أبحاث ودراسات

ما هي اسباب الغزل الصيني-الايراني؟

الصين تغازل إيران
لماذا حزام واحد، طريق واحد سوف يمرمن خلال طهران؟

بما ان أداره ترامب تعمل علي تفاصيل استراتيجيتها لاحتواء إيران ، فان الصين تبحث عن سبل لإدخال إيران في النظام العالمي.وبعد مؤتمر الحزب الأخير الذي عزز قبضة الرئيس شي جينبينغ على السلطة، من المحتمل ان تتخذ هذه الجهود شكل استكمال خطته الأكثر طموحا للسياسة الخارجية ، وهي مبادرة الحزام الواحد والطريق الواحد (أوبور)، التي ستكون طهران واحده من أهم المستفيدين منها. وقالت بكين ان هناك حاجه إلى (أوبور) لخلق البنية التحتية لتشجيع التجارة ، ولكن المبادرة أكبر من ذلك بكثير. وهي أيضا وسيله لبناء الثقة السياسية بين الدول المشاركة. ويبدو أنها تعمل في إيران. وهناك ، هناك، ينظر إلى (أوبور) كمشروع من شأنه أن يجعل إيران شريكا لا غنى عنه ليس فقط للصين ولكن أيضا للهند وروسيا ودول وسط آسيا.

طرق الحرير

رحبت طهران منذ البداية بحرارة بخطة شي التي أطلقت في عام 2013. ويضع المشروع، الذى تبلغ قيمته تريليون دولار، وهو خطة تتراوح بين 10 و 15 عاما لربط الصين بالاسواق العالمية من خلال مجموعة واسعة من طرق التجارة البرية والبحرية عبر اوراسيا، هذه الخطة تضع ايران فى قلب الخطط العالمية للصين.
وهناك عاملان يجعلان إيران لاعبا مركزيا: جغرافيا لا مفر منها وفائدتها كشريك أمني مستقر نسبيا في منطقة الشرق الأوسط المضطربة. الموقع الجغرافي الإيراني يجعلها الجسر البري الوحيد القابل للتطبيق من الخليج الفارسي إلى دول آسيا الوسطى غير الساحلية (سوق حوالي 65 مليون نسمة) والدول الثلاث في القوقاز (أرمينيا وأذربيجان وجورجيا). والصين ملتزمة بأن تصبح القوة الاقتصادية والسياسية السائدة في هذه المناطق.
في الوقت الراهن، وسط آسيا لديه ثلاثة منافذ إلى الأسواق العالمية: شرقي عبر الصين، جنوبي عبر إيران، والغربي عبر روسيا. ويمنح التنفيذ الناجح ل (اوبور) للصين السيطرة الفعلية على اثنين من المنافذ الثلاثة. وبالفعل، تقود كازاخستان مجموعة دول آسيا الوسطى الخمس للارتباط مع إيران. وفي كانون الأول / ديسمبر 2014، افتتحت كازاخستان، مع إيران وتركمانستان، خطا للسكك الحديدية يبلغ طوله 575 ميلا بين البلدان الثلاثة. وعلاوة على ذلك، قام الرئيس الكازاخستاني نور سلطان نزارباييف، خلال المفاوضات النووية بين إيران والغرب، بدور الوسيط بين الجانبين. وفي الوقت نفسه، في شباط / فبراير 2016، وصلت أول شحنة من الصين إلى إيران عبر خط السكك الحديدية بين كازاخستان وتركمانستان وإيران.
في الوقت نفسه، يشكل أوبور بعض الشكوك بالنسبة للإيرانيين. وكان أحد أكبر مشاريع البنية التحتية في إيران في العقد الماضي هو تطوير ميناء تشابهار للمياه العميقة على شاطئ المحيط الهندي. وقد تأخر هذا المشروع كثيرا، ولكنه لا يزال خيارا حاسما بالنسبة لمنفذ أكثر قابلية للاستمرار تجاريا لدول آسيا الوسطى وأفغانستان. وليس من قبيل المبالغة القول إن الإيرانيين يريدون تحويل الميناء إلى منافس لدبي، حتى لو لم يكن هذا السيناريو مستبعدا في المستقبل المنظور. ومع ذلك، وفي الوقت نفسه، استثمرت الصين بكثافة في مشروع منافس في ميناء جوادار في باكستان المجاورة.
ومما يزيد تعقيد الامور ان الهند المنافس الرئيسى للصين هو من بين الدول الاجنبية التى تساهم بشكل كبير كشريك لايران فى تنمية تشابهار. وقد ذكرت المصادر الإيرانية أيضا اليابان كمستثمر محتمل في تشابهار. ويذكر ان اليابان مهتمة بتطوير الميناء لنفس الاسباب مثل الصين وهى تعزيز العلاقات مع السوق الايرانية التى يبلغ قوامها 80 مليونا فى الوقت الذى تحول فيه الاراضى الايرانية الى قناة عبور الى اسواق اسيا الوسطى.
تنظر بكين إلى إيران وآسيا الوسطى ليس فقط من خلال عدسة اقتصادية بل أيضا من خلال منظور أمني. وتعتبر بكين، اسيا الوسطى المتاخمة لمناطقها الغربية المتخلفة نسبيا، منطقه مكشوفة تحتاج إلى ان تندمج بشكل وثيق في المجال الاقتصادي والسياسي للصين.
وقد كانت حكومات اسيا الوسطي شريكه أكثر أو اقل استعدادا. وقد حلت الصين محل روسيا باعتبارها أكبر شريك تجاري للمنطقة. ومن المتوقع الآن ان يوطد التعاون حول المسائل الامنيه. والبنية التحتية المؤسساتية موجودة بالفعل لتيسير هذا التعاون ، ولا سيما منظمه شنغهاي للتعاون.
وتعتبر القيادة في كل من الصين وآسيا الوسطى ان ايران شريكا امنيا لا مفر منه. ولا يرجع ذلك إلى جغرافيتها فحسب، بل أيضا إلى التصور بأن إيران لا تشكل تهديدا عندما يتعلق الأمر بمسألة رئيسية واحدة هي: تصدير الإسلام الراديكالي إلى ساحاتهم الخلفية. وعلى الرغم من التزام طهران بأيديولوجيتها الاسلامية، تعتقد حكومات اسيا الوسطى والصين ان ايران توقفت الى حد كبير عن جهودها لتصدير رسالتها السياسية الى جيرانها الشماليين. وبدلا من ذلك، كانت جهود طهران لتصدير نظرتها الإسلاموية موجهة إلى العالم العربي، وخاصة مجتمعات الأقلية العربية الشيعية. وفى الوقت نفسه، وباعتبارها دولة ذات غالبية شيعية، فان الرسالة الاسلامية الايرانية سيكون لها دائما جاذبية محدودة فى دول اسيا الوسطى ذات الاغلبية السنية او بين الاقلية المسلمة فى الصين. في المقابل، تخشى الصين ودول آسيا الوسطى تاريخيا من دور الدول ذات الأغلبية السنية في نشر عقيدة دينية متطرفة.
وفي المقابل، وعلى الرغم من حجم التجارة الضخم، تتعاون الصين قليلا جدا مع دول الخليج العربية في المجال الأمني. وفي الآونة الأخيرة فقط عقدت السعودية والصين محادثاتهما الأولى حول مكافحة الإرهاب. وعلى النقيض من ذلك، اجرت الصين سلسلة من المحادثات الامنية والدفاعية مع ايران، والروابط العسكرية الصينية الايرانية عميقة، تعود الى اوائل الثمانينيات.

اصدقاء جدد؟

وعلى الرغم من سنوات من العلاقات المثيرة للجدل مع الدول الغربية، فإن إيران تعتبر من قبل الصين دولة قومية دائمة وقوية في الشرق الأوسط، ومع ذلك بقيت خارج أي تحالفات اقتصادية وأمنية إقليمية. وتعتقد الصين انها يمكن ان توفر الشراكة التى تفتقر اليها ايران حاليا.
ومع ذلك ، فان الصين لا تزال لديها شكوك حول إيران. اخذين بالحسبان موقف الصين الأخير تجاه المحاولة الايرانيه الطويلة الأمد للانضمام إلى منظمه شانغهاي للتعاون كعضو كامل العضوية في تلك المنظمة. ويعتقد علي نطاق واسع ان روسيا تحبذ انضمام إيران إلى الهيئة الجماعية المتعددة الأطراف التي تقودها موسكو وبكين. بيد ان الإيرانيين غير متاكدين من انفتاح بكين علي هذه الفكرة. وقد رفضت منظمة شانغهاى مرارا وتكرارا البدء في محادثات لانضمام طهران اليها ، وذلك ولد إلى حد كبير خيبه أمل لإيران.
وقد أغضب مسار منظمه شنغهاي للتعاون الإيرانيين كثيرا لدرجه انه يقال انهم يعيدون تقييم عرض عضويتهم . وفي الواقع ، وبعد فشل محاولة إيران في الحصول على العضوية ، شككت مجموعه من المصادر شبه الرسمية الايرانيه في فائده عضويه المنظمة. ومع ذلك ، فان القيمة السياسية والرمزية لإيران التي تنضم إلى الهيئات المتعددة الأطراف مثل منظمه شنغهاي للتعاون لا يمكن ان تؤخذ باستخفاف. ومنذ ان قيام الجمهورية الاسلاميه في 1979 ، أخفقت إيران مرارا في الانضمام إلى أي هيئات جماعية يمكن أن تسهل الانخراط الدبلوماسي والاقتصادي بأي طريقة مجدية.إن تجربة طهران للعزلة الاقتصادية المكلفة زادت من شهيتها للاندماج.

الوصول العسكري

يعد الاستثمار الصيني سببا كافيا لإيران للترحيب ب(أوبور)، ولكن العوامل المحلية الأخرى تجعلها أكثر جاذبيه. وقد جادل الفصيل الإيراني المتشدد منذ فتره طويلة بأنه يتعين علي طهران إعطاء الاولويه للعلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع دول مثل روسيا والصين على العلاقات مع الدول الغربية.
وبدأت هذه السياسة شعارا في التسعينات وبانتهاء رئاسة محمود أحمدي نجاد، كانت حقيقة واقعة. وبحلول عام 2013، عندما ترك أحمدي نجاد منصبه، مثلت الصين نحو ثلث إجمالي التجارة الإيرانية. ويواصل بعض المتشددين، وخاصة أولئك الذين يوجدون فى صفوف الحرس الثورى الإسلامى، المطالبة بتوثيق العلاقات مع الصين. حتى الفصيل المعتدل في حكومة الرئيس حسن روحاني يعتبر الصين لاعبا أساسيا يمكن أن يكمل محاولات إيران الشاملة لكسر عزلتها الدولية السابقة.
والواقع أن العلاقات العسكرية بين البلدين إيران والصين توسعت بشكل ملحوظ منذ أن تولى روحاني منصبه في عام 2013، ولا سيما بعد الاتفاق النووي لعام 2015. وكان وزير الدفاع السابق حسين دهقان قد زار بكين فى مايو عام 2014 ووقع اتفاقا حول التعاون العسكرى. وفي تشرين الثاني / نوفمبر 2016، وقعت طهران وبكين اتفاقا لمكافحة الإرهاب. وفي حزيران / يونيه 2017، نظمت سفن بحرية صينية وإيرانية مناورات عسكرية مشتركة في بحر عمان الى الشرق من مضيق هرمز، شارك فيها نحو 700 من القوات البحرية من كل بلد. كانت هذه بعض من أكبر التمارين البحرية الت قامت بها إيران بالاشتراك مع قوة أجنبية في السنوات الأخيرة. ويحرص الجانب الإيراني على عدم تقديم آخر تعاون عسكري مع الصين على انه يستهدف أي جهة ثالثة، مثل الولايات المتحدة أو دول الخليج العربي. وتعلم طهران تماما أن الصين لن ترغب في الانخراط في جانب إيران في منافسات الشرق الأوسط. وبدلا من ذلك، يتم عرض الروابط العسكرية الأوثق كوسيلة لحماية التبادلات التجارية الشاسعة التى تقوم بها الدولتان كل عام.
وقد تم وضع الكثير من رؤية هذا التعاون خلال زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الصينب تشي جينبينغ إلى طهران في يناير / كانون الثاني 2016. ووافقت الدولتان على توسيع اطر التجارة لتصل الى 600 مليار دولار على مدى فترة 10 سنوات، فى الوقت الذى تقيم فيه ايضا تعاونا أقوى كجزء من خطة تستمر 25 عاما.

وكما هو الحال مع مناقشات طهران الجارية مع الروس، يقال إن إيران تدرس امكانية وصول الجيش الصيني إلى منشآت إيران الجوية والبحرية. ويؤيد البلدان بعض المسائل الرئيسية في الشرق الأوسط، بما في ذلك دعم نظام بشار الأسد في سوريا. ويبدو ان ذلك يتفق تماما مع الطموحات الدولية الايرانية والصينية اذا اصبحت اعادة اعمار سوريا مستقبلا جزءا لا يتجزأ من جهود بكين (اوبور) فى غرب اسيا. فقبل كل شيء، جوهر (أوبور) هو حول مشاريع البنية التحتية الممولة صينيا مثل الطرق وشبكات السكك الحديدية والموانئ.
إلى جانب التوسع في العلاقات العسكرية هناك علاقات وثيقة في قطاع الطاقة. في تموز / يوليو 2017، فازت وزارة النفط الإيرانية ومجموعة من شركة توتال الفرنسية، وشركة البترول الوطنية الصينية، وشركة طاقة إيرانية محلية بعقد قيمته 4.8 مليار دولار أمريكي لمدة 20 عاما لتطوير حقل بارس الجنوبي الإيراني، وهو أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم . لم تكن مشاركة شركة البترول الوطنية الصينية في الصفقة من قبيل الصدفة، نظرا لتاريخ الشركة الطويل ومصالحها العميقة في إيران. وبما ان الصين مازالت اكبر زبون للطاقة فى ايران، فانه من غير المستغرب قرار حكومة روحانى باعطاء حصة كبيرة لشركة صينية.ومن المحتم ان يؤدي الضغط الإضافي علي حكومة روحاني لكي لا تكون صديقه للغرب إلى جعل شركات الطاقة الصينية بعضا من أكبر اللاعبين في البلاد.
وبما ان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يستعد لجولته في اسيا ، فانه يجب ان يتذكر ان روسيا ليست الوحيدة التي تحرز تقدما أكبر في الشرق الأوسط ، والتي من المحتمل ان يكون على حساب نفوذ الولايات المتحدة. فالصين لديها استراتيجية كبرى من جهتها ، ويمكن القول ان بكين لديها في يدها اوراق أفضل . (اوبور)هو بلا شك تلميحا قويا ما الصين الى ما تفكر فيه . وتقوم بكين بنشر مجموعة من الأدوات الاقتصادية والعسكرية وغيرها لتوسيع نطاق انتشارها.وسيكون من الحماقة بالنسبة لصانعي السياسات في الولايات المتحدة ان ان يصرفوا النظر عن (اوبور) كجهد صينى عاجل لايجاد اسواق جديدة للطاقة الانتاجية الفائضة الضخمة فى بكين. وفي تطبيق (اوبور) الكامل ، يالاضافه إلى الجهود الصينية الأخرى مثل البنك الاسيوي للاستثمار في البنية التحتية وصندوق طريق الحرير الجديد ، يظهر ان بكين تسير بعد النظام العالمي لقواعد التجارة والممارسات الاستثمارية التي تهيمن عليها الولايات المتحدة.
وبفضل علاقاتها العدائية مع واشنطن ، ترى طهران أن (اوبور) الصيني فرصه لتحقيق مزيد من التكامل في غربي اسيا. ولكن يجب علي طهران ان تحرص علي عدم سوء فهم نوايا الصين. ستحاول بكين تجنب المزالق السياسية العديدة في الشرق الأوسط. ستستمر في أقامه علاقات تجاريه ودبلوماسيه وثيقة مع قائمه طويلة من المنافسين الإيرانيين من السعوديين إلى الإسرائيليين. ومع ذلك ، فان قبول الصين لإيران كعنصر هام لا محالة منه في استراتيجيتها الكبرى هو فرصه ذهبيه للإيرانيين. وبما ان (اوبور) هو أحد الطموحات السياسية الخارجية للرئيس الصيني تشي جينبينغ ، فانه سيظل على الأرجح مخلصا له اثناء وجوده في منصبه.

 

بقلم أليكس فاتانكا
فورين افيرز
1نوفمبر 2017

السابق
السجن 10 سنوات على محافظ دهوك السابق
التالي
لا يمكن لبغداد التحكم بملف النفط الكردي، لصلته بمصالح اقليمية ودولية!!

اترك تعليقاً