أبحاث ودراسات

ما الذي يجعل ترامب مترددا في بدء الحرب على إيران؟

يريد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحرب ويخشى عواقبها في الوقت ذاته؛ فاحتياجات واشنطن المتعلقة بالحرب ضد إيران هي اقتصادية بحتة بالدرجة الأولى، وفي حال تحققت هذه المصالح، لا يوجد داع لحرب تشنها إدارة ترامب تجاه طهران.

واستعرض الكاتب والصحفي التركي، عبد الله مراد أوغلو، في مقال له على صحيفة “يني شفق” التركية المؤشرات التي توضح أن ترامب متردد، قائلا، أولاً، أسقطت إيران مركبة جوية أمريكية بدون طيار، بعدها طلب ترامب شن غارة جوية على إيران، ثم غيّر رأيه قبل 10 دقائق من بدء العملية. 

وأفاد الكاتب المتخصص في العلوم السياسية، بأن إسرائيل والسعودية والإمارات العربية المتحدة كانوا منزعجين للغاية من إلغاء ترامب للهجوم.

لماذا لا يريد الحرب؟

وعلى الرغم من قمع الصقور السياسيين الجدد في حكومته، فإن ترامب ليس في وضع يتيح له خوض الحرب مع إيران سياسياً. فعندما غزت الولايات المتحدة العراق، قدم الكونجرس الدعم الكامل لجورج بوش، عكس الآن، وشدد مضيفًا، مثل هذا الدعم غير موجود وراء ترامب. 

لا يوجد إجماع بين الجمهوريين، فبعض الترامبيين يقفون ضد المحافظين الجدد الذين جرّوا الولايات المتحدة إلى الحرب. على سبيل المثال، وفقًا لمقدّم فوكس نيوز، تاكر كارلسون، فإن قصف إيران سوف ينهي مسيرة ترامب السياسية ويدمر بالكامل فرصه في إعادة انتخابه عام 2020.

وكان ترامب قد خالف معظم كبار مستشاريه للأمن القومي، عندما تخلى في آخر لحظة عن توجيه ضربات انتقامية لإيران يوم الخميس الماضي. وذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية أن الرئيس قال في هذا الصدد لأحد مقربيه “هؤلاء القوم يريدون دفعنا للدخول في حرب.. الأمر مقزز ولا نريد الانخراط في مزيد من الحروب”.

ورغم أن ترامب أعرب في محادثات مع بعض مقربيه عن دهشته من التكاليف الباهظة للطائرة المسيرة التي أسقطتها إيران (130 مليون دولار)، فإنه أخبرهم أن صدى التكلفة المالية لهذه الطائرة لا يضاهي -بالنسبة للناخب الأميركي- صدى الخسائر البشرية المحتملة.

وقال ترامب إن التقديرات التي قدمت إليه أظهرت أن ما يصل إلى 150 شخصا يمكن أن يفقدوا أرواحهم في هذه العملية، مشيرا إلى أن لكل واحد من هؤلاء عائلة، مما يعني أن مئات الإيرانيين الآخرين سيتأثرون من هذه الضربة.

اللوبي الصهيوني

في المقابل، وصل مستشار الأمن القومي لترامب، جون بولتون إلى القدس لحضور قمة ثلاثية مع نظرائه الروس والإسرائيليين وفي مؤتمر صحفي مشترك مع نتنياهو، قال بولتون إن خيار التدخل العسكري في إيران ما زال مطروحًا. وفيما نقل الكاتب عن كارلسون أن المحافظين الجدد ما زالوا يستخدمون قوة هائلة في واشنطن، قال ترامب إنهم لا يهتمون بتكلفة الحرب مع إيران؛ “من الواضح أن ترامب يستمع أكثر إلى وسائل الإعلام التي تدعمه”، بحسب المقال.

ألقى ترامب باللوم في الحملة الرئاسية في عام 2016 على الإدارات السابقة قبل انتخابه رئيسًا لشن حروب غبية كلفت الأمريكيين تريليونات الدولارات. ووعد بعد انتخابه بإعادة القوات الأمريكية إلى الوطن وكانت هذه الخطابات فعالة، فليس من المنطقي أن يقوم بعد انتخابه بأقل من عامين على مخالفة وعوده الانتخابية وخوض حروب جديدة. 

حقيقة، استدرك الكاتب، إن بولتون ووزير الخارجية، مايك بومبيو، جعلا جماعة الضغط الصهيونية المسماة “لوبي” -وهو الجناح الذي دعم نتنياهو اليوم- سعيدة جدًا. ويحتاج ترامب إلى دعم اللوبي لإعادة انتخابه عام 2020 وبالتالي، من الطبيعي أن ينصاع لطلباته أو جزء منها. 

إن الديمقراطيين الذين تحولوا إلى حزب مناهض لإسرائيل، يريدون الحصول على دعم اللوبي له. ومن ناحية أخرى، قدم ترامب، الذي لا يريد أن يفقد الدعم الجماهيري للصهيونيين المسيحيين المؤيدين لإسرائيل، تنازلات كثيرة لهاتين المجموعتين عليه أن يقدمها لإسرائيل، فإن شن حرب على إيران سيكون الخيار الأسوأ لمهنة ترامب السياسية.

ترامب كما في أزمة كوريا، استخدم الصقور من المحافظين، للوقوف بوجه إيران، وهو الذي اتهم وزير الخارجية السابق ريكس تيلرسون بالتصرف بلين تجاه كوريا الشمالية، لكنه في ذات الوقت كان التقى في الفترة الماضية بالزعيم الكوري مرتين، ولازالت الرسائل المتبادلة بين الطرفين كأنهما صديقان حميمان مستمرة. 

لكن في حالة إيران، يوضح الكاتب أن بولتون وبومبيو هما الممثلان الرئيسيان في حملة الهجوم على إيران وممارسة أقصى ضغط عليها وعلى الإدارة الأمريكية من أجل شن حرب أو هجمات ضد طهران، لكن ترمب لا يريد حربًا هو يريد فقط، جذب إيران إلى التفاوض، من خلال تلك الشخصيات، المتشددة تجاه إيران. فمن ناحية، يقوم ترامب بحشد عسكري في الخليج، ومن ناحية أخرى، فإنه يدعو القادة الإيرانيين للتفاوض قائلًا، هيا لنتقابل وجهًا لوجه.

إسرائيل ليست الوحيدة

لكن، يستدرك الكاتب قائلًا، إن القوات الأمريكية في الخليج ذات حدين، فمن جهة، يمكن أن يؤدي الوجود العسكري في الخليج إلى اتصال دافئ مع القوات الإيرانية ومن جهة أخرى، يمكن أن تخرج الأمور عن السيطرة، مشددًا أن هذا الخطر موجود دائما.

لكن ليست فقط إسرائيل من تريد الحرب، إنما هناك جهات أخرى، بحسب الكاتب. ومن هذه الجهات، “المجمع الصناعي العسكري الأمريكي” الذي يطلب أيضًا من ترامب معارك جديدة، ما يلفت الانتباه إلى هذه السياسة القذرة للمجمع من وقت لآخر، ولتجنب غضب مجمع ترامب العسكري المتوحش، ركز سياسته الخارجية على مبيعات الأسلحة.

عيّن ترامب باتريك شاناهان، الذي خدم لأكثر من 30 عامًا في “بوينغ”، كنائب لوزارة الدفاع، وهو المنصب الذي أخلاه جيمس ماتيس. بعد استقالة شاناهان، رشح ترامب مارك إسبير، الذي كان لسنوات عديدة من جماعات الضغط في شركة “رايثيون”، التي أنتجت أنظمة “باتريوت” الدفاعية.

وعلى الرغم من الجهود التي بذلها الكونجرس الأمريكي للحظر، فإن إدارة ترامب وقعت عقود أسلحة جديدة مع السعوديين والإمارات، إذ قال في محاولة للتغلب على جهود الكونغرس التي تحاول عرقلة صفقات سلاح إدارة ترامب: “إذا لم نبع نحن، يشتري السعوديون من غيرنا، وهنا في السوق يوجد الروس والصينيون وغيرهم”. ووصف الكاتب أن ترامب يدير سياسة شد الحبل في هذه الشبكة المعقدة من المصالح.

لذلك، ختم الكاتب مقاله، هناك خطر من أي خطوة لا تتسم بالتوازن، والذهاب إلى حرب، قد لا تكون الحرب مع إيران في الأفق بعد، لكن دعونا لا ننسى أن المحافظين الجدد يتسللون بصمت وينتظرون الكمين. 

السابق
هل تحفز سياسات ترامب التقارب بين إيران وجماعة الإخوان المسلمين؟
التالي
اجتماع عاصف بين بومبيو والملك سلمان

اترك تعليقاً