العراق

ماذا تعتقد البشمركة الكردية العراقية؟ وكيف ستؤثر على مستقبل الدولة بعد داعش

مع تحرير الموصل في تموز/يوليه ، وجد العراق نفسه مره أخرى عند مفترق طرق. وقد فقدت الدولة الاسلاميه (أو داعش) جوهره تاجها ، وهو المكان الذي أعلنت منه ما يسمي الخلافة في 2014. ولذلك ، فان الفضل يعود إلى القوات الحكومية العراقية ، والمليشيات التي تشكل قوات الحشد الشعبي ، والبشمركة الكردية. بيد ان الآثار الجانبية لانتصارات البشمركة في الحرب ضد داعش كانت زيادة في الأراضي التي تحتفظ بها حكومة إقليم كردستان بنحو 40 في المائة منذ 2014. وفي المقابل ، تم تمكين الأكراد من تحدي الاقليميه السلامة الإقليمية  للعراق.

من الناحية القانونية، تواصل حكومة إقليم كردستان العمل بوصفها وحدة اتحادية للحكومة الوطنية العراقية، ولكن استفتاء 25 سبتمبر للاستقلال يمكن أن يضع الأكراد على مسار نحو السيادة، وهو ما اراده أكراد عراقيون بأغلبية ساحقة في استفتاء غير رسمي أجري في عام 2005. والاستفتاء، وقضايا السيطرة على الأراضي أصبحت موضع نزاع شديد. لذا، فإن نظرة البشمركة على النظام الإقليمي بعد داعش، ومدى توحد هذه الآراء، هي بالتالي مفتاح لمستقبل العراق السياسي.

وغالبا ما يشكك الخبراء في درجة توحد أكراد العراق ومجموعاتهم المختلفة من البيشمركة سياسيا. وينقسم اقليم كوردستان بين الحزب الديموقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني. وقد خاضت هذه الأحزاب حربا أهلية ضد بعضها البعض في منتصف التسعينيات، ومنذ ذلك الحين حافظت على قوات عسكرية وأمنية منفصلة. وعلى الرغم من التحركات الأخيرة نحو الاندماج، لا تزال القوات المنفصلة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني تهيمن على البيشمركة. وتضيف هذه الجيوش السياسية طبقة أخرى من التعقيد إلى المزيج البيزنطيي بالفعل من الصراعات الإقليمية والنزاعات الهيدروكربونية وسياسات الميليشيات التي تمارس في إقليم كردستان. ومما زاد من تعقيد الأمور أن الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني قد تفتتا منذ ذلك الحين، وبشكل كبير مع ظهور حركة (التغيير) في عام 2009، التي تدعي التنصل من السياسات الراسخة والفاسدة للحزبين التقليديين.

وفي محاولة لفهم مواقف البيشمركة في الوحدات المتكاملة والسياسية على نحو أفضل، قمنا بمسح 339 2 منهم في وقت سابق من هذا الصيف مع فريق بحث أنشأناه مع الدكتور مصلح إيرواني من مركز السلام والأمن البشري. وإلى جانب العمل في أربعة محافظات في إقليم كوردستان) دهوك وأربيل وحلبجة والسليمانية (، قامت فرقنا أيضا بمسح البشمركة في محافظتي كركوك ونينوى، وهما جزء من االاراضي المتنازع عليها بين حكومة إقليم كردستان والحكومة العراقية. ولان هدفنا هو تحسين فهم السياسة الكردية في مرحله ما بعد الصراع ، فقد وجهنا المجيبين الى مجموعه مختاره من القواعد التي تدعم مباشره اما الدفاع ضد داعش أو حراسه الحدود مع الحكومة العراقية. ومن شأن اعتبارات الأمن والخصوصية أن تمنعنا من الحصول على قائمة كاملة بأفراد البيشمركة الذين يعملون في هذه القواعد. ومع ذلك، تمكنا من الوصول إلى مجموعة تمثل تمثيلا معقولا من خلال مسح وحدات البشمركة المتكاملة والسياسية في 51 مخيما عسكريا بأحجام مختلفة. امتدت المخيمات عبر جغرافية حدود إقليم كردستان، من سنجار في الغرب إلى حلبجة في الشرق. وأفاد 74 في المئة من البشمركة التي تحدثنا عنها أنهم عملوا في مناطق محررة مؤخرا من داعش.وقد عرف المجيبون بشكل ساحق بأنهم من الأكراد (98 في المائة) والذكور (98 في المائة) والمسلمون (97 في المائة) ، ولكنهم اختلفوا في سنهم ووضعهم الاجتماعي الاقتصادي وانتماءاتهم السياسية وبلداتهم.

وشملت الدراسة الاستقصائية التي أجريناها مجموعه من المواضيع ، ركزت علي ثلاثه مجالات محدده من القضايا. أولا ، طرحنا اسئله لتحسين فهم أنماط التوظيف والدوافع علي المستوي الفردي للانضمام إلى وحدات البشمركة ، فضلا عن الخبرة القتالية للبشمركة. ثانيا ، استفسرنا عن اراء البشمركة بشان التكامل العسكري والعمليات المستخدمة لتحقيقه. ثالثا ، وأخيرا ، أدرجنا عددا من الاسئله الرامية إلى قياس مواقف البشمركة بشان المصالحة بعد انتهاء الصراع والعلاقات المدنية-العسكرية في الأراضي المحررة من داعش.

الروابط التي تجمع

في بعض الأحيان، كانت إجابات المجيبين غير متوقعة. والأكثر إثارة للدهشة، بالنظر إلى تاريخ الانقسامات السياسية المدعوم جيدا بين القوات الكردية العراقية، أراد أكثر من 98 في المئة من البشمركة الذين شملهم الاستطلاع أن يتم دمج وحداتهم في قوة واحدة لاسياسية . ومع ذلك، فإن دعم التوحيد بشكله المجرد لا يترجم تماما إلى دعم لأحد أهم الخطوات نحو تحقيق هذا التوحيد، أي إلغاء المكاتب السياسية في المعسكرات العسكرية، والمؤسسات التي كانت تقليديا تحتفظ بوحدات البشمركة المرتبطة ارتباطا وثيقا إما بالحزب الديمقراطي الكردستاني أو الاتحاد الوطني الكردستاني. وهنا، استجاب 81 في المائة فقط من المجيبين بشكل إيجابي. على الرغم من أن فكرة التكامل قد تكون مدعومة عالميا تقريبا، فإن الخطوات العملية اللازمة لجعلها حقيقةلا تزال اغلبية البشمركة تتوقف عندها .

وبعيدا عن الانتماء الحزبي، كثيرا ما يركز المحللون بشكل كبير على الانتماء القبلي باعتباره تهديدا للديمقراطية والوحدة الكردية الوليدة. لقد وجدنا أن الهويات القبلية هي بالفعل بارزة على المستوى الفردي. وقد بلغت نسبة 92 في المائة من أفراد البشمركة الذين شملتهم العينة قبيلة بعينها، وكانت نسبهم أعلى بين القوات التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني، مقارنة بالجماعات التابعة لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني. غير أن دور القبائل في تشكيل الولاءات والديناميات العسكرية داخل الاكراد يمكن المبالغة فيه. وكان 26٪ فقط من البشمركة الذين شملهم الاستطلاع لديهم قائد فصيلة ينتمي إلى قبيلتهم، وقال 13٪ فقط إن قائد اللواء كان عضوا في أسرة زعيم القبيلة. لقد قمنا بزيارة لواء واحد حيث كان القائد السابق والد القائد الحالي، وكان معظم البشمركة في تلك المجموعة أعضاء في نفس القبيلة: ولكن هذا كان الاستثناء وليس القاعدة. العلاقات القبلية لا تهيمن على البشمركة. وهذه علامة مؤاتية لمستقبل الاندماج، لأن التشكيلات العسكرية المتمايزة القبلية يمكن أن تكون أكثر مقاومة للتوحيد والإحتراف المهني.

وإذا كانت النزعة القبلية لا تربط البشمركة معا ، فان القومية تفعل ذلك.وعندما سألنا مقاتلي البيشمركة  سؤال مفتوح حول ما أبقىهم في القتال، قال 73٪ منهم “القتال من أجل كردستان” كدافع هام. وتتناقض هذه التقارير تناقضا صارخا مع الجيوش الغربية، حيث أظهرت الدراسات أن القومية هي عامل محفز غير مهم، لا سيما بالمقارنة مع التضامن بين المجموعات الصغيرة. ويعتقد 88 في المائة من البشمركة أيضا ان الرغبة في الدفاع عن الوطن الكردي كانت أحد الأسباب الرئيسية لانضمام الناس إلى البشمركة ، مقابل 44 في المائة يعتقدون ان العوامل الاقتصادية مهمة للتجنيد. وقد زادت ألازمه المالية الحالية في حکومة إقلیم کردستان من التجارب حول عزم البشمركة. وفي المتوسط ، عمل المقاتلون الذين تحدثنا معهم  أكثر من ثلاثه أشهر بدون اجر ، وقال 75 في المائة ان “أفكار كردستان” دفعتهم إلى عدم الرحيل خلال هذه الأوقات العصيبة. وبالنظرإلى انه لا يوجد تجنيد إجباري وان المرتبات يمكن ان تكون غير متسقة ، فان قوه الدوافع القومية ينبغي الا تكون مفاجئه.

 

داعش والعدالة الانتقالية

النزعة القومية الكردية تغذيها جزئيا الجرائم السابقة ضد الأكراد ، من حمله الانفال التي شنها الرئيس العراقي السابق صدام حسين في أواخر الثمانينات ، والتي ذبحت الأكراد بشكل منهجي في نهاية الحرب الايرانيه العراقية ، والي عمليات النهب الأخيرة لداعش. وأفاد 45 في المائة من البشمركة بأنهم إما أو أحد أفراد أسرهم المباشرين كانوا ضحايا للنظام البعثي السابق؛ وقال 24 في المائة نفس الشيء عن داعش. غير ان الإيذاء الذي حدث في الماضي لا يعادل الرغبة الشاملة في الانتقام: فقد ابلغ عشره في المائة فقط من البشمركة عن ان رغبتهم في الانتقام حفزتهم علي القتال ، وذكر 19 في المائة منهم انه أمر مهم للتجنيد.

وعلي الرغم من انه  احتمال معتدل ان يبلغ البشمركة بالرغبة في الانتقام باعتباره أحد دوافعهم الخاصة ، فانه من الأرجح ان ينسب هذا الدافع إلى الآخرين. فعلي سبيل المثال ، عندما سئل عن سرد الأسباب الأكثر شيوعا لانضمام العرب السنة إلى داعش ، ذكرت اغلبيه من البشمركة (51 في المائة) ان الرغبة في الانتقام من بغداد لقمع العرب السنة كانت حافزا هاما. وأشار 24 في المائة من المستطلعين إلى رغبتهم في الدفاع عن الهوية العربية السنية من التعدي الشيعي ، بينما أعرب 27 في المائة عن اعتقادهم بان الاتفاق مع ايديولوجيه داعش يحفز أعضاءها. واعربت نسبه صغيرة نسبيا 17 في المائة من البشمركة عن اعتقادها بان أعضاء التنظيم الإسلامي أشرار بطبيعتهم. وكان أقلها شيوعا بين البشمركة التي شملها الاستطلاع هو الاعتقاد بأن الدوافع الاقتصادية كانت دوافع هامة لعضوية داعش، مع ذكر 2 في المئة فقط نمط حياة أفضل لأعضاء داعش، وأربعة في المئة ذكروا الحوافز النقدية، و 3 في المئة يذكرون آفاق كسب غنائم الحرب.

إن معتقدات البشمركة حول العرب السنة الذين يشكلون الجزء الأكبر من أعضاء داعش ومؤيديهم ستكون مركزية في آفاق المصالحة. وعلى الرغم من الابلاغ عن أن حركة داعش مدفوعة بالانتقام أكثر من المظالم الاقتصادية، فإن البشمركة على استعداد للاعتقاد بأن الدعم المدني ل داعش كان مشروطا. ويعتقد 65 في المئة من عينة البشمركة أن أكثر من 75 في المئة من العرب السنة في العراق دعموا داعش في عام 2014، ولكن تسعة في المئة فقط من البشمركة يعتقدون أن داعش يتمتع بدعم أكثر من 75 في المئة من العرب السنة اليوم.

ولفهم احتمالات المصالحة بطريقه مختلفه ، سالنا البشمركة عما إذا كانوا سيقدمون العلاج الطبي المنقذ للحياة إلى مجموعات مختلفة. ذكر أكثر من 99 في المائة انهم سيقدمون مساعدات طبية لبشمركة من وحده أخرى ، مما يشير إلى عدم العداء الأساسي بين مختلف الأحزاب السياسية والقبائل ، علي الرغم من ان 36 في المائة فقدوا أحد افراد الاسره المباشرين في الحرب الاهليه  الكردية العراقية وقال 4 في المائة فقط من المستطلعين انهم لن يقدموا علي الإطلاق مساعدات طبية منقذه لأحد المواطنين العرب السنة ، بالمقارنة مع 80 في المائة الذين قالوا انهم من المحتمل جدا ان يقدموا مثل هذه المساعدات ، مما يشير إلى انخفاض مستوى العداء الاثنب الخالص ضد العرب. غير أن الانتماء إلى داعش أثبت أن المواقف متشددة. 19 في المئة من البشمركة لن يتعامل مع أحد المتعاونين المدنيين مع داعش، في حين أن 24 في المئة لن يتعامل  مع مقاتلي داعش الاجانب. وليس من المستغرب ان يكون مقاتلو داعش المحليون الأكثر اثارة للاشمئزازا من قبل البشمركة ، حيث يقول 36 في المائة من البشمركة انهم لن يتعاملوا معهم علي الأرجح.

وتشير هذه النتائج إلى انه علي الرغم من ان العداء العرقي المتاصل ضد العرب السنة  منخفض نسبيا ، فان أنصار تنظيم داعش لن يغفر لهم بسهوله. في الواقع الم يؤيد سوى عدد قليل من البيشمركة التمييز بين زعماء داعش ومؤيدي داعش-وقال 10 في المائة فقط ان قاده التنظيم وليس أنصار داعش يجب معاقبتهم. كيف ، اذن ، هل يعتقد البشمركة ان أنصارداعش يجب ان يحاسبوا ؟ وفي حين يعتقد عشره في المائة من البشمركة ان أنصار التنظيم الإسلامي يستحقون الإعدام ، فان الاعتقاد  الأكثر شيوعا بأنه ينبغي محاكمتهم في المحاكم (72 في المائة) و/أو تعليمهم وأعاده تاهيلهم (31 في المائة).

وبالاضافة إلى ذلك يخلص بحثنا إلى ان القوات العسكرية الكردية موحده أكثر مما كان مقترحا من قبل ، الأمر الذي من شانه ان يحقق قدرا ضئيلا من الاستقرار في العراق بعد تنظيم داعش ومنطقه كردستان بصفه خاصه. ومع ذلك ، فان القوات المسلحة الكردية الموحدة والمندمجة بشكل جيد ليست ترياقا شافيا للأراضي المتنازع عليها. سيتوقف السلام الدائم علي تنفيذ عمليه منتظمة وشفافة للعدالة الانتقالية لأنصار تنظيم داعش ، خشية أن تزداد تغذيه دوره العنف. وينبغي تجنب العقوبات القاسية مثل الضرب والإعدام والاحتجاز القسري والتعذيب دون مراعاه الأصول القانونية الواجبة. وبدلا من ذلك ، ينبغي الشروع في اجراء محاكمات عادله ، والتعليم ، وأعاده التاهيل ،بل وربما عملية تقصي الحقائق والمصالحة. الجزء الأصعب في الحصول علي العدالة الانتقالية الحقة  هذه المرة من المرجح ان يتعلق بالعلاقة بين البشمركة وميليشيات قوات الحشد الشعبي العاملة في المنطقة. وقد رفض ما يقرب من 50 في المائة من البشمركة الذين شملهم الاستطلاع الاعتقاد بان افراد البشمركة ضربوا مدنيين عربا سنة  تعاونوا مع داعش ، بينما رفض 5 في المائة فقط تصديق نفس الادعاءات التي قدمت بشان قوات الحشد الشعبي .إن الحصول على البيشمركة وقوات الحشد الشعبي على الصفحة نفسها حول كيفية التعامل مع مؤيدي داعش سيكون خطوة أولى حاسمة لتحقيق الاستقرار في النظام الإقليمي.

بقلم ماثيو فرانكلين كانسيان وكريستين فاب

مجلة فورين افيرز

25 أغسطس 2017

 

 

السابق
العبادي…لإنقاذ البصرة …
التالي
الولاية نعمة الحريات والحقوق

اترك تعليقاً