اخترنا لكم

كيف تهدد البنوك وأسواق المال مستقبل “النظم الرأسمالية”؟

تلعب البنوك المركزية وأسواق المال دوراً محورياً في تكدس الثروات في أيدي فئة قليلة من المجتمعات، وفي تزايد الفجوة في الدخول عبر سياسات الفائدة، إذ إن هذه المؤسسات المالية وعبر سياسة سعر الفائدة تقوم بتحديد قيمة النقود والثروات والمدخرات في الأسواق، وبالتالي تزيد من قجوة الدخل وتهدد التماسك الاجتماعي كمقدمة للاضطرابات السياسية.

من بين السياسات التي ترفع من فجوة الدخول، سياسة “التيسير الكمي” أو الفائدة الصفرية التي نفذها مصرف الاحتياط الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) في أميركا في أعقاب الأزمة المالية أو الفائدة تحت الصفرية التي تنفذها في الوقت الراهن العديد من البنوك في أوروبا واليابان.

ووفقاً لمحللين، فإن هذه السياسات النقدية تفيد الأثرياء والمستثمرين في أسواق المال والسندات، وتضرب دخول الطبقات الوسطى والعمال في المجتمعات، إذ إن هذه السياسات تمنح من يملكون الثروة ويستثمرون في أسواق المال فرصة الاقتراض بدون فائدة أو فائدة ضئيلة جدا للمضاربة في أسواق المال، بينما تضرب أصحاب الادخارات من كبار السن وترفع من نسبة التضخم بالنسبة للعائلات والمستهلكين.

وبينما تتضخم ثروات من يملكون الأموال بسبب هذه السياسة النقدية، تزيد أعباء الفقراء وأفراد الطبقة الوسطى.

ووفقاً لبيانات معهد السياسات الاقتصادية الأميركي التي نشرها في شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، ارتفع التفاوت في الدخول في الولايات المتحدة بنسبة كبيرة خلال العقود الأربعة الأخيرة.

في عام 1980، كان متوسط دخل الرئيس التنفيذي في الشركات الأميركية يعادل 50 ضعفاً من متوسط دخل العامل في الولايات المتحدة، بينما ارتفعت فجوة الدخل بين العامل والرئيس التنفيذي خلال العام الجاري إلى 144 ضعفاً.

وتعود هذه الزيادة إلى الحوافز وخيارات الأسهم التي يحصل عليها رؤساء الشركات التنفيذية بسبب أرباح الشركات في سوق “وول ستريت”.

ويرى العديد من خبراء المال والاقتصاد في الولايات المتحدة، أن تزايد هذه الفجوة يعود إلى التحالف القائم بين البنوك المركزية وسوق وول ستريت، الذي يدعمه حالياً منظور النجاح الذي يتبناه الرئيس الأميركي دونالد ترامب والقائم على مبدأ أن النجاح الاقتصادي يعني الصعود المتواصل لمؤشرات الأسهم، من دون النظر لتداعيات ذلك على تماسك المجتمعات عبر خلق فجوة دخول تنهي الطبقة الوسطى وتهدد تلقائياً الاستقرار السياسي في الولايات المتحدة وربما بقاء النظام الرأسمالي.

وتشهد الولايات المتحدة، وإلى درجة ما أوروبا، ضمورا في الطبقة الوسطى والطبقة فوق الوسطى وإفقار طبقة العمال الذين باتوا رهينة في يد الشركات.

ويدعو سياسيون وقيادات مؤسسات مالية إلى معالجة هذا الاختلال في الدخول حرصاً على بقاء النظام الرأسمالي وحدوث فوضى داخل المجتمع يقودها الفقراء والجماعات المهمشة.

راي داليو مدير أكبر صندوق استثماري في العالم، يرى أن تزايد الفجوة بين الدخول في أميركا وتراكم الثروة لدى فئة قليلة يعد فشلاً للنظام الرأسمالي الذي بني على أساس التوزيع العادل لثمار النجاحات الاقتصادية.

من جانبه يرى رئيس مصرف “جي بي مورغان تشيس” الأميركي، جيمي ديمون، ضرورة معالجة عدم العدالة في توزيع الثروات، إذ يرى أن هذه الفجوة المتزايدة في الولايات المتحدة مشكلة كبيرة يجب حلها لصالح بقاء النظام الرأسمالي.

ووصف ديمون عدم العدالة في توزيع الثروات بأنه يسبب مشكلة ضخمة للمجتمع الأميركي، وذلك في تعليقات أدلى بها لقناة “سي بي إس” الأميركية يوم الاثنين.

وأضاف أن الأغنياء ازدادوا ثراء بطرق عديدة، في حين أن مستويات الدخل للطبقات المتوسطة لم يطرأ عليها أي تغيير طوال خمسة عشر عاماً.

وقال ديمون: “إهمالنا للأشخاص الذين في قاع الهرم الاجتماعي، يعني أننا لم ننفذ عملاً جيداً يُنمي اقتصادنا، وتنفيذ ذلك يؤدي إلى إصلاح الكثير من جوانب تلك المشكلة”.

وديمون من كبار رجالات المصارف في العالم الذين يتلقون رواتب ومكافآت تقدر بنحو 31 مليون دولار عام 2018.

ومنذ أزمة المال العالمية في عام 2008، تبنى مجلس الاحتياط الفيدرالي ” البنك المركزي الأميركي”، سياسة قائمة على سعر فائدة قريب من الصفر في سبيل تحفيز الاقتراض والاستثمار بهدف إنقاذ الاقتصاد الأميركي.

وتؤثر سياسة الفائدة المصرفية التي تتبعها البنوك المركزية بشكل مباشر على توزيع الثروة في المجتمعات عبر ثلاثة موجهات، وهي أن خفض الفائدة مثلاً يقود إلى تآكل مدخرات أصحاب المعاشات وأفراد الطبقة الوسطى، كما أنه يتيح للأثرياء الاستدانة بفائدة شبه صفرية أو الحصول على أموال مجانية للمضاربة في سوق المال، والحصول على أرباح أعلى ترفع من تراكم ثرواتهم، كما أنه يرفع معدل التضخم والغلاء بالنسبة للأسر الفقيرة والعمال.

وهذه العوامل زادت من الغبن الاجتماعي وقادت إلى نشوء الحركات الشعبوية في أوروبا والاحتجاجات في فرنسا وإسبانيا وتهدد بانقسام طبقي في الولايات المتحدة.

وكشفت دراسة صدرت عن منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي في العام الماضي حول توزيع الثروة في 28 دولة، أن فجوة الدخول في الولايات المتحدة هي الأعلى بين الدول المتقدمة.

وبيّنت أن نسبة 10% من السكان الأثرياء في أميركا يملكون نسبة 79% من الثروات في البلاد. وحذرت الدراسة من تأثير ذلك على الاستقرار السياسي في الدول الرأسمالية.

ولا يستبعد خبراء اقتصاد في حال تواصل فجوة الدخول أن تتحول الديمقراطيات الغربية إلى “ديكتاتوريات يديرها الأثرياء” تحت لعبة وهمية تسمى الانتخابات، إذ بات تمويل الشركات وطبقة الأغنياء للأحزاب والمرشحين يحدد الاختيارات السياسية.

العربي الجديد

السابق
نائب عن سائرون: لا نسعى لإسقاط الحكومة لكننا ماضون باستجواب رئيس الوزراء في البرلمان
التالي
أمريكا واحتجاجات العراق

اترك تعليقاً