أبحاث ودراسات

كيف نتجنب داعش 2 في العراق؟

واشنطن وبغداد لديهما فرصة ذهبية، لكنها تنزلق بعيدا.

مع الموصل والمدن الرئيسية الأخرى المحررة الآن من ويلات داعش المروعة، يقف العراق عند مفترق طرق حاسم. لقد أهدر العراقيون والأمريكيون فرصا تاريخية لبناء بلد جديد ومستقر ومزدهر معا من قبل. ويجب ألا ندع ذلك يحدث مرة أخرى.
الخطر الرئيسي، كما كان من قبل، هو: التطرف المقترن بالطائفية الذي يبنى على بعضه البعض في دوامة مفرغة. وهذه الدينامية ، في غياب دوله عامله تزيد من استقطاب السكان داخل العراق وتنتج دورات العنف التي لا نهاية لها، مما يخلق فرصا للتدخل الأجنبي وتعميق أنواع الاستياء والبارانويا التي أدت إلى ظهور داعش، وحتى القاعدة قبل ذلك. ويجب علينا أن ان نضمن تحقيق مكاسب عسكريه مرفقا بانتصار سياسي. وإلا فإننا نخاطر بظهور داعش 2.0 بين السكان السنة المتضررين.
ولسوء الحظ، فإن المؤشرات المبكرة لا تبشر بالخير. ومن الجدير بالذكر أنه بعد ثلاث سنوات من الحكم الفظيع من قبل داعش، وأكثر من عام من القتال العنيف الذي تعاون فيه العراقيون مع قوات التحالف والمستشارين في تحرير المدينة، لا تزال الموصل في حالة خراب.
وسيواجه العراق تحديا شديدا لمعالجة هذه المشكلة بمفرده. ومع أن الصادرات الهيدروكربونية كانت تمثل تاريخيا أكثر من نصف حصائل صادراته، فإن الانخفاض المستمر في أسعار النفط العالمية في السنوات الأخيرة كان سيؤكد بشدة نقص أمواله حتى في بيئة السلم. وبالفعل، تقلص الناتج المحلي الاجمالي بحوالي 25 في المائة خلال نصف العقد الماضي. وتقاس الأضرار الناجمة عن الحرب منذ عام 2003 بعشرات المليارات. ويشمل عدد السكان الذين يقتربون الآن من أربعين مليون نسمة العديد من الشباب العاطلين كليا او جزئياعن العمل، المعرضين لإيديولوجيات الكراهية. وبالطبع، هناك لعنة العراق الخاصة من الطائفية. فالبلد لديه القدرة، في أفضل حالاته، على أن يكون طليعة التعاون بين الأعراق في الشرق الأوسط. ولكن إذا لم يجد قادة البلاد طريقة لمناشده ملائكة أفضل من طبيعتهم، فان آلامه يمكن ان تصبح سريعة الاشتعال ، كما نعلم جيدا جميعا من التجربة الاخيره.
مهما كان خطأها، وعلى الرغم من الجدل المستمر حول غزو 2003، كانت الولايات المتحدة سخية للغاية مع العراق. وقد تجاوزت تكاليفها المباشرة للعمليات العسكرية 1 تريليون دولار، مع توقع نفقات مماثلة للمحاربين القدامى في العراق على مدى العقود المقبلة. وقد فقدت الولايات المتحدة اكثر من خمسة الاف من مواطنيها هناك، واصيب عشرات الالاف بجراح خطيرة. كما قدمت للعراق عدة عشرات مليارات الدولارات في شكل مساعدات أمنية واقتصادية وإنسانية على مدى الخمسة عشر عاما الماضية.
واليوم، ومن حسن الحظ، فإن التكاليف أقل بكثير. إلا أنها لا تزال كبيرة. ولا يزال أكثر من خمسة آلاف جندى يدعمون المجهود الحربي العراقي. وفى الاونة الاخيرة، بلغ متوسط المساعدات الاقتصادية للعراق عدة مئات من ملايين الدولارات، بالاضافة الى مساعدات امنية على الاقل مليار دولار سنويا. ومع ان المشرعين فى واشنطن يتطلعون الى احياء النمو الاقتصادى الامريكى والقيام بالاصلاح الضريبى وتخفيض العجز الفيدرالى فان الاغراء سيكون كبيرا لترك العراق فى مرآة الرؤية الخلفية مرة اخرى.
سيكون ذلك خطا كبيرا. في حين ان تكاليف الولايات المتحدة ينبغي ان تنخفض إلى حد ما بعد هزيمة داعش ، فانه سيكون من الخطا خفض المعونة الامريكيه والنفوذ في العراق أكثر من اللازم. وتحترم معظم القيادات العراقية الولايات المتحدة بوصفها وسيطا نزيها ؛ ولها نوع فريد من النفوذ لا يمكن لأي دوله خارجيه أخرى ، وخاصه تلك الموجودة في المنطقة ، ان تنافسها. وإذا وافق قاده واشنطن علي الحفاظ علي وجود عسكري طويل الأجل في العراق ، وركزوا بالدرجة الاولي علي مهمة التدريب ، والحفاظ علي مستويات المعونة بالقرب من المبالغ الاخيره مع تحويل تشكيلها تدريجيا نحو المزيد من المساعدات الاقتصادية ، ويمكن للولايات المتحدة ان تساعد العراق أخيرا علي اغتنام الفرصة للحد من التدخلات الاقليميه وبناء دوله مدنيه متماسكة. ستكون هذه النتيجة كبيره جدا في المصالح الامريكيه ، أيضا ، ومتسقة مع وعد الرئيس ترامب لوضع أميركا أولا من خلال المساعدة علي تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط الحيوي من الناحية الاستراتيجية.
التحدي الرئيسي اليوم هو إعادة بناء المدن العراقية المحررة مؤخرا من داعش، وخاصة الموصل في شمال البلاد، بطريقة تخلق المسؤولية والقبول عبر الخطوط الطائفية والسياسية. إن االانتخابات على المدى القريب، على الاقل، أقل أهمية من حكومة الوحدة في إطار عملية سياسية شاملة تستند إلى سيادة القانون والعدالة والمساواة. يجب على حكومة الوحدة أن تنقل إحساسا مشتركا بالمسؤولية والإنصاف بين سكان المدينة الشيعة والسنة والاكراد، فضلا عن مجموعات أصغر مثل اليزيديين. ويجب أن تعمل بفعالية في مجالات الأمن وإعادة البناء الاقتصادي والإنعاش، واتخاذ القرارات السياسية. يجب أن تكون من الناحية الفنية مختصة، بطبيعة الحال. ولكن بنفس القدر من الأهمية، يجب أن ينظر إليها على أنها تدافع عن حقوق وامتيازات جميع العراقيين من خلال خارطة طريق لتخليص العراق من الطائفية.
واشنطن وبغداد لديها فرصة ذهبية، لكنها تنزلق بعيدا. حاكم محافظة نينوى، التي تقع داخلها الموصل قد عزل من قبل رئيس الوزراء العبادي. فشلت الحكومة المحلية في وضع خطة للموصل من شأنها أن تهيئ بيئة تسهل عودة المشردين وتساهم في إحياء الاقتصاد. وبدلا من ذلك، بقيت غارقة في الفساد المالي والإداري، كما فعلت معظم المحافظات العراقية.
ويتعين على رئيس الوزراء العبادي، الذي يستحق الفضل في محاولة جمع العراقيين معا خلال سنواته الثلاث، أن يقود خطة جريئة وحاسمة لإعادة بناء ثاني أكبر منطقة حضرية في العراق. يجب أن يعين فريق توجيهي يحكم المدينة التي تتكون من قادة وطنيين وإقليميين ذوي سمعة عالية، مع مجموعة من الهويات السياسية والمهارات التقنية التي تعكس الدوائر النابضة بالحياة في الموصل. وينبغي تكليفهم بالإشراف على عودة المشردين، وتوفير الخدمات، وفي نهاية المطاف تهيئة بيئة مناسبة للانتخابات. وينبغي أيضا سن قوانين للاستثمار والتأمين لتوفير أساس للنمو الاقتصادي. وبمجرد القيام بذلك، يجب على واشنطن أن تلتزم بالمساعدة في تمويل العديد من تكاليف إعادة الإعمار التي سيتم تكبدها، حيث أن العراقيين يسعون إلى إعادة بناء مدينة الموصل التاريخية ويعيدون البلاد ككل على الطريق نحو شيء طبيعي . وأقل أهمية من المبلغ الفعلي هو الإحساس بالمساعدة الثابتة التي يمكن الاعتماد عليها على مدى السنوات العديدة – وربما عقدا – ستحتاج إليه هذه المهمة العظيمة.
وستكون تكاليف بناء العراق الجديد كبيرة. ولكن بالمقارنة مع ما أنفقت أمريكا بالفعل من الارواح والثروات، وبالقياس إلى المخاطر المعنية، فإن هذه التكاليف ستكون متواضعة جدا.

سارة علاوي و مايكل أوهانلون

18 نوفمبر 2017

سارة علاوي هي ابنة نائب الرئيس اياد علاوي ومقرها في بغداد، حيث تقود حركة الشباب في الحزب الوطني العراقي، مجموعة عابرة للطوئف، وتعمل كمدير تنفيذي. مايكل أوهانلون هو زميل أقدم في معهد بروكينغز.

السابق
في تطور خطير اسرائيلي متطرف في السعودية…
التالي
النائب ريزان الشيخ دلير: الشعب الكردي تضرر كثيراً من قرارات الأحزاب السياسية في كردستان

اترك تعليقاً