإسرائيل تهددان وحده الأرض في المنطقة بينما تسعي إسرائيل إلى أقامه إسرائيل ثانيه تحت “عنوان كردستان الكبرى” وذكر علي أكبر ولايتي مستشار المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي قبل عام ان “الهدف من أقامه دوله كرديه هو إنشاء إسرائيل ثانيه وثالثه في المنطقة من أجل تقسيمها ، وهذا هو هدف الامبرياليه والصهاينة “.

وينتقد محمد هذا التصور لأنه يعرض إقامة دولة كردية كمؤامرة إمبرالية إسرائيلية لا علاقة لها بالأكراد أنفسهم وتطلعاتهم ونضالهم من أجل الاستقلال. ويشدد محمد على أن منتقدي الأكراد يدركون الحق الكردي في تقرير المصير، لكنهم يواصلون ترسيخ نظرية المؤامرة الإسرائيلية من أجل نزع الشرعية عن الدولة الكردية وشيطنتها. وفي مقالة أخرى بعنوان “فلسطين وكردستان والضمير العربي”، ينتقد الصحفي الكردي رستم محمود المعايير المزدوجة المتمثلة في المعارضة العربية لإقامة دولة كردية مستقلة، بينما أمضوا القرن العشرين بأكمله في الدفاع عن حق الفلسطينيين في إنشاء دولة خاصة بهم.

ومع ذلك لم يصدرعن اي زعيم تأييدا علنيا لدولة كردية، باستثناء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي أعلن علنا في آب / أغسطس أن إسرائيل تؤيد استقلال كردستان. وقد اختار نتانياهو توقيت إعلانه خلال لقاء مع 33 من أعضاء الكونجرس الأمريكي عندما قال إن الأكراد “شعب شجاع ومؤيد للغرب يتشاطرون قيمنا”. وبما أن إدارة ترامب تمارس ضغوطا على القيادة الكردية لتأجيل الاستفتاء إن لم يكن لإلغائه تماما، فإن مثل هذه التصريحات من جانب نتنياهو يمكن أن تفسر على أنها تحديا لواشنطن أو محاولة لخداعها لتبني موقف أكثر إيجابية. على أية حال، فإن إعلان نتنياهو لم يؤد إلا إلى إضافة المزيد من الوقود لنظرية المؤامرة فيما يتعلق بإنشاء “إسرائيل الثانية”.

فكرة الدولة الكردية بأنها “إسرائيل الثانية” ليست جديدة. وقد صيغت لأول مرة في العراق خلال الثورة الكردية في الستينيات. إن اقتران كردستان مع إسرائيل يفسر على أنه يخدم عدة أهداف: نزع الشرعية عن إسرائيل ودولة كردية مستقبلية؛ حشد دعم الدول العربية والإسلامية ضد كليهما. نداء إلى الأكراد، ومعظمهم من المسلمين السنة، لمعارضة المشروع الكاذب الصهيوني الكردستاني. وإقناع الرأي العام العالمي بفكرة أن دولة كردية سوف تدمر تماما الشرق الأوسط، كما يدعى، كما فعلت إسرائيل. وهناك أيضا تهديد ضمني بأن الدول المجاورة ستقاتل دولة كردية، كما أنها تقاتل إسرائيل.

ويستمد قرع أجراس الإنذار ضد دولة كردية من الصور السلبية التي صورتها الدول المضيفة للأكراد، وتصورهم على أنهم شعب جامح وغير مثقف يعتزم زعزعة استقرار الدولة، أي دولة. ومن المثير للاهتمام أن الحجة نفسها قد انتعشت من قبل زعماء العالم لتبرير معارضتهم الحالية للاستفتاء.

ومع أخذ السنوات الخمس والعشرين الماضية كمقياس، يلاحظ أي مراقب موضوعي الفرق الكبير بين الجزء العربي غير المستقر في العراق واستقرار كردستان. والحقيقة أنه منذ عام 1974، كان العراق العربي مشغولا بشن حروب ضد سكانه أو ضد جيرانه، وبذلك أصبح مصدرا رئيسيا لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط بأسره. وبالمثل، فإن ما يسمى بالربيع العربي وآثاره الكارثية على مجتمعات الشرق الأوسط ترجع إلى المعاملة السيئة للحكومات العربية لسكانها ، التي كان الأكراد ضحايا لها، وليسوا مرتكبيها. وأخيرا، ما هو نوع الاستقرار الموجود حاليا في المنطقة الذي ستزعزعه الدولة كردية؟

وفيما يتعلق بتأثير الدولة الكردية في العراق على المجتمعات الكردية في الدول الأخرى، تجدر الإشارة إلى أن الأكراد السوريين قد صعدوا تلقائيا في أعقاب الاضطرابات في سوريا، وأن الأكراد في تركيا كانوا في حالة تمرد منذ  الثمانينيات من القرن الماضي وكذلك الأكراد الإيرانيين، حتى لو لم تصل معاركهم إلى وسائل الإعلام العالمية. شهدت السنوات ال 100 الماضية حروبا مستمرة بين الأكراد العراقيين والحكومة المركزية على وجه التحديد لأن الحركات القومية الكردية والعربية لا يمكن أن تتعايش. في الواقع، عانت المنطقة الكردية من أسوأ الكوارث عندما كانت جزءا لا يتجزأ من الدولة العراقية، كما يتضح من إبادة حلبجة والأنفال في عام 1988.اما بالنسبة لشبح الحرب الاهليه في العراق ، فانه كان مستعرا على مدى السنوات ال 15 الماضية–ولكن بين السنة والشيعة.

وفي الوقت نفسه، كانت الدولة الكردية بحكم الأمر الواقع مستقرة نسبيا، مؤيدة للغرب، لا تميل إلى الإسلام السياسي وأكثر تسامحا وديمقراطية من جيرانها. منذ اندلاع الحرب ضد الدولة الإسلامية في عام 2014، أثبتت البيشمركة الكردية العراقية أنها فعالة في المعركة وموالية للتحالف الغربي. وقد شوهد موقف حكومة كردستان المتسامح خلال هذه الحرب عندما استوعبت حوالي 2 مليون لاجئ ومشرد داخليا. وفيما يتعلق بالأقليات، أعلن الرئيس مسعود بارزاني عزم الحكومة على تعديل النشيد الكردستاني والعلم لتعكس الفسيفساء العرقية والدينية للمجتمع الكردي. كما وضعت كردستان العراق البنية التحتية الاقتصادية والعسكرية التي تمكنها من البقاء على قيد الحياة بشكل منفصل عن بغداد.

هذه الميزات الفريدة تقطع شوطا طويلا في شرح تعاطف إسرائيل تجاه كردستان في العراق. ولكن بالإضافة إلى ذلك، هناك أيضا أرضية مشتركة كثيرة بنيت على أساس التقارب بين الشعبين والحاجة إلى مكافحة الأعداء المشتركين، كما عبر عنها في تحالف غير مكتوب يعود إلى 1960s. لذلك فإن موقف إسرائيل الثابت الذي يؤيد دولة كردية يستند إلى اعتبارات أخلاقية واستراتيجية وسياسية واضحة. على الرغم من أن العلاقات على المستوى العام لا يبدو أنها موجودة على الإطلاق، وتلقى تصريحات المسؤولين الإسرائيليين تجاه كردستان قانون الصمت الميت من المسؤولين الأكراد  ولكن وراء الكواليس، هناك الكثير جدا من النشاط الثقافي والأمني والاقتصادي ذي الأهمية، قد يستمد أهميته من التقارير التي تفيد بأن إسرائيل تشتري النفط الكردستاني، وبالتالي تساعد كردستان على مواجهة الأزمة الاقتصادية الحادة.

ويمكن أن يستخدم استفتاء يوم الاثنين كاختبار محوري لدراسة نهج المجتمع الدولي تجاه الأكراد، مع أن تكون إسرائيل من أوائل الدول التي قد تعترف بالدولة الكردية بمجرد إعلانها. إن محاولة تشويه صورة دولة كردية من خلال تسميتها “إسرائيل الثانية” قد ترتد الى نحر اصحابها، حيث أن كردستان قد تصبح أكثر ثباتا وازدهارا من جيرانها.

 

 

أوفرا بينجيو

23 سبتمبر 2017

مركز موشيه دايان

 

 

 

أوفرا بينجيو هي رئيسة برنامج الدراسات الكردية في مركز موشيه دايان، جامعة تل أبيب، ومؤلفة أكراد العراق: بناء دولة داخل الدولة.

السابق
حقيقة الاوضاع في كردستان:مباركة عليكم الدولة !!
التالي
الفساد يكفّ يد مدير بلدية الكوفة !

اترك تعليقاً