اخترنا لكم

مئوية «لبنان الكبير»(2): الشيعة.. من مؤتمر الحجير وفتنة السلاح الى الحلم العربي المكسور

في رحلة الشيعة الشائكة نحو لبنان، لا بد ان نذكر يوم 8 من آذار عام 1920، عندما اعلن الملك فيصل بن الشريف حسين نفسه “ملكًا دستوريًا“ في سوريا، ثم صيغ لاحقًا دستور للبلاد جاء فيه أن نظام الحكم مكون من “حكومة ملكية دستورية مدنية نيابية وراثية في أسرة الملك فيصل بن الشريف حسين.

هذا الإعلان بعث الحماسة في صفوف العامليين سكان جنوب لبنان الذين توسموا بالمملكة العربية وبمليكها حفيد رسول الله الخلاص من المحتل الفرنسي، فارتفعت الراية العربية في المدن والمراكز الرسمية إسوة بالساحل اللبناني الاسلامي السني، في حين ان المسيحيين كانوا يسعون وراء حلم لبنان الكبير، فرفضوا المملكة العربية بشكل قاطع.

مؤتمر الحجير  

وافق الزعيم السياسي لجبل عامل كامل الأسعد والزعيم الروحي السيّد عبد الحسين شرف الدين على عقد مؤتمر عام لأعيان الشيعة في منطقة وادي الحجير في جنوب لبنان وذلك بعيدا عن أعين الاحتلال الفرنسي وكان الهدف منه إطلاق المقاومة ضد الاستعمار وضد تقسيم الوطن العربي ودعما للحكم العربي الوطني في دمشق برئاسة الملك فيصل. فعُقد المؤتمر في 24 نيسان 1920 وكان من الحضور الثائران أدهم خنجر وصادق حمزة الفاعور، اضافة لعشرات الاعيان ورجال الدين الذين القادمون من نواحي جبل عامل كافة، ومئات من المناصرين من الحاشية الذين يتقلدون السلاح الفردي الخفيف

وافتتح الامام شرف الدين المؤتمر بخطبة بليغة دعا فيها لمقاومة المحتل الفرنسي والحذر من الفتنة بين الشيعة والمسيحيين ومما جاء فيها:

«يا فتيان الحمية المغاوير “الدين النصيحة، ألا أدلكم على أمر إن فعلتموه انتصرتم، فوتوا على الدخيل الغاصب برباطة الجأش فرصته، واخمدوا بالصبر الجميل الفتنة فإنه والله ما استعدى فريقاً على فريق إلا ليثير الفتنة الطائفية ويشعل الحرب الأهلية حتى إذا صدق زعمه وتحقق حلمه، استقر في البلاد تعلّه حماية الأقليات ألا وإن النصارى إخوانكم في الله وفي الوطن وفي المصير. فأحبوا لهم ما تحبون لأنفسكم وحافظوا على أرواحهم وأموالهم كما تحافظون على أرواحكم وأموالكم، وبذلك تحبطون المؤامرة، وتخمدون الفتنة وتطبقون تعاليم دينكم وسنة نبيكم ….” .

خواني وأبنائي: إن هذا المؤتمر يرفض الحماية والوصاية، ويأبى إلا الاستقلال التام الناجز … فاركبوا كل صعب وذلول صادقي العزائم، متساهمي الوفاء، وما التوفيق إلا بالله، يؤتي النصر من يشاء … عليه توكلنا وإليه أنبنا وإليه المصير». 

وصدر عن المؤتمر أربعة قرارات: أولا منع الفتنة بين المسلمين والمسيحيين وعدم انزلاق المقاومة إلى وحول الفتن الداخلية وأن المستفيد الوحيد هو المحتل والخاسر الأكبر هي المقاومة والمسلمين وحتى المجتمع المسيحي، ثانيا رفض الاحتلال الفرنسي، وثالثا ضم جبل لبنان إلى سورية الكبرى، ورابعا تفويض كامل الاسعد والسيد عبد الحسين شرف الدين والسيد عبد الحسين نورالدين بتمثيل البلاد لدى الملك فيصل ومفاوضته في موضوع تنفيذ قرار الضم. 

خلاف بين الجناح السياسي والجناح العسكري 

واذا كان السيد شرف الدين اكتفى بشكل عام بالتشديد على  وأد الفتنة بين المسلمين والمسيحيين في جبل عامل، فان الزعيم كامل الاسعد لم يكتف بذلك، فاستدعى الثائر صادق حمزة الفاعور وقرعه أمام الناس،  طالبا منه ومن الجماعات المسلحة المتحالفة معه الكف عن مضايقة المسيحيين الجنوبيين والتعدي عليهم، فأجابه ان فيهم متعاونين مع الفرنسيين، فاحتدم النقاش بينهما ويقول السيد علي نورالدين من ديركيفا الذي كان يرافق السيد عبد الحسين الامين (جدّ كاتب المقال) وهو أحد اعيان جبل عامل الحاضرين في المؤتمر، انه سمع رأى كامل الاسعد ينهض ويعلو صوته موبخا صادق حمزة بقوله: “يا ابن الحمزة من الدحروب للحروب ومن المساس للسيف..إسا بفرجيك”!..والمعنى انك فلاح درجت على اكل الدحروب اي ما يسقط من تين غير ناضج عن الشجرة..وهو طعام الفقراء..والآن تتحدث عن الحروب!! 

هذه العنجهية الاقطاعية لم تكن مستغربة قبل مئة عام، فقد كان الزعيم وخصوصا كامل اسعد الكبير كما كان يلقّب، مسموح له ان يقول ويفعل ما يشاء، لذلك فهو لم يتعوّد على العصيان، وكيف اذا كان عصيانا مسلحا لا يمكن السيطرة عليه، ويهدد الجنوب بالفتنة التي تنتظرها فرنسا للتتدخل وتنجز الحسم العسكري؟ 

 وقد كانت مخاوف البيك والسيد حقيقية، فلم ينقض اسبوعان حتى وقعت الفتنة العظيمة ذهب ضحيتها حوالي 100 شخص من بلدة عين ابل المسيحية، في حين ان الحلم بالانضمام للمملكة العربية سرعان ما انكسر في تموز بعد ثلاثة شهور من مؤتمر الحجير، اثر معركة ميسلون التي ادت الى هزيمة جيش الملك فيصل ومقتل قائده يوسف العظمة ودخول القوات الفرنسية الى دمشق. 

وسام الأمين

جنوبية

السابق
التوت يمكن أن يكون علاجا لكورونا
التالي
هل يتخلى الكاظمي عن مواجهة السلاح المنفلت ويكتفي بـ”تسوية” مع “البيت الشيعي”؟

اترك تعليقاً