اخترنا لكم

ما مدى استقرار المملكة العربية السعودية؟

إن استقرار المملكة العربية السعودية ليس تحت التهديد المباشر، ولكن الأسئلة حول مصير المملكة على المدى الطويل مستمرة.

أصبح التكهن حول مستقبل المملكة العربية السعودية واحدة من أكثر الألعاب التخمينية شيوعا بين خبراء الشرق الأوسط. منذ بداية الانتفاضات العربية في عام 2011، إن لم يكن من قبل، أثيرت الشكوك حول الاستقرار السياسي في المملكة العربية السعودية بوتيرة ثابتة تقريباً. هذا الاهتمام مبرر: فالمملكة العربية السعودية مورد رئيسي للطاقة، وأي انقطاع مستدام ناجم عن الاضطرابات الداخلية من المرجح أن يعكر صفو الأسواق العالمية. وعلاوة على ذلك، يمكن أن تؤدي الاضطرابات الخطيرة إلى تقويض الاستقرار في أماكن أخرى في الشرق الأوسط وتثير قلقا عميقا في جميع أنحاء العالم الإسلامي بشأن أمن الأماكن المقدسة.

ومع كل هذه المزاعم المؤكدة بأنها مسألة وقت قبل أن تتعرض المملكة لاضطرابات داخلية وحتى لانهيار النظام، لا تزال المملكة العربية السعودية واحدة من أكثر البلدان استقرارا في المنطقة. وقد صمدت أمام التراجع الكبير في أسعار النفط العالمية وتدني إيرادات الدولة، وعالجت ما كان يمكن أن يكون نزاعاً حول الخلافة الملكية، واستكملت تدخلا عسكريا مكلف في اليمن المجاور دون مواجهة ردة فعل محلية كبيرة، وكل ذلك يتنافى مع توقعات العديد من المراقبين الخارجيين . فهل المملكة العربية السعودية مثل الكلب الذي ينبح باستمرار و لا يعض؟ أم أن هناك شعوراً خاطئاً بالهدوء حتى الآن، قبل أن تتبلور فجأة المخاطر الكامنة لعدم الاستقرار ؟ بعبارة أخرى، إلى أي حد يجب أن نكون قلقين؟

أفضل طرق التصدي لهذه التساؤلات هي بالدرجة الأقل من خلال محاولة التكهن بما يجري  داخل المملكة العربية السعودية، وهو أمرمبهم بالنسبة للمراقبة الخارجية، وبالدرجة الأكبرمن خلال الاعتماد على ما يعرفه علماء الاجتماع عن أسباب عدم الاستقرار السياسي وتغيير النظام، ولا سيما في الدول غير الديمقراطية. الجزء الأكبر من التعليقات حول استقرار المملكة العربية السعودية يندرج ضمن الفئة السابقة. الكثير منها يؤكد أن استقرارالمملكة العربية السعودية يمكن أن يتزعزع  إما من الأسفل،  من خلال تزايد الاضطرابات الشعبية، أو من فوق، من خلال خصومات منهكة داخل الأسرة المالكة الحاكمة، مع نقاش ضئيل أو معدوم عن السيناريو الأرجح. ما الذي يمكن أن يؤدي إلى مثل هذه الأحداث وما الذي يمكن أن تنتهي عليه، وكيف يمكن أن يكون “بعد غد”، يبدو وكأنه نادرا ما يتم بحثه.

دولة هشة؟

وغالبا ما يدرس المحللون الذين يقيمون مدى تعرض الدول لعدم الاستقرار السياسي سلة من “عوامل الخطر” التي يعتقد عموما أنها ترتبط ببدء هذه الأحداث. وتشمل هذه العوامل مصادر التوتر الإقتصادية والإجتماعية والسياسية المحتملة، فضلاً عن قدرة الدولة على إدارة التحديات الداخلية المحتملة أو الهزات الخارجية، بما في ذلك ولاء قوى الأمن الداخلي، وتماسك القيادة، وحالة خزينة الأمة.

وكثيرا ما تتراكم عوامل الخطرالمنفردة و تتجمع حتى تبلغ  درجة  عالية من الهشاشة ؛ وهذا بدوره يمكن استخدامه لترتيبها ضد بلدان أخرى. وكانت النتائج التي توصلت إليها المملكة العربية السعودية باستخدام هذا النهج متسقة تماما في السنوات الأخيرة: فقد ارتفع مستوى المخاطر الإجمالي، ولكن الوضع ليس حرجاً على الإطلاق.

إن فشل خطة التغيير الوطني يمثل أكبر خطر على المملكة العربية السعودية.

على سبيل المثال، آخر مؤشر للدول الهشة في عام 2017، وهو تقييم شائع الذكر للدول الضعيفة وغير المستقرة والذي يصدره صندوق السلام، وهو منظمة غير حكومية، صنف السعودية في المرتبة 101من بين 178 بلدا.

وبالمثل، فإن مؤشر البنك الدولي للاستقرار السياسي وغياب العنف، وهو واحد من المؤشرات الستة المتبعة في مائتي بلد لمشروعها  حول مؤشرات الحكم العالمي، قد صنف المملكة العربية السعودية في الثامن والعشرين بالمئة  في عام 2015. ومن عام 1996 إلى عام 2015، كان المعدل المتوسط-0.31، مع -2.5 مصنفة على أنها ضعيفة و 2.5 قوية.

كما صنف تقرير “دول الهشاشة” الصادر عن منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي في عام 2016 المملكة العربية السعودية بأنها تقع ضمن “نطاق الاستقرار السياسي المعقول”. وتوصلت التحليلات التي يقوم بها مقومو المخاطر التجارية إلى استنتاج مماثل.

وعلى الرغم من أن مؤشرات المخاطر هذه يمكن أن تعتبر مطمئنة، فإنها لا تبدد تماما القلق من أن الأحداث غير المتوقعة قد تتجمع فجأة لزعزعة استقرار المملكة العربية السعودية. إن الأنظمة التي تبدو ظاهريا  مستقرة أو تظهر وكأنها تحافظ على قبضة حديدية في السلطة  قد انهارت في الماضي، بعد كل شيء، مع القليل من أوانعدام التحذير. الشرق الأوسط ليست استثناء. على سبيل المثال، لم تكن تونس ومصر وليبيا وسوريا تعتبر غير مستقرة بشكل خاص قبل الربيع العربي، وفقا للمؤشرات الرئيسية لهشاشة الدولة، ولكن كلها بعد ذلك تمزقت بفعل صراع عنيف. فما هي السيناريوهات المستقبلية الأكثر معقولية بالنسبة للمملكة العربية السعودية؟

صدمة المستقبل؟
عموماً هناك ثلاث طرق ممكنة للإطاحة بالأنظمة الاستبدادية: التمرد الشعبي، الانقلاب، أو الإكراه الخارجي. أما بالنسبة للمملكة العربية السعودية، فالأخيرة هي الأقل احتمالا. فإيران، العدو الرئيسي للمملكة العربية السعودية، ليست لديها القدرة على إحداث تغيير في النظام، على الرغم من أنه يمكن أن يثير الاضطرابات في المجتمعات ذات الغالبية الشيعية في المنطقة الشرقية للمملكة وفي البحرين واليمن المجاورين. ومن غير المرجح أن تشكل مثل هذه الاضطرابات تهديدا وجوديا للمملكة، ولكن بالاقتران مع تحديات أخرى، يمكن أن تصبح أكثر من مجرد إزعاج.

كما يبدو ان انقلابا عسكريا غير مرجح. تواتر هذا النوع من تغيير النظام قد انخفض منذ 1960s، عندما فقد 50 في المئة تقريبا من الحكام المستبدين السلطة بهذه الطريقة، والمملكة العربية السعودية ليست بلدا عرضة للانقلابات؛ كانت آخر محاولة معروفة منذ خمسين عاما تقريبا، كما أن المسافة بين المراكز الحضرية الرئيسية الثلاثة في المملكة العربية السعودية ستجعل من الصعب على جمعية سرية عشكرية السيطرة  عليها بسرعة. وعلاوة على ذلك، فإن قوات الأمن السعودية ليست تحت سلطة قيادة واحدة، فإنها تأخذ التوجيهات من مختلف أفراد العائلة المالكة،مما يخلق تحديا إضافيا لأي متآمرين للقيام بانقلاب محتمل.

غير أن القيادة اللامركزية تعني أن الخلافة الملكية المتنازع عليها يمكن أن تتحول عنيفة. وهذا الاحتمال ليس بعيد المنال، خاصة إذا صدقنا الشائعات عن سخط داخل ال سعود حول قوة ونفوذ محمد بن سلمان، ابن الملك سلمان ونائب ولي العهد. في سن مبكرة في الواحد وثلاثين، اكتسب مجموعة متزايدة من المسؤوليات، التي تتراوح بين وزير الدفاع الى رئاسة المجلس الاقتصادي، على حساب المزيد من كبار أعضاء الأسرة المالكة، يقال ان ذلك تسبب في استياء كبير. كما ازدادت التكهنات بأنه يمكن أن يرتفع إلى أبعد من ذلك، ويصبح خليفة الملك سلمان المعين قبل أن يتوفى الملك، الذي هو قي الواحد وثمانون من العمروليس في أفضل الأحوال الصحية. ويمكن أن يؤدي ذلك إلى مزيد من الانقسامات داخل الأسرة المالكة حتى لو انها تقاوم.

إن كانت أزمة الخلافة في المستقبل تتحول إلى شيء أكثر خطورة فمن المرجح أن يتوقف هذا على نجاح مبادرات الإصلاح المحلي الأخيرة التي تصورها نائب ولي العهد لتنويع وتوسيع الاقتصاد السعودي على أمل رفع مستويات المعيشة على مدى السنوات العشر إلى الخمس عشرة المقبلة. وقد تم تحديد خارطة الطريق لتحقيق ذلك في بيان رؤية 2030 وخطة التحول الوطنية المرتبطة بها. هدفه هو تطوير قطاعات الاقتصاد السعودي مثل الدفاع والتجزئة والطاقة المتجددة، والقطاع الخاص بشكل عام، بحيث لا تعتمد البلاد اعتمادا كبيرا على النفط والغاز، والتي تمثل أكثر من 50 في المئة من إجمالي الناتج المحلي. وتدعو الخطط أيضا إلى تخفيض الإعانات الحكومية لتقليل أعباءها على الميزانية. وقد تم إنشاء صندوق ثروة سيادية جديد لدعم الاستثمارات الوطنية التي من المتوقع أن تحصل على ضخ كبير من الاكتتاب العام الجزئي القادم لشركة أرامكو السعودية، وهي شركة النفط الضخمة التي تديرها الدولة.

وهي خطط طموحة لتحويل الاقتصاد السعودي، بالاضافة إلى التعاقد الذي طال أمده بين المواطنين والدولة، والذي يكفل الرفاه إلى حد ما من خلال التوظيف الحكومي والاعانات. ليس من المستغرب، ما إذا كانت الخطة ستتحقق . وما إذا كانت الاصلاحات ستولد فرص عمل جديدة كافية لاستيعاب النمو السريع المتوقع في عدد السكان في سن العمل في السعودية غير المؤكدة. وتدعو خطة التحول الوطنية إلى إنشاء ستة ملايين وظيفة جديدة بحلول عام 2030، وهو رقم يتجاوز بكثير كل ما تم إنجازه من قبل ولا يأخذ في الحسبان النساء المحتملات في سوق العمل. وسيتعين على القطاع الخاص ليس فقط التوسع بشكل كبير، بل أيضا توظيف المواطنين السعوديين بدلا من الأجانب، والتي ستكون أيضا غير مسبوقة.

وخلال الفترة نفسها، سيطلب من الأسر السعودية التكيف مع فقدان الإعانات السخية. وقد علقت مؤخرا الخطط الأولية لخفض الامتيازات المقدمة للموظفين الحكوميين، الذين يشكلون ثلثي مجموع السكان،قد علقت مؤخرا, وذلك على الأرجح بسبب الاستياء الذي ولدوه. يمكن أن ينمو الغضب الشعبي إذا لم ينظر إلى أفراد العائلة المالكة على أنهم يشدون الأحزمة هم أيضا. وعلى الرغم من التدابير التقشفية الأخيرة، يبدو أن الأسرة المالكة السعودية لم تغير عادات إنفاقها بشكل كبير. وبالمثل، مع تغير التركيبة الديمغرافية <، يبلغ معدل بطالة الشباب في المملكة العربية السعودية حوالي 30 في المائة ويتوقع أن يزداد في السنوات المقبلة؛ نصف السكان هم دون سن الخامسة والعشرين. ومع وجود فرص عمل محدودة وعدد السكان الشباب المتعلمين والموصولين بشكل جيد، فإن 93٪ من المواطنين السعوديين متصلون على الإنترنت online، و 2.4 مليون منهم ناشطون على تويتر، وهو ما يمثل نصف مستخدميه النشطين في المنطقة العربية – إمكانية التنظيم والثورة موجودة. وقد تؤدي متطلبات الشفافية الاكبر المرتبطة بالاكتتاب العام لشركة أرامكو إلى تفاقم مثل هذه المظالم من خلال الكشف عن مدى استفادة الاسرة المالكة من عائدات النفط والغاز.

 

ومن المرجح أن تزداد حدة هذه التحديات المالية والاقتصادية إذا لم تسترد أسعار الطاقة العالمية معدلاتها السابقة أو حتى انخفضت، وكذلك إذا كانت التحديات الامنية الخارجية تفرض أعباء مالية إضافية على الدولة. وباختصار، يمكن أن يصبح الوضع الداخلي متقلبا إذا ما تكاثفت عدة تطورات معقولة في “عاصفة كاملة” يمكن أن تؤدي إلى اضطرابات متزايدة وتحديات مفتوحة أمام الأسرة المالكة. ان نجاح مثل هذه التحديات سوف يتوقف على تماسك النخبة الحاكمة. والواقع أن فرقة العمل المعنية بعدم الاستقرار السياسي، التي تدعمها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية لإجراء تقييمات للحكومة الأمريكية، تعتبر أن هذا العامل هو العامل الأكثر أهمية في تحديد ما إذا كانت الأنظمة الحاكمة تستسلم للتحديات السياسية الداخلية.

وعلى الرغم من أن فشل خطة التحول الوطنية يمثل الخطر الاكبر الوحيدعلى المملكة العربية السعودية، فإنه لا ينبغي أيضا التغاضي عن الآثار المحتملة لنجاحها. ومن المفارقات أن توسع الطبقة الوسطى السعودية التي لا تربطها بسخاء الدولة يمكن أن يؤدي إلى زيادة المطالب بالإصلاح السياسي. وكما توحي فرقة العمل المعنية بعدم الاستقرار السياسي، فإن الأنظمة الاستبدادية التي تخضع لإصلاحات جزئية لنظم أكثر ديمقراطية معرضة بشكل خاص للتحطيم.

خلاصة القول:

ليس هناك سبب مقنع للقلق من أن المملكة العربية السعودية سوف تشهد عدم استقرار سياسي خطير أو انهيار النظام في العام أو العامين المقبلين. ومع ذلك، هناك أسباب تدعو للقلق بشأن ما سيحدث لاحقا. إن نجاح الإصلاحات الاقتصادية المحلية المخطط لها غير مظمون بأي حال من الأحوال، وتزامن العديد من التطورات المعقولة، عملية خلافة محتملة للانقسام، وتفاقم البيئة الخارجية، وتزايد الاضطرابات في الداخل، بما في ذلك تصاعد الهجمات الإرهابية من الجهاديين السعوديين العائدين من الخارج يمكن أن يشكل تحديا قد لا يتمكن النظام الحاكم من إدارته. وهذا لن يعني بالضرورة أن المملكة العربية السعودية سوف تسير في طريق بلدان الربيع العربي، ولكن التشنجات قد لا تزال واهنة. كما أن عدم الاستقرار السياسي وتغيير النظام سيؤديان بالضرورة إلى جعل المملكة العربية السعودية أكثر ديمقراطية. والواقع أن زوال حاكم أو نظام استبدادي يؤدي في كثير من الحالات إلى صعود آخر.

 

ملخص مختصر من قبل بول B. ستارس وهليا إيغاني

15 مايو 2017

مجلس العلاقات الخارجية  council foreign relations

 

أنتج هذا الموجز الذي أعده الخبير كجزء من سلسلة التخطيط للطوارئ التي وضعها مركز العمل الوقائي، بدعم سخي من صندوق الأخوة روكفلر.

رابط المادة:

https://www.cfr.org/expert-brief/how-stable-saudi-arabia

 

 

 

 

 

السابق
ماذا سيحدث في اليوم التالي للاستفتاء الكردي ؟
التالي
شعب ابي حر

اترك تعليقاً