أبحاث ودراسات

ماذا بعد التصويت على الاستقلال الكردي؟

إربيل – تحديا لضغوط من الولايات المتحدة والقوى الإقليمية تركيا وإيران، أدلى الملايين من الأكراد بأصواتهم اليوم في استفتاء تاريخي على الاستقلال الكردي الذي خاضوا من اجله صراعا منذ فترة طويلة.

كان مسعود بارزاني، رئيس كردستان العراق، الذي يقود حملة الاستقلال، قد حصد الثقة بعد التصويت في مركز اقتراع قريب من المجمع الرئاسي الذي يطل على أربيل، حيث تقع حكومة إقليم كردستان. وكما شاهد مراقبو الانتخابات، فإن ابنه الأكبر، مسرور، مستشار مجلس أمن إقليم كردستان، قد  صعد بعد ذلك، ليغمس إصبعه في الحبر النيلي الذي لا يمحى، والذي يمنع من تكرار الاقتراع.

في مركز الاقتراع في صلاح الدين، كان المزاج احتفاليا، حيث أخذ المواطنون صور شخصية في حين كانوا مصطفين خارج الفصول الدراسية التي يجري فيها التصويت. وقالت شيرمين، وهي طالبة في العشرين من عمرها، كانت قد حضرت مع أسرتها للتصويت: “أنا سعيدة جدا. “أريد الاستقلال، الآن”.

وقد تم تشويش البهجة التي أعرب عنها الأحمر والأخضر والأصفر الكردي الألوان الثلاثة التي تزين الشوارع والمنازل والسيارات ومراكز التسوق مع خوف وسط تهديدات غاضبة، حتى الآن إلى حد كبير جوفاء، من تركيا وإيران. وقد اعربت الدولتان، اللتان تعدان موطنا لاعداد  كبيرة ومضطربة من الاكراد، عن معارضتهما الشديدة للاستفتاء. ونشرت تركيا دبابات على طول حدودها مع الدولة الكردية بحكم الواقع، حيث قامت الوحدات التركية بعمليات تدريب. وقال رئيس الوزراء التركي بينالي يلدريم ان انقرة تعتبر ان نتائج الاستفتاء “لاغية وباطلة”. وفي يوم السبت، مدد البرلمان التركي تفويض القوات التركية المتمركزة في العراق وسوريا لمدة عام.

واليوم، هدد رئيس تركيا رجب طيب اردوغان بفرض عقوبات اقتصادية على كردستان العراق. وتشمل هذه الإجراءات إغلاق معبر هابور الحدودي، المخرج الوحيد للأكراد العراقيين إلى الغرب. كما تحدث اردوغان عن اغلاق خط انابيب يحمل النفط الكردى العراقى الى محطات تصدير على ساحل تركيا المتوسطى.

“بعد ذلك، دعونا نرى … لمن يبيعون [النفط] . الصمام معنا.سينتهي في اللحظة التى نغلق فيها “. واضاف “اذا كان هناك تهديد ضدنا في العراق وسوريا فان جميع الخيارات مطروحة”.

وقالت إيران إنها ألغت الرحلات التجارية إلى كردستان العراق وبدأت في قصف المقاتلين الأكراد الإيرانيين على الجانب الكردي العراقي من الحدود في الحاج عمران. يذكر ان قاسم سليماني، قائد فرقة فيلق القدس التابع للحرس الثوري الاسلامي، كان يجري رحلات مكوكية خلال الاسبوع الماضي بين اربيل والسليمانية حيث يقيم خصما بارزاني من الاتحاد الوطني الكردستاني وحركة التغيير (غوران) في محاولة لدق إسفين من شأنه أن يجبر على إلغاء الاستفتاء. ولكن بعد فترة من التذبذب، شجع كل من الاتحاد الوطني الكردستاني وغوران مؤيديهم على التصويت.

ويرى الطرفان ان الاستفتاء هو للاستيلاء على السلطة من قبل بارزانى الذى ضعفت قبضته بسبب الانكماش الاقتصادى المطول الناجم عن انخفاض اسعار النفط العالمية. وبالإضافة إلى ذلك، رفضت بغداد تسليم حصة الأكراد من الميزانية الوطنية منذ أن بدأت في بيع النفط بشكل مستقل. وفي الوقت نفسه، أدى الفساد المتفشي إلى اغتراب الأكراد العاديين، حيث يرون مستوى معيشتهم يغرق.

ولا يزال النفط المصدر الرئيسي للدخل بالنسبة لشبه الدولة  الكردية التي تعاني من ضائقة مالية. ويتم تصدير نحو 550 الف برميل يوميا عبر خط انابيب يصل الى المحطات التركية على البحر المتوسط في تحد لمزاعم بغداد بان المبيعات غير قانونية. إذا كانت تركيا ستغلق الحنفية، فإن حكومة إقليم كردستان ستركع على ركبتيها. وحتى الآن لم تقم بذلك، ولا تزال عائدات مبيعات النفط تصل إلى حكومة إقليم كردستان، مما يسمح لها بالحفاظ على الاقتصاد، على الأقل حتى الآن.

ومن جهة اخرى، وقعت شركة “روسنيفت” العملاقة في مجال الطاقة الروسية اتفاقا بقيمة مليارات الدولارات هذا الشهر لانتاج ونقل الغاز والنفط الكردي العراقي. ويبدو من غير المرجح أن يكون الروس قد شرعوا دون ضمانات من أنقرة لروسنيفت لضخ النفط والغاز من خلال وإلى تركيا، وكلها جزء من تحالف روسي تركي مزدهر يهدف إلى تحقيق التوازن مع النفوذ الأمريكي في المنطقة.

في الواقع، فإن الإجماع السائد بین قادة إقلیم کوردستان ھو أن العوائد الاقتصادیة من المرجح أن تغیر مخاوف ترکیا من أن کردستان المستقلة علی حدودھا سوف تلھم أکرادھا على الانفصال.ومن شأن ذلك أن يترك إيران متوقفة على تركها تحتفظ بهذه القدرة، والتخلي عن كردستان العراق إلى النفوذ الاقتصادي والسياسي التركي. ولذلك فان الزعماء الأكراد العراقيين يعتقدون ان اي عقوبات ايرانيه ستكون كلامية اكثر من كونها فعلية.

ومع ذلك، تشير تعليقات أردوغان إلى أن حكومة إقليم كردستان من اللمكن ان تكون قد قللت من تقديردرجة الغضب التركي. وقد يكون من الواضح أن إيران وتركيا تعتبران من المحتم النيل من الاستقلال الكردي  في مهده والعمل بقوة على القيام بذلك.

وهددت بغداد باتخاذ اجراءات غير محددة  للحفاظ على وحدة العراق. ويقال إن إغلاق المجال الجوي العراقي في  وجه الرحلات الجوية من و إلى المدينتين الرئيسيتين في إقليمي كردستان أربيل والسليمانية على الطاولة.

على نحو غير عادي، وللأسف، بالنسبة للأكراد العراقيين، فإن حليفهم العسكري الأكثر حرجا، الولايات المتحدة، جعل قضيته مشتركة مع إيران وتركيا في دفع بارزاني لإسقاط الاستفتاء أيضا. ويرجع ذلك إلى آثاره المحتملة على الرصيد السياسي لحليفه المقرب، رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي. وأثار مسؤولون في الإدارة تحدثوا إلى “المونيتور” بشروط صارمة بعدم الكشف عن هويتهم مخاوف من أن يؤدي الاستفتاء حتى إلى انهيار حكومة العبادي قبل الانتخابات البرلمانية في جميع أنحاء العراق المقرر إجراؤها في نيسان / أبريل 2018.  ويمكن للبرزاني ان يحسب ان الأكراد لا يستفيدون الا من الفوضى الناجمة عن ذلك ، مما يسمح لهم بإعلان الاستقلال التام.

في حين يبدو من غير المرجح أن البنتاغون سيجمد تمويل البشمركة الكردية التي تقاتل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، يتكهن بعض المسؤولين الإداريين بأن كبار المسؤولين الأمريكيين لن يتلقوا مكالمات من قيادة حكومة إقليم كردستان لفترة من الوقت. ويعتقد المتحدث باسم حكومة اقليم كردستان صفين ديزايى ان الحجج التي قدمتها الولايات المتحدة بشان عراق موحد مليئه بالفجوات.. وقال ل “المونيتور” في حديث له: “لقد فقدت الولايات المتحدة 4،500 جندي في العراق، وضخت مئات المليارات من الدولارات إليه، وما برز هو بلد غارق في العنف الطائفي. وأضاف “ان قصه النجاح الوحيدة التي يمكن ان تروج لها الولايات المتحدة هي قضية الأكراد”.

وهناك قلق آخر هو محافظة كركوك الغنية بالنفط الت سقطت تحت السيطرة الكردية العراقية  بعد أن انسحبت القوات العراقية منها قبل هجوم داعش في حزيران / يونيو 2014.  كما ان العرب والتركمان يطالبون بالمنطقة ، واحتمال نشوب نزاع بين قوات البشمركة والمليشيات التي يقودها الشيعة أمر حقيقي. وفي محاولة أخيره لوقف الاستفتاء ، تردد ان الولايات المتحدة طلبت من بارزاني استبعاد ما يسمي بالأراضي المتنازع عليها ، ولا سيما كركوك ، من الاستفتاء. ويبدو ان بعض قاده الاتحاد الوطني الكردستاني-بمن فيهم هيرو طالباني ، زوجه زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني المريض جلال طالباني ، وابنه بافل -مستعدون لقبول هذا ، ولكن ليس برزاني.

وقد عززت عزيمته وحافه الهاوية في مواجهه وابل الضغوط الدولية لوقف الاستفتاء وضع البرزاني بين الأكراد في جميع انحاء العالم. وقال عبد القادر هيفيديلي ، نائب قائد القوات الديمقراطية السورية التي يقودها الأكراد ، ل “المونيتور” في مقابله أجريت معه مؤخرا في مقره بالقرب من الرقة ، ان الأكراد السوريين يؤيدون تماما دعوة برزاني للاستقلال التام. واومات مجموعه من المقاتلين الأكراد الجالسين حوله بقوة إلى تأييد الاتفاق. وقال هيفيديلي “اننا نحترم البارزاني لصموده”.

وقال ديزايى انه بعد يوم من الاستفتاء، ستبدأ حكومة اقليم كردستان التفاوض حول طلاق سلس مع بغداد. واضاف “نامل في مناقشة الحدود وتقاسم الموارد الطبيعية والتمثيل الدبلوماسي في الخارج بهدف تحقيق الاستقلال التام”. وقال ديزايى “سنعبر هذا الجسر عندما نصل اليه”. وينطبق الشيء نفسه على جميع التحديات الكبيرة التي لا يمكن إنكارها والتي تنتظرنا.

 

 

أمبرين زمان

المونيتور

25 سبتمبر 2017

 

 

أمبرين زمان هي كاتبة عمود ل “نبض تركيا” في المونيتورالتي غطت تركيا والأكراد وأرمينيا لصحيفة واشنطن بوست وصحيفة ديلي تلغراف ولوس أنجلوس تايمز وصوت أمريكا. شغلت منصب مراسل “ذي إكونوميست” في تركيا بين عامي 1999 و 2016. عملت ككاتبة عمود في صحيفة “تراف” الليبرالية و “هابيرتورك” اليومية قبل الانتقال إلى بوابة الأخبار التركية المستقلة ديكن في عام 2015.

السابق
الاستفتاء في كردستان: مقامرة محفوفة بالمخاطر في منطقة متقلبة.
التالي
البارازاني يفتخر بتأييد اسرائيل لاستفتاء كردستان

اترك تعليقاً