اخترنا لكم

ما المصلحة الإماراتية في إقامة دولة جنوب اليمن؟


تم تشكيل التحالف العربي الذي سرعان ما تحول إلى تحالف إماراتي سعودي فقط، لغرض استعادة الشرعية اليمنية المسلوبة من قبل مليشيات الحوثي التي استولت على مقاليد السلطة في اليمن بالقوة من حكومة عبد ربه هادي منصور. وبعد خمس سنوات من القتال المرير في أرض اليمن، حرقت الأخضر واليابس فيها، لم تسترد تلك الشرعية إليها، وما زال من يمثل الشرعية، قابع في الرياض ينتظر الفرج، بل أن ما حدث هو العكس، فقد تقوضت تلك الشرعية، وعزز الحوثي سيطرته على العاصمة صنعاء وباقي المناطق التي يسيطر عليها، وما يسمى بالمناطق المحررة عاثت فيها الإمارات فسادًا، وشكلت العديد من المليشيات هناك، حتى وجدت ضالتها في الانفصاليين الجنوبيين، ليتحكموا من خلالهم بالمشهد الأمني في العاصمة المؤقتة عدن، ولتمنع بهم ممثلي الشرعية من أن تطأ اقدامهم تلك العاصمة البديلة. وأصبحنا نرى بعد خمس سنوات من القتال، مليشيات الحوثي التي تأسس ذلك التحالف لردعهم، بدأت تأخذ زمام المبادرة وتنتقل من مرحلة الدفاع الذي نجحت فيه لحد الان، إلى مرحلة مهاجمة أهداف لها في العمق السعودي والإماراتي، وأنقلب الميزان العسكري، إلى الدرجة التي تبحث فيه دول التحالف “العربي” وبالأخص السعودية، عن مخرج لها من الورطة التي أوقعوا أنفسهم فيها. 

وفي الأيام الأخيرة تناهت إلى مسامعنا، أخبار انسحاب القوات الإماراتية من الجنوب اليمني، وكانت التوقعات متفائلة بعض الشيء، بأن الإمارات ربما أخيرًا قد ثابت إلى رشدها وقررت التخلي عن مغامرتها في نشر الدمار في الأراضي اليمنية، وبدأت تُفكر بترك اليمنيين ليحلوا مشاكلهم بأنفسهم، لكن سرعان ما تبدد التفاؤل، وبانت النوايا الحقيقية التي كانت تبيتها القيادة الإماراتية لهذا البلد المنكوب، فقد استقر عند القادة الإماراتيين، بأن الوقت الحالي يتوافق جدًا لتشكيل دولة يمنية جنوبية انفصالية، تأتمر بأوامرها، ويتلقى قادتها نظير ذلك رواتبهم منها، فأوعزت لقوات مليشيا “الحزام الأمني” التي في جل عناصرها من الانفصاليين الجنوبيين، بضرب الشرعية اليمنية، وإعلان دولتهم الجنوبية المستقلة وعاصمتها عدن، والحجة التي تبرر فيها عملها هذا كما هو معلوم وعلى عادة المخابرات الإماراتية، هي محاربة إرهابي “الاخوان” كما يسمونهم، وممثليها في اليمن “حركة الإصلاح”، وهذه التهمة هي الوسيلة المعتمدة والمفضلة لك الانظمة العربية التي تقف بالضد من تطلعات شعوبها، والتي تشن حربا ضد كل فكر تحرري في المنطقة.

في هذا الصدد، أعلن هاني بن بريك، نائب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، إلى ما وصفه بـ “النفير العام” والزحف إلى قصر معاشيق (القصر الرئاسي) بعدن، لإسقاط من وصفهم بـ “الخونة المنتمين لحزب الإصلاح الإخواني”، رغم إن حركة الإصلاح، ماهي إلا حزب وطني كان ولا زال، داعمًا للشرعية، ولا يمتلك مليشيا مثل كل المليشيات المسلحة التي اسستها الامارات وغير الامارات في الأرض اليمنية. 

إن من شأن إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي إنفصاله وفك ارتباطه بشمال اليمن، تمهيدًا لإعلان دولته المستقلة في جنوب اليمن، سيضرب لا محالة بمشروع التحالف العربي بالصميم، لأنه ببساطة يتعارض بشكل صارخ مع أهم أهداف التحالف التي تم تشكيله لأجلها، وسيضرب مصداقية المملكة السعودية ويطيح بسمعتها الدولية، بعد كل الخسائر التي تكبدتها في اليمن.

والغرابة في إن التحرك العسكري الأخير لمليشيا المجلس الانتقالي، كان حسب ادعائهم، ردًا على الاستهداف الذي قامت به مليشيات الحوثي لتجمع لهم وسقط فيه 49 قتيلًا، منهم أحد قياديها، وبدلًا من أن ترد على الحوثي، آثرت تلك المليشيا بالرد على جيش الشرعية في عدن.

المصلحة الإماراتية في تأسيس دولة جديدة جنوب اليمن

وفيما يبدو إن القادة الإماراتيين قد صدّقوا أنفسهم، حينما وصفهم الجنرال المتقاعد جيمس ماتيس وزير الدفاع الأمريكي الحاليّ، بـ”أسبارطة الجديدة”، تلك المدينة اليونانية القديمة التي رغم قلة عدد جيشها، إلا إنها تميزت بقوتها وانتصاراتها على الفرس، فبدأوا يتصرفون وفق هذه الرؤية الجديدة، ويريدون أن يكن لهم موطئ قدم في القرن الافريقي من خلال دولة موالية لها في الجنوب اليمني، يستطيعون خلالها السيطرة على موانئها، وموقعها الاستراتيجي المطل على مضيق باب المندب، ومن الأسباب التي جعلت الإمارات تؤكد على سيطرتها على الجنوب اليمني، هو التراجع الإماراتي المخزي في محاولاتها للسيطرة على موانئ الصومال وموانئ جيبوتي. وإعتمادًا على الاقتصاد الأزرق الذي نجحت فيه الإمارات بمينائها “جبل علي”، تحاول تعميم تجربتها تلك على موانئ اليمن المنكوب، بعد فشلها مع موانئ الصومال وجيبوتي. وفي سبيل ذلك عمِدت الإمارات إلى تصليح علاقتها مع النظام الإيراني، الذي هدد بشكل مباشر كل دولة خليجية تدعم التوجهات الامريكية والسعودية في شن حرب على بلدها، بل ويرجح إن تكون الامارات، قد عقدت صفقة مع إيران، تقضي بالسماح لها بالاستفراد بدولة جديدة بجنوب اليمن، شرط أن تخرج الإمارات من الصراع مع الحوثي، وتعمل على تعزيز سيطرة الحوثي على الشمال اليمني. تلك الصفقة إذا ما ثبت صحتها، فأنها تعني تخلي الإماراتيين عن أمير السعودية الصغير محمد بن سلمان، وتركه وحيدًا أمام مليشيات الحوثي التي يزداد كل يوم عدد أهدافها داخل العمق السعودي. فهل يا ترى سيعي الأمير محمد بن سلمان، حجم الخديعة التي وقع فيها من أقرب حلفائه؟ 

من جانب أخر، فأن الإمارات التي تعودت على فشل مساعيها في كل صوب، ربما إذا نجحت هذه المرة في إزاحة حزب الإصلاح من المشهد السياسي اليمني، فهو بالنسبة لها انجاز كبير لها لا يقل أهمية عن مخططاتها في السيطرة على موانئ البلد. بل ربما نستطيع أن نقول، إن كل ما يجري في عدن ربما هو بالأساس عملية استهداف إماراتية سعودية لتواجد حزب الإصلاح وتصفيته سياسيًا في هذا البلد، ليس أكثر. 

ووفقًا لسياسية المملكة  السعودية بشأن دعمها للشرعية وليمن واحد غير مقسم، فإنها ستجد نفسها في ورطة كبيرة بهذا الوضع الجديد الذي أوقعتها فيه الإمارات، إلا إذا كان محمد بن سلمان متورط مع قادة الامارات في هذه المسرحية التي جرى عرضها في عدن، ولو كانت بن سلمان غير متورط هو الاخر في مشروع تقسيم اليمن، أليس  كان عليه أن يفطن لهذه الخديعة منذ وقت مبكر، لا سيما وإن كثير من المؤشرات كانت تدل على ذلك، بل إن قادة الحكومة الشرعية حذرت المملكة بوقت مبكر من محاولات اليمن للاستحواذ على مقاليد الحكم في جنوب اليمن، لكن السعودية لم ترد عليهم ولا على  تحذيراتهم. لا نعرف لماذا يجعل محمد بن سلمان من نفسه مطية لمحمد بن زايد، يستخدمه لتنفيذ أجنداته، وأين المصلحة السعودية في ذلكن حينما ينفصل الجنوب اليمني وتتأسس دولة حوثية في الشمال اليمني. بل إن هذه النتيجة سوف تعتبر أكبر خسارة له في أهم معركة مع غريمه النظام الإيراني بالمنطقة، وستكون إيران الجار المزعج له في جنوب مملكته. 

أمام كل هذه المعطيات، يبدو إن والصمت وغض النظر السعودي تجاه التحركات الإماراتية، يجعل منها دولة غير داعمة للشرعية كما تدعي، بل شريكة للإمارات في تقويض الشرعية، لكن مع ذلك يبقى الغزل الإماراتي، ومخططاتهم الخبيثة لتقسيم هذا البلد، هواء في شبك، والاستهجان لأفعالهم يصدر من اليمنيين الجنوبين قبل الشماليين، ومن المتوقع إن مؤامراتها ستفشل في اليمن، كما فشلت في كثير من الدول التي دعمت فيها الانقلابيين والانفصاليين، وفشلها في اليمن سيكون شبيه بفشل من سبقها من الدول التي طمعت بهذا البلد، ذلك لان اليمن وعلى مر العصور، كان مقبرة للغزاة.

نظير الكندوري

السابق
الشيخ علي يكشف الاسم الحقيقي“للناصري” و ما كان يفعله قبل 20 سنة!
التالي
السفارة اليابانية تصدر تعليمات جديدة بشأن منح الفيزا اليابانية للعراقيين

اترك تعليقاً