اخترنا لكم

محاولات النهوض الاقتصادي في العراق تواجه عراقيل الجماعات الموالية لإيران

في خضم محاولات العراق الانفتاح على الاستثمارات الأجنبية، تواجه حكومة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي تحديات عدَّة فيما يتعلق بتوفير الأجواء الملائمة لاستقطاب الاستثمارات في البلاد، نتيجة الإشكالات الأمنية والتجاذبات السياسية وتفشي الفساد.

ويبدو أن توجه الحكومة العراقية إلى فتح باب الاستثمارات أو صياغة تفاهمات مع الدول الأجنبية والعربية، غير كافٍ لنشوء تلك الاستثمارات؛ إذ يعاني العراق منذ سنوات بيئة استثمارية غير آمنة، تسببت بها عوامل عدَّة، على رأسها الفساد، وانفلات السلاح، واحتكار جهات سياسية النشاط الاقتصادي في البلاد.

مصالح مالية تعرقل تفعيل الاستثمارات

يعد غياب الإرادة السياسية وسيطرة جهات حزبية على النشاط الاستيرادي في البلاد، والذي يصل إلى حدود 60 مليار دولار سنوياً، المعرقل الرئيس أمام نشوء استثمارات أجنبية في العراق، بحسب محللين اقتصاديين.

وتحدث الباحث الاقتصادي ماجد الصوري، عن أن عوامل عرقلة الاستثمارات الأجنبية في العراق، ترتبط بـ”الفساد المالي والإداري، والبيروقراطية، ومصالح بعض الجهات السياسية ورجال الأعمال المرتبطين بدول خارجية، والمستفيدين من النشاط الاستيرادي الكبير”، مبيناً أن تلك العوامل أدت إلى “عرقلة التنمية الاقتصادية في البلاد”.

وكشف الصوري عن أن “المعدل العام للواردات العراقية سنوياً يصل إلى حدود 60 مليار دولار، ما يعني أن الجهات المستفيدة من تلك العمليات تحقق أرباحاً تقدر بنحو 15 مليار دولار سنوياً”، مشيراً إلى أنه “في عام 2013 وصل حجم الواردات العراقية إلى حدود 80 مليار دولار”.

ولفت إلى أنه “كان بالإمكان توفير أكثر من 60 في المئة من تلك الأموال لو تم تفعيل عملية التنمية الاقتصادية باستثمارات محلية أو أجنبية”، مبيناً أن “الاستثمار يعني تقليل الاستيراد، وهذا لا يتناسب مع رغبة الطبقة السياسية”.

انفلات السلاح وعسكرة المجتمع

عبر الصوري عن اعتقاده أن “ما يصعب مهمة حسم ملف الفساد في العراق هو أنه يعني قطع تمويل الأحزاب والميليشيات”، مبيناً أن “قطاعات اقتصادية عدة في العراق كانت فاعلة، إلا أن المستفيدين من النشاط الاستيرادي والمرتبطين بدول خارجية تعمدوا دثر تلك الصناعات”.

وعلى الرغم من كون قانون الاستثمار العراقي يعد جاذباً للاستثمارات الأجنبية، وفق الصوري، فإن البيئة في البلاد “تعد طاردة لتلك الاستثمارات”، مردفاً أن “انفلات السلاح وعسكرة المجتمع، فضلاً عن عدم وجود إرادة سياسية لحل جملة الإشكالات تشكل أبرز العوامل الطاردة للاستثمار”. 

وختم بأن “مؤتمر المانحين في الكويت شكل دليلاً واضحاً على عدم رغبة الطبقة السياسية في تفعيل الاقتصاد العراقي، حيث تم الحصول على تعهدات بتوفير قروض بقيمة 30 مليار دولار لمجالات التنمية، لكن شروط المستثمرين ارتبطت بتوفير البيئة الآمنة والقضاء على الفساد”.

البيئة الاستثمارية خاضعة لمزاج الجماعات المسلحة

في المقابل، قال رمضان البدران، وهو مستثمر ترك أعماله في العراق منذ أكثر من سنتين، إن “تنصل الجهاز القضائي من أداء دوره في حفظ حقوق الناس والمستثمرين، أدى إلى رفع وتيرة المخاطرة وعدم اليقين لدى المستثمرين، الأمر الذي أدى إلى خلق بدائل ضامنة لحقوق المستثمر، منها الميليشيات والعشائر”، مبيناً أن تلك الجهات “بدأت تأخذ أدوار الحماية والتأمين والتحكيم، بمقابل ابتزازات غير معقولة أو منصفة في بيئة الأعمال”. وأضاف أن “هذا الأمر كان السبب الرئيس في فقدان معظم الاستثمارات جدواها الاقتصادية، وأسهم في تحلل المشاريع وتبديد رؤوس الأموال”. 

ولفت إلى أن “البيئة الاستثمارية بشكل عام تتأثر بالبيئة الاجتماعية الحاضنة لها، ففي المناطق الخاضعة لنفوذ جهات سياسية ومسلحة موالية لإيران، تحاول تلك الجهات أن تحصل على حصص في كل استثمار محلي، أو أجنبي”، مبيناً أن هذا الأمر “هو المعرقل الرئيس أمام ملف الاستثمار في العراق”. وأضاف أن تلك الجهات “ستسمح بأي استثمارات تتيح لها نسب مشاركة، حتى لو كانت سعودية”، معبراً عن اعتقاده أن “دوافع الرفض التي تعلنها تلك الجهات ليست حقيقية، وترتبط بمصالح مالية، فضلاً عن أن خريطة الاستثمارات في العراق باتت مرهونة بالمصالح الإيرانية”.

حملات تشكيك تواجه محاولات التقارب مع العالم

مع تصاعد الحديث عن الاستثمارات الأجنبية في العراق، فضلاً عن توصل بغداد إلى تفاهمات اقتصادية غير مسبوقة مع الرياض، قادت جماعات موالية لإيران حملةً لتهديد تلك التفاهمات.

وتأتي تلك التهديدات بعد أيام على حديث رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي عن حملات تشكيك وشائعات تهدف إلى تعطيل أي تفاهمات بين بلاده ودول أخرى. وقال الكاظمي في 10 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، إن “هناك حملات تشكيك بأي تقارب للعراق مع أي دولة، ترافقها شائعات تهدف إلى خلط الأوراق وتعطيل أي تفاهم يصب في مصلحة البلد”. وأوضح الكاظمي أن “العراق يجب أن يكون بيئة جاذبة للاستثمار، وليست طاردة، لأنه بحاجة فعلية إلى الاستثمارات وتوفير فرص العمل والإعمار”. وأشار إلى أن “المجلس التنسيقي العراقي – السعودي عقد اجتماعات متواصلة أخيراً، للوصول إلى مجموعة تفاهمات بخصوص قطاعات الصناعة والتجارة والزراعة والنفط والتعليم والثقافة، وغيرها”.

إرث طائفي يهدد الاستثمارات الأجنبية

تشن منصات إعلامية مرتبطة بالفصائل المسلحة، فضلاً عن شخصيات سياسية وميليشياوية بارزة مقربة من إيران، هجوماً منذ أيام على أي تفاهمات محتملة بين بغداد والرياض. ويرى مراقبون أن تلك التهديدات وحالة الفوضى الأمنية التي تعيشها البلاد، تعد أحد أكبر معرقلات الاستثمارات الأجنبية بشكل عام.

في المقابل، قال عبد الرحمن الجبوري، وهو باحث في الشأن السياسي مقرب من الكاظمي، إن “العراق كان يُقاد بطريقة الإرث المذهبي على مدى 17 عاماً، على حساب سلوكيات الدولة ومصالحها، وهناك محاولات للإبقاء على هذا الإرث”. وأضاف أن “الحكومة الحالية تحاول تجاوز هذا الإرث في صياغة علاقات العراق الخارجية، وبنائها وفق تقاليد الدولة ومصالحها”، لافتاً إلى أن حكومة الكاظمي “تحاول التخلص من الشخصنة في إدارة علاقات الدولة الخارجية، وصياغة الاتفاقات مع بقية الدول على أساس المصالح الاستراتيجية للبلاد”.

وبشأن الجهات التي تهدد الاستثمارات السعودية، لفت الجبوري إلى أن “تلك الاستثمارات ستوفر نحو مليون وظيفة في العراق، فضلاً عن نحو 25 مليار دولار لخزينة الدولة، وهذا ربما يوفر زخماً شعبياً في مواجهة تلك التهديدات مجتمعياً”.

وفي سياق تصدي القوات الأمنية لتلك التهديدات، أشار الجبوري إلى أن “قوات الأمن العراقية تتطور، والجيش أصبح أكثر احترافية، وهي قادرة على التصدي لتلك التهديدات”.

مصدات من أجل مصالح طهران

في المقابل، يرى مراقبون أن صناعة الجماعات المسلحة الموالية لإيران مصدات أمام الاستثمارات الأجنبية في العراق، لا تقتصر على “الدوافع الطائفية” فحسب، مشيرين إلى أن ما يدفع تلك الجماعات إلى الاعتراض على اتفاقات حكومة الكاظمي مع الرياض، هي المخاوف من عقد اتفاقات تتجاوز حدود المصالح الإيرانية وتقلل من هيمنتها على الاقتصاد العراقي.

وذكر الصحافي الاستقصائي العراقي معن الجيزاني أن “ما يدحض الحجج الطائفية التي تصدر من جماعات موالية لإيران، هو أنها لم تبد ذات الحماسة في الاعتراض على عقد حكومة رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي تفاهمات اقتصادية مع الرياض”، مبيناً أن هذا الأمر، ربما يعود إلى أن التفاهمات السابقة “كانت محددة من قبل التيارات الموالية لطهران، التي مثلت فترة عبد المهدي ربيع نفوذها في الدولة”.

وكان عبد المهدي أعلن في 17 أبريل (نيسان) 2019، توقيع 13 اتفاقية ومذكرة تفاهم مع السعودية.

كما اعتبر الجيزاني أن “توزيع النفوذ وشكل العلاقات الخارجية للعراق كان محكوماً بالرؤية الإيرانية في فترة عبد المهدي”، مشيراً إلى أن “طهران ربما تسمح بتفاهمات عراقية مع دول أخرى، شريطة أن تكون محكومة بعدم التجاوز أو الإضرار بنفوذها الاقتصادي في العراق”.

وعبر الجيزاني عن اعتقاده أن “استخدام الذريعة الطائفية في مواجهة الاستثمارات السعودية، ربما يأتي في سياق إثارة الرأي العام ومحاولة إعادة الاستقطاب الطائفي قبيل الانتخابات المقبلة”، مشيراً إلى أن الصراع الحقيقي يرتبط بـ”مساعي تلك الجماعات للمحافظة على النفوذ الإيراني”.

وختم الجيزاني بالقول إن “عدم تصدير طهران لواجهاتها الرئيسة والاكتفاء بتهديدات تصدر من جماعات ظل ثانوية، جزء من سياسة الاستخفاف بحكومة الكاظمي”، لافتاً إلى أن التهديدات الأخيرة التي صدرت من “جماعات الظل الموالية لإيران”، تشكل تعبيراً واضحاً عن “هزالة الدولة العراقية، واستخفاف طهران بها”.

أحمد السهيل

اندبندنت عربية

السابق
انتخابات العراق… التغيير يحتاج الى معجزة
التالي
سياسة بايدن في الشرق الأوسط بكلماته الشخصية: فهم الأولويات للإدارة الجديدة

اترك تعليقاً