العرب والعالم

كيف عمل إعلام حزب الله على تشويه الثورة اللبنانية؟


تشبه ثورة 17 تشرين الأول/ أكتوبر في علاقتها بوسائل الإعلام اللبناني حارس المتحف (جون ترافولتا)، في فيلم (Mad City/ 1997).

بعد أن خسر الرجل وظيفته، بفعل طرد مديرته له، أوقعه حظه العاثر في شراك وسائل الإعلام، إذ انقلبت محاولته تهديد المديرة بقوة السلاح، لثنيها عن طرده، إلى قضية احتجاز رهائن بينهم تلاميذ صادفت زيارتهم المتحف في تلك اللحظة.

في الفيلم أدى دور الوسيط، بينه وبين السلطة، معدّ تقارير إخبارية (داستن هوفمان)، لتبدأ معه رحلة التلاعب بالرأي العام في التعاطف مع الحارس، وارتفاع نسب التأييد له وانخفاضها.

استيعاب الصدمة

بدا حزب الله، كغيره من القوى السياسية، متفاجئاً بالهبة الشعبية التي انطلقت بعد مشروع في مجلس الوزراء لفرض ضرائب جديدة، بينها ضريبة على مكالمات الواتساب، لكنه أيضاً بدا أقل حرجاً منها، بفعل قناعة قاعدته الشعبية بأنه لا يشبه تلك الطبقة الفاسدة.

من هنا، لم يخشَ أحد كبار قيادييه من التجوّل بين المحتجين، حين صادف مرور موكبه على طريق قَطَعها المحتجون في ساعات الثورة الأولى، مع تأكيد الحزب على وصف “المصادفة” في بيان رسمي.

أما شاشة الحزب الرسمية، قناة المنار، فحرصت في اليومين الأولين على تظهير الطابع المطلبي للمنتفضين، ووقفت إلى جانبه، باعتباره صرخة من وجع الناس الذين أرهقم صبر السنين.

وقام في اليوم الثالث

بوادر إفصاح حزب الله عن ابتعاده عن الثورة، ظهرت في اليوم الثالث، حين أطل أمينه العام حسن نصر الله معلناً حمايته للنظام والعهد والحكومة، وأخذه سهام المنتفضين بصدره، مرتضياً أن يُشتَم بشخصه (قال: “أنا سبوني ما في مشكلة!”).

إلى جانب إعلانه الصريح بأنه خارج ما سمّاه “الحراك” وإشارته إلى أنه ينبغي له أن يحدّ نفسه بالقضايا الشعبية للطبقات الفقيرة، حاول نصر الله في تلك الإطلالة تحديد أفقه.

فعلى “الحراك” أولاً أن ينزّه نفسه ويرفض أي دعم سياسي، من أي جهة أتى، داخلية كانت أو خارجية، وكأنه “حراك” فضائي، وأن ينأى بنفسه عن القوى السياسية كلها، بمعنى آخر، أن يشغل نفسه بصراعات دونكيشوتية، في حين يبرر الحزب الأكثر تماسكاً في تاريخ الأحزاب السياسية اللبنانية لنفسه كل ما يطلب نقيضه من “الحراك”.

وعليه ثانياً أن يكون كالشعب اللبناني “اللي عندو أخلاق وعندو أدب”، برفض العبارات النابية والسوقية والسباب والشتائم. وفي عبارة “السوقية” التي استخدمها نصر الله لانتقاد بعض شعارات المتظاهرين وتصريحاتهم لوسائل الإعلام دلالة على ازدواجية المعايير التي يعتمدها في مقاربته “الحراك”، فمن جهة يريد منه أن يكون نخبوي اللغة، إنْ جاز التعبير، ومن جهة أخرى، عليه أن يكون شعبي المطالب. وعلى هذين الحدين بدأت معزوفة وسائل الحزب الإعلامية بدوزنة أوتارها.

باحت النشرة الرئيسة لقناة المنار بالقليل مما كانت تخبئه، وبدأت، مباشرة بعد خطاب نصر الله الأول، ولخمسة أيام متتالية، بين 20 و24 تشرين الأول/ أكتوبر، بالتصويب سياسياً وأخلاقياً على أداة الثورة الموجعة بوجه السلطة: قطع الطرق. راحت مقدمات نشراتها الإخبارية وتقاريرها تحوي إشارات إلى تسييس الأمور والخوف من أن تكبر أكثر وتأخذ منحى طائفياً، وبوصف مَن يلجأون إلى هذه الوسيلة بقطاع الطرق، وبرصد أي ادعاء أو خبر عن فرض خوة، ونشره للتشويه، بوصفه أداة للتذكير بالحرب الأهلية.

فضلاً عن ذلك، راحت تبحث عن تصريحات هامشية تتهم حزب الله بالعمالة والإرهاب، وتعرض ردوداً شعبية على ذلك، وصولاً إلى إطلاق اتهامات بأن هناك مَن يريد جر “الحراك” ليكون حركة انقلابية ومتراساً وخندقاً بوجه متراسٍ وخندق.

وما كان قبل خطاب نصر الله الثاني بوحاً خجولاً نوعاً ما، بات بعده اتهاماً صريحاً وسياسة معلنة. فمنذ 25 أكتوبر، وبعد إعلان أمين عام حزب الله أن مصلحة الحزب تكمن في الخروج من ساحات “الحراك”، أضيفت إلى الاتهامات السابقة أخرى تتحدث عن قيادة قوى حزبية وشخصيات معروفة بارتباطاتها الإقليمية والدولية للثورة.

وبدأت تظهر تقارير حول دخول شخصيات صهيونية كانت على علاقة بأحزاب لبنانية على خط الثورة، فضلاً عن اتهام مَن يقودونها بالأثرياء الفاسدين وأصحاب الصفقات المشبوهة.

نجح إعلام حزب الله في تشويه صورة الثورة وأهدافها عند كثيرين من أبناء بيئته الحاضنة. والملاحظ أن كل ادعاء أطلقه الحزب وألبسه للثورة، عاد ليبني على أساسه خطوته التالية تجاهه، بما يذكّر بحكاية جحا الشهيرة مع الأولاد المزعجين

حزب الله ومحاولة تشويه الثورة اللبنانية… “أرجو ألا نقف في يوم آتٍ قريب، لنجيب فقراء هذا البلد وشبابه الحالم وأهله، ونصرخ صرخة داستن هوفمان التي ما زالت تحفر في عقلي: ألم تفهموا؟! لقد قتلناه!”

وفي 27 و28 من أكتوبر، ظهر وصف قطع الطرق بأنها حواجز مليشياوية، كما جرى تصوير انخراط طلاب الجامعتين الأمريكية واليسوعية في التحركات المعارضة للسلطة بأنه تجلٍ لتدخل السفارات، علماً أن الثورة حدث استثنائي في تاريخ لبنان، ولن يكون منطقياً أن تتخلف النخب الأكاديمية، عن اللحاق بها، للمشاركة فيها، والانخراط بنشاطاتها، ومحاولة فهم دينامياتها، والمساهمة بتوجيهها ورفدها بالخبرات.

وبدلاً من النظر إلى ذلك على أنه خطوة إيجابية، عمد إعلام حزب الله إلى تصويره على أنه نتيجة تدخلات سياسية خارجية، وقوة ناعمة تتكامل مع القوة الصلبة لبعض الأحزاب في قطع الطرقات.

وصبّت تقارير كثيرة تركيزها على ما للضغط الذي يمارسه المنتفضون من دور سلبي في مفاقمة الأوضاع الاقتصادية سوءاً. كما جرى خلال هذه الفترة توظيف دعوات الفاعليات الروحية لاستنكار الإساءة للرموز الدينية والوطنية.

لم يترك إعلام الحزب وسيلة يمكن من خلالها تأليب بيئته الحاضنة على الثورة، إلا وحاول استثمارها. جرى وصم أبناء الطبقة الوسطى بأنهم واجهات لمهمات خبيثة، وأبناء الجامعات بأنهم مشبوهو الأدوار، وحُكي عن أغنياء موّلوا حرق استراحة صور بهدف تجييش الناس، كما ادعى موقع العهد الإخباري.

كذلك، جرى تصوير ساحات الاعتصام بأنها سوق تبضع وفسحة تنزه، في تصور يظن أن الفرح الذي يملأ ساحات الثورة يتناقض وأوجاع الفقراء والمحرومين، لتأليب الأخيرين عليه.

والأخطر من ذلك هو إدخال الخطاب التخويني من خلال ادعاء تغلغل ثقافة التطبيع والمجاهرة بها في الثورة، عبر بث تقرير مليء بالمغالطات في تأويل كلام فردي لطالبة جامعية لبنانية-أمريكية رفضت حرق العلم الإسرائيلي، وتحميله بأمور فيها الكثير من التجني ومخاطبة الغرائز، وتعميم ذلك على كل المتظاهرين. هذا عدا تقارير يومية عن حوارات تجري في الإعلام الإسرائيلي، وآراء محللين إسرائيليين حول الثورة، بما يضرّ بها، ويسهم في تشويه صورتها وأهدافها عند البيئة الحاضنة لحزب الله.

نجح إعلام حزب الله، بأدائه هذا، في تشويه صورة الثورة وأهدافها، عند كثيرين من الشيعة. والملاحظ أن كل ادعاء أطلقه الحزب وألبسه للثورة، عاد ليبني على أساسه خطوته التالية تجاهه، بما يذكّر بحكاية جحا الشهيرة مع الأولاد المزعجين الذين نجح بإبعادهم عن منزله بادعائه أن هناك مَن يوزّع الحلوى في أعلى الجبل، ليعود ويلحق بهم، طمعاً بأن ينال نصيبه.

والآن، نقف أمام ادعاءين خطيرين، أولهما التهديد بصدام أهلي، وثانيهما الاتهام بالخيانة.

بالعودة إلى فيلم المتحف والرهائن، أطلق الحارس الخاطف سراح جميع رهائنه دون سابق إنذار. خرجوا جميعاً، وفجأة أُقفل الباب، ليدوي انفجار هائل دمر المتحف كله.

وظهر الوسيط في المشهد الأخير وهو يقف أمام عدد لا يحصى من الكاميرات والمايكروفونات الباحثة عن سبق صحافي. أرجو ألا نقف في يوم آتٍ قريب، لنجيب فقراء هذا البلد وشبابه الحالم وأهله، ونصرخ صرخته التي ما زالت تحفر في عقلي: “ألم تفهموا؟! لقد قتلناه!”.

السابق
الأسباب التي ستجعل إيران تقاتل بضراوة قبل أن تنسحب من العراق
التالي
“رويترز”: مقتل 13 شخصا خلال 24 ساعة مع استئناف العراق إطلاق الذخيرة الحية على المحتجين

اترك تعليقاً