أعلام وتراث

محمد عابد الجابري: كيف نستيعد مجد حضارتنا؟…كيف نحيي تراثنا؟

يبدأ المفكر العربي المغربي الراحل محمد عابد الجابري كتابه “نحن والتراث” تحت عنوان “مدخل عام” مركزاً فيه على ضرورة أن يخضع التراث لقراءات متعددة حتى ينسجم مع الراهن.

وقد أعتقد الجابري أن التراث قد خضع لقراءات متعددة لم تكن منسجمة فيما بينها على الإطلاق، وهي أيضاً قراءة واحدة لأنها منطلقة من منهج واحد. وقد عرض تلك القراءات ونقدها كي تولد في النهاية الرؤية الحديثة.

1_ “قراءة معاصرة” لأنها تخضع لوعي تاريخي، والمعاصرة معناها جعل التراث معاصراً لنفسه، وجعله معاصراً لنا، أي قراءة على ضوء الحاضر، وهذا لا يتم إلا بمعرفة محتواه المعرفي ومضمونه الإيديولوجي الذي نشأ فيه، وإعادة توظيفه في الراهن.

ثم يبدأ بطرح القراءات السائدة وهي:

2_ قراءات.. كلها سلفية.

أولاً: كيف نستيعد مجد حضارتنا…؟ كيف نحيي تراثنا..؟ وهي قراءة تقوم على حوار بين المستقبل والماضي. والحاضر لا حضور له، إن الماضي يحتوي الحاضر نحو المستقبل. وهذه القراءة مقبولة في حدود تأكيد وتحصين الذات في قبال التحدي الحضاري الغربي، إن الماضي هو المستقبل المنشود، وبدأ هذا التيار مع عصر النهضة , وهي قراءة السلفية الدينية.

إن هذه الرؤية مقبولة في حدود الدفاع والإحتماء من الآخر، ولكن ما أصابها أنها تحولت إلى مشروع حضاري ركيزته الماضي بأدق تفاصيله، هذه قراءة لا تاريخية، قراءة التراث للتراث، معتبرة العامل الروحي هو المحرك للتاريخ.

ثانياً: كيف نعيش عصرنا؟ كيف نتعامل مع تراثنا؟

هذه القراءة تنطلق من ركيزة أساسية وهي علاقة الحاضر الأوروبي بتراثنا، فالتراث يقرأ يحاضر الغرب الذي فرض نفسه كذات جمعاء للإنسانية، هي قراءة إستشراقية تدعي الحياد إنها تطبق المنهج العلمي المأخوذ من الغرب على تراثنا، تاركة رؤاهم الإيديولوجية ولكن هل يمكن الفصل بين المنهج والرؤية، والرؤية الإستشراقية تقوم برد كل شيء إلى أصله، فهي في قراءتها للتراث العربي لا ترى فيه سوى وسيطاً في نقل التراث اليوناني، فالمستقبل مرهون دائماً بإستيعاب الماضي الغربي “الحاضر – الماضي” وهذه قراءة الليبرالي العربي.

هنا تنكشف دعوى “المعاصرة” في الفكر الليبرالي العربي، عن إستلاب للذات خطير، بوصفها حاضراً وتاريخاً.

ثالثاً: كيف تحقق ثورتنا…؟ كيف نفيد بناء تراثنا؟

أيضاً هذه القراءة تقوم على حوار بين المستقبل والماضي، بوصفهما مشروعين، فالثورة تعيد بناء التراث، والتراث يساعدني في إنجاز الثورة، وهذه قراءة اليساري العربي، بالرغم من تبنيه للمنهج الجدلي فإنه تائه في حلقة مفرغة والسبب في ذلك أنه يتبين المنهج المطبق لا المنهج المعد للتطبيق، وبما أن التاريخ العربي لا يساعد اليساريين على تحديد الأطراف والمواقع في التفسير الطبقي والجدلي للصراع، يلقون اللوم على التاريخ العربي نفسه لأنه غير مكتوب، أو لأنه معقَّد في عملية تحليله.

3- من أجل نقد علمي للعقل العربي:

– ما يهمنا من عرض القراءات ليست الأطروحات التي تبناها إنما طريقة التفكير التي ينتجها “الفعل العقلي” إن نقد طريقة الإنتاج “الفعل العقلي” هو الذي يكتسب بعداً علمياً، والذي يغفله في أي أطروحة يكون نقده إيديولوجياً، إذا أنظرنا للقراءات الثلاث من ناحية “طريقة الإنتاج”  فإنها تقع تحت آفتين: آفة في المنهج وآفة في الرؤية، فمن ناحية المنهج تفتقد الموضوعية ومن ناحية الرؤية تعاني غياب النظرة التاريخية، اللا تاريخية والإفتقار إلى الموضوعية يجعل الفكرتين تحت ثقل أحد أفراد المعادلة الذي يريد تركيبها ، فالفكر الذي لا يستقل بنفسه يلجأ للتعويض عن هذا النقص، بجعل موضوعاته تنوب عنه في الحكم على بعضها البعض، وهذا يؤدي إلى ذوبان الذات في الموضوع، ويتوارى ما تبقى منها إلى الوراء بحثاً عن سلفي تتكئ عليه، لترد الإعتبار إلى نفسها، والقراءة المعاصرة بهذا المعنى سلفية.

لماذا هذه النزعة التي تتطبع الفكر العربي المعاصر؟

هذه القراءات الثلاث لا تختلف من الناحية الإبستمولوجية، إنها تقوم على طريقة واحد قياس الغائب على الشاهد وفيما يخصنا هنا فالغائب المستقبل والشاهد “مجد حضارتنا” والسؤال الأبرز ما هي آلية هذا القياس.

إن طريقة قياس “الغائب على الشاهد” هي طريقة علمية إتبعت في أكثر العلوم العربية والإسلامية من اللغة العربية، وأصول الفقه، وساهمت مساهمة فعالة في تقعيد اللغة، وتطبيق الشريعة وغير ذلك ولكن لها شروط أهمها إثنان:

1- لا يقاس الغائب على الشاهد إلا إذا كانوا من طبيعة واحدة.

2- لا يجوز قياس الغائب على الشاهد إلا إذا كان يشركان – داخل طبيعتهما الواحدة – في شيء واحد بعينه يعتبر بالنسبة لكل منهما “مقوماته الأساسية”. ومن أجل إكتشاف “المقوم الذاتي” لا بد من القيام بعملية “السبر والتقسيم” والتقسيم تحليل إستقرائي والسبر إختبار وتحقق، ويتعلق الأمر هنا بخطوات علمية روعي فيها كل ما يلزم، لكن مع ذيوع هذه الطريقة حصل التساهل في شروط إستعماله، واصبحت الطريقة الوحيدة التي يعتمد عليها في إنتاج المعرفة.

فعلى سبيل المثال في علم الفقه وقع الإفراط في إستعماله إلى حد الفروع تحولت إلى أصول تقاس عليها فروع جديدة وكذا في علم اللغة والكلام.

لقد ترسخ هذا القياس كطريقة للتفكير بشكل آلي لا شعوري، في سلسلة خطية تصاعدية، عصر الإنحطاط كان منحصراً في هذه السلسلة من خلال المواد التي تدرس والتي لا تتخطى الفقه واللغة والأصول، صار قياس الغائب على الشاهد منهجاً عاماً، وبما أن مستقبل الأمة العربية هو المجهول الأكبر كان لا بد من قياسه على الماضي “الشاهد”.

إن خطورة هذه الطريقة في التفكير تؤدي إلى إلغاء الزمان والتطور، فيصبح الماضي والحاضر والمستقبل كأنه بساط يمتد لا يتحرك ويتموج، إنه “زمان راكد” ومن هنا لا تاريخيتة.

ومن نتائجه أيضاً “عدم فصل الموضوع عن الذات” إن إهمال السير والتقسيم، جعل القياس يتحول إلى آلية ذهنية لا تحتمل التوقف عند كل شاهد وغائب قصد تحليلهما وإكتشاف المقومات الأساسية المشتركة، وبذلك أفقده الموضوعية، لذا هو فكر لا تاريخي، يعتبر التراث حلاً جاهزاً لمشاكل المستقبل، “هكذا إقتبس العرب جميعاً مشروع نهضتهم من نوع الماضي” هذا النشاط الذهني الذي يتعين فحصه بدقة، قبل الدعوة إلى تجديده.

4- خطوات المنهج ومستويات القراءة.

أ- ضرورة القطيعة مع الفهم التراثي:

إن الملاحظات السابقة وظيفتها إيجاد طريقة ملائمة للتعامل مع التراث، أي قبل البحث عن أي المناهج أصلح ,لا بد من فحص العملية الذهنية التي يتم بواسطتهما تطبيق المنهج “المسألة الأساسية هي نقد العقل لا إستخدام العقل بهذه الطريقة أو تلك”.

إن العقل العربي الراهن ساهمت في تشكيل بنيته عدة عناصر أهمها “أسلوب الممارسة النظرية” والذي قوامه قياس الغائب على الشاهد، وقد ساهم في تجميد نشاط بقية العقل العربي. وإلغاء التطور والتقدم. وأول ما يجب كسره هو بنية هذا العقل القائم على “القياس” أي إحداث قطيعة إبستمولوجية مع بنية العقل العربي في عصر الإنحطاط. ماذا نقصد من ذلك؟

إن القطيعة المعرفية لا تتناول موضوع المعرفة، وبالتالي المناداة بإلقاء التراث في المتاحف، وهو موقف لا علمي، ولكنها تتناول الفعل العقلي، وهو نشاط يتم بطريقة ما، وبواسطة أدوات هي المفاهيم، وداخل حقل معرفي معين، وعندما يكون الإختلاف عميقاً في طريقة التفكير أي يصل إلى نقطة اللارجوع تحصل القطيعة المعرفية، ولكن موضوع المعرفة يبقى هو هو. إنها دعوة للتخلي عن الفهم التراثي للتراث، لا التخلي عن التراث نفسه. التخلي عن الرواسب في فهمنا للتراث وعلى رأسها “القياس” لا سيما في صورته الآلية اللا علمية والتي تقوم على ربط جزء بآخر ربطاً ميكانيكياً، وبالتالي تقوم على تفكيك الكل إلى أجزاء، وفصل أجزائه عن إطارها الزماني – المعرفي – الإيديولوجي، إنه بهذا المعنى فصل أجزاء عن كل ونقلها إلى كل حقل آخر، هو الحقل الذي ينتمي إليه المستعمل لذلك القياس، فينشأ تداخل بين الذات والموضوع قد يؤدي إلى تشويه الموضوع أو إنخراط الذات في الموضوع غالبا الاثنين معا خصوصا اذا كان الموضوع هو التراث فان النتيجة هي اندماج فيه,”إندماج التراث فينا شيء غير إندماجنا في التراث” القطيعة إذن ليست مع التراث بل مع نوع علاقة خاصة، القطيعة التي تحولنا من “كائنات تراثية” إلى “كائنات لها تراث”، أي التراث الذي يمثل أحد مقوماتها، هي شخصية الأمة صاحبة التراث.

المشكلة بالنسبة إلى موضوعنا، ليست مشكلة إختيار إحدى المناهج (تاريخية – وصفية…) قد يصلح احدها دون آخر حسب الميادين، لكنها جميعاً لا تصلح إلا عندما يكون الموضوع منفصلاً عن الذات. فحينما يتعلق الأمر بموضوع هو نفسه جزء من الذات وهي جزء منه، كالتراث مثلاً تصبح حينها مشكلة المنهج مشكلة الوسيلة التي تمكننا من فصل الذات عن الموضوع، والموضوع عن الذات.

ب- فصل المقروء عن القارئ – مشكلة الموضوعية:

هنا السؤال يرتبط ببناء علاقة موضوعية مع التراث، وليس المراد المعنى العادي المألوف للموضوعية، وهو عدم تدخل الذات بالموضوع، بل إن طبيعة العلاقة بين الذات والموضوع، تستدعي طرح قضية الموضوعية على مستويين:

الأول: العلاقة الذاهبة من التراث إلى الموضوع “فصل الموضوع عن الذات”.

الثاني: العلاقة الذاهبة من الموضوع إلى الذات “فصل الذات عن الموضوع”.

القارئ العربي مؤطر بتراثه، أي إن تراثه حاكم عليه في لغة تفكيره وتعامله مع الأشياء، فالتفكير عبارة عن تذكر وليس عو عملية إستكشاف، وهذا يعود إلى أن هناك من يفكر بتراث, الحاضر جزء منه، وبين من يفكر بتراث توقف عنده منذ قرون، كل الشعوب تفكر بتراثها، فالأول الحاضر جزء منه، والثاني تفصله عن الحاضر “مسافة علمية”.

واللغة العربية خير مثال لذلك، فالقارئ العربي يقرؤها في التراث ويقرأ التراث فيها، لقد ظلت اللغة تصنع الفكر دون أن يصنعها، وعلى مدى زمن طويل، فظلت حية في وجدان القارئ العربي مقدسة، إنها لأكثر أصالة في تراثه، فهو عند فعل القراءة يسابق الكلمات للبحث عن معنى يستجيب لطموحاته وأماله، إنه يحاول أن يقرأ في التراث الذي يحتويه ما لم يستطع إنجازه، يقرأ شاغله في النصوص قبل قراءة النصوص نفسها.

– الفصل بين الذات الموضوع هو الخطوة الأولى، ومنهجيه علوم الألسنية تساعدنا هنا “يجب تجنيب قراءة المعنى قبل قراءة اللفظ”.  (الألفاظ كعناصر في شبكة من العلاقات، لا كمفردات مستقلة بمعناها)، التعامل مع النص كشبكة من العلاقات يجمد الحركة في تلك الخيوط العديدة، وتحول الكلمة إلى نغم، أي يجب السعي إلى تحرير الذات من هيمنة النص.

-المعالجة البنيوية، وتقوم على معالجة فكر صاحب النص ككل تتحكم فيه ثوابت ويغتني بالتحولات، التي يمر بها حول محور واحد، يتعلق الأمر أساساً بمحورة فكرة صاحب النص حول إشكالية واضحة، قادرة على استيعاب جميع التحولات التي يجريها صاحب النص.

-التحليل التاريخي: ربط فكر صاحب النص الذي أعيد تنظيمه بمجاله التاريخي، هذا يساعدنا بالإضافة إلى اكتساب فهم تاريخي، اختبار صحة النموذج (البنيوي التي قدمته المعالجة السابقة، والمقصود بالصحة الإمكان التاريخي للنص، وليس الصدق المنطقي).

-الطرح الإيديولوجي: يبقى التحليل التاريخي ناقصاً ما لم يتم الكشف عن المضمون الإيديولوجي، الذي أداه الفكر المعني، إن الكشف عن المضمون الإيديولوجي لأي فكر، يجعله معاصراً لنفسه، إذن حينما نخرج التراث من ذواتنا نفعل ذلك لنعيده إلينا من جديد، لا لنجعله بعيداً هناك.

ج – وصل القارىء بالمقروء:

التراث ليس إنتاجاً صنعه التاريخ والمجتمع، بل هو عطاء ذاتي لشخصيات تاريخية، استطاعت أن تتحرر ولو نسبياً من إكراهات المجتمع، ولكنها لم تعبر عن جميع تطلعاتها، فبقي قسم منها مجتمعاً خلف اللغة والمنطق، وللوصول إليها يجب إختراق اللغة والمنطق، وهو لا يتم إلا بالحدس، والذي يجعل الذات القارئة تعانق الذات المقروءة، فتعيش معها إشكاليتها وتطلعاتها، ذات تقرأ نفسها في ذات أخرى، مع الحفاظ على الاستقلالية، والحدس هنا هو الحدس الأقرب للمنطق الرياضي، حدس ريادي استكشافي، يستكشف الطريق في عملية جدل بين القارىء والمقروء، وهذه تستخلص في اللحظات الأولى للمنهج، هنا الذات القارئة تستطيع اكتشاف الذات المقروءة ,وسيلتها ما في النص من علامات ودلائل، والأمر هنا يتعلق بدفع المنطق إلى أقصاه.

هنا نقرأ المقدمات بنتائجها، والماضي بمستقبله، وما كان بما “سيكون” فيندفع الموضوعي مع الإيديولوجي ويتحول “المستقبل – الماضي” إلى “المعاصر لنفسه، معاصراً لقارئه”.

لماذا اللجوء إلى الحدس إلى الكشف عما تم السكوت عنه؟

والجواب التراث نفسه يقدمه، لقد تحدث الغزالي ؛ ابن سينا ؛ ابن رشد عن “المضنون به على غير أهله” هناك الكثير من الآراء لفلاسفتنا الذي ظنوا ولم يصرحوا بها، وتعرضوا لها تلميحاً، وهو بمثابة “الهو” في نصوصهم ويجب الكشف عنه، وهذا لا يتم إلا بانخراط واعي إشكاليتهم وهمومهم المعرفية.

-هل يمكن التصريح اليوم بما ضنوا به أسلافنا:

وعي أبعاد هذا السؤال يجعلنا معاصرين له ومعاصر لنا، على صعيد الوعي الواعي بتاريخيته… ومن خلال الوعي تتحقق استمرارية تقدم الوعي من خلال البحث عن الحقيقة.

5_ عناصر الرؤية:

كل منهج يصدر عن رؤية لذا لا بد من الوعي بأبعاد هذه الرؤية – الرؤية تؤطر المنهج والمنهج يغني الرؤية. تحدثنا عن خطوات المنهج والآن حديثنا عن عناصر الرؤية التي تتعلق بالمنطلقات التي تستند عليها الرؤية.

أ – وحدة الفكر – وحده الإشكالية:

نحن نأخذ الفكر بوصفه وحدة متميزة ذات كيان خاص، تذوب فيه مختلف القراءات والاتجاهات، وما الأجزاء الا تعبيرات وحيدة عن هذا الكل.

هكذا يتم التعامل مع كل فكر (يوناني – عربي – أوروبي) بالرغم من مظاهر التعدد، والذي يصنع الفكر بهذه الوحدة ويؤسس وحدة الكل.

وحدة الفكرة لا تعني وحدة المؤلفين “وحدتهم القومية…” ولا وحدة الموضوعات ولا وحدة الزمان الذي ينتمون إليه ويؤطر هذا الفكر، إنما تعني وحدة الإشكالية، فكل ما تقدم لا يعنينا، ما يعنينا وحدة الإشكالية هي التي تشكل وحدة الفكر في مرحلة تاريخية ما ولنبدأ بالبيان:

على الرغم من أن الإشكالية كلمة عربية، وهي ترجمة موفقة لكلمة “problomatique” فالمعنى اللغوي يحمل جانباً أساساً من معناها الاصطلاحي: أشكل عليه الأمر أي التبس، وهو مظهر من المعنى الاصطلاحي ففي الاصطلاح “الإشكالية منظومة من العلاقات التي تنسجها، داخل فكر معين، مشاكل عديدة مترابطة لا تتوافر إمكانية حلها منفردة”. أو هي النظرية التي لم تتوافر إمكانية صياغتها فهي توتر ونزوع نحو النظرية، أي الاستقرار الفكري.

لنأخذ مثلاً قريباً، وذلك ما ندعوه بعصر النهضة، فإن الإشكالية التي واجهت هذا الفكر واحدة وهي إشكالية النهضة، فما يشغل بال عصر النهضة جملة مشاكل مترابطة لا يمكن حل بعضها دون ربط الخيوط مع المشاكل الأخرى، “الغزو الأوروبي – الاستبداد، الأمية – تخلف المرأة – التربية – اللغة ” كان مشغولاً فكر عصر النهضة بهذه المشاكل وإذا طرح مشكلة اضطر لطرح الأخرى، لأن المشكل يعالج بالدور الذي يقوم به بوصفه أحد عناصرها، فقاسم امين حينما عالج مشكلة المرأة كان مضطر لتناول المشاكل الأخرى، أي إشكالية عصر النهضة كاملة.

إن وحدة الفكر “الإشكالية” لا تعني كثيراً بتناول مفكر دون آخر، لأنها تبقى متحققة على صعيدين: 1- الحقبة التاريخية 2- فكر كل مفكر، أي تناوله داخل هذه الحقبة التاريخية الخاصة فيه.

إشكالية فكر ما لا تتحدد بما أنتجه هذا الفكر، بل بجميع أنواع التفكير الذي يمكن أن يقوم بها هذا الفكر.

إن نقد الآراء لا يعني تعدد الإشكاليات، قد تختلف الأسئلة المطروحة، مع وحدة الجواب، أو تختلف الأجوبة مع وحدة الأسئلة، أو يجاب عن أسئلة غير مطروح، وهذا لا ينال من وحدتها.

بعبارة أولى: إن الإشكالية لا تتعلق بما تم التصريح به بل بما تتضمنه وتحتمله، هذا ما يجعل الإشكالية الواحدة لا تتقيد بإطار الزمان – مكان – بل تظل مفتوحة ما لم تتجاوز.

ب – تاريخية الفكر: الحقل المعرفي والمضمون الإيديولوجي:

نقصد بالتاريخية ارتباط الفكر بالواقع السياسي الاجتماعي الذي أنتجه، القول بأن الإشكالية تبقى مفتوحة تفتح سؤالاً يرتبط بعلاقة الفكر بالواقع. وبالتالي بالتاريخ، وهي علاقة معقدة لا بمعنى تستعصي على الحل، بل تأبى الخضوع للقوالب الجامدة، وتحتاج إلى تكييف التحليل بأدوات تمكنه من استيعابها.

المجال التاريخي لا يتحدد على أساس تعاقب الدول، فالفكر يتمتع باستقلال نسبي، غالباً واسعاً، يفترض اللجوء إلى مكونات الفكر نفسه لتحديد مجاله التاريخي، والمجال التاريخي هو “عمر الإشكالية” إنه الفترة التي تغطيها الإشكالية في تاريخ فكر معين.

المجال التاريخي للفكر يتحدد بشيئين اثنين:

–       الحقل المعرفي الذي يتحرك فيه هذا الفكر، والذي يتكون من نوع واحد، ومنسجم من “المادة المعرفية” وبالتالي من جهاز التفكير “مفاهيم” تصورات.

-المضمون الأيديولوجي الذي يحمله ذلك الفكر، أي الوظيفة الأيديولوجية والسياسية الاجتماعية الذي يعطيها صاحب أو أصحاب ذلك الفكر لتلك المادة المعرفية.

لكي تحدد نوع العلاقة القائمة بين هذين المحددين للمجال التاريخي، ونوع الروابط القائمة بينهما، لا بد من التأكيد أن الإشكالية هي معرفية.

-الحقل المعرفي الذي يتحرك فيه هذا الفكر، والذي يتكون من نوع واحد، منسجم من “المادة المعرفية”، وبالتالي من الجهاز التفكيري “مفاهيم، تصورات…”.

-المضمون الأيديولوجي الذي يحمله ذلك الفكر، أي الوظيفة الإيديولوجية، والسياسية والاجتماعية، التي يعطيها صاحب أو أصحاب ذلك الفكر لتلك المادة المعرفية.

لكي نحدد نوع العلاقة التي تقوم بين هذين المحددين للمجال التاريخي، ونوع الروابط القائمة بينهما، لا بد من التأكيد أن الإشكالية هي إشكالية معرفية، إنها نتيجة تناقضات معرفية وهي تبقى مستمرة، ما دامت الشروط المادية والإبستمولوجية قائمة والتي تؤسس ذلك الحقل المعرفي، أما المضامين الإيديولوجية، التي توظف فيها المادة المعرفية، فهي لا تخضع للتناقضات المعرفية بل لتناقضات وصراعات أخرى، نجد أصلها ومنبعها في المرحلة التي يجتازها المجتمع من التطور والمعرفة لا تساوي في نموها تطور المجتمع، فالمحتوى المعرفي والمضمون الأيديولوجي لا يشترط أن يكونا متساويين، بل غالباً ما يكون أحدهما متقدماً والآخر متخلفاً، بعبارة أخرى “إن الانتماء إلى الإشكالية وإلى الحقل المعرفي نفسه لا يعني بالضرورة الانخراط في الإيديويوجيا نفسها، بل إن الفكرة الواحدة، غالباً ما تحمل مضامين أيديولوجيا مختلفة وهكذا إذا كان من السهل ربط هذا الفكر أو ذاك بالحقل المعرفي الذي ينتمي إليه، فإن المضمون الإيديولوجي لهذا الفكر، لا يمكن الرجوع فيه إلى غير هذا الفكر، لأن المطامح السياسية التي تعبر عنها أيديولوجية معينة كثيراً ما تختلف “متقدمة أو متأخرة” ليس فقط عن المادة المعرفية التي توظفها، بل أيضاً عن لحظة التطور الاجتماعي التي تظهر فيه، وإذا أضفنا إلى ذلك طبيعة الفكر الفلسفي نفسه، أي كونه أكثر أنواع الوعي تجريداً، أي

أكثرها “تقطير” للمادة المعرفية التي يمنحها له حقله المعرفي، أمكننا تصور إلى أي حد تكون العلاقة ملتوية ومنعرجة، علاقة غير مباشرة تمر عبر أشكال أخرى من الوعي كالوعي الديني والسياسي.

ج – الفلسفة الإسلامية قراءات لفلسفات أخرى.

لم يكن إلحاحنا على التمييز بين المحتوى المعرفي والمضمون الأيديولوجي في الفكر الواحد ضرورة منهجية بل واقع الفكر الإسلامي يفرض ذلك فرضاً، حين عالج الفكر الإسلامي إشكالية واحدة هي “التوفيق بين العقل والنقل”، هذا التوظيف انطلق مع المعتزلة من شعار “الفعل قبل ورود السمع” وأصبح مع المدرسة الشرقية، محاولة لدمج الفكر العلمي (اليوناني) في بنية الفكر الديني (الإسلامي) الأولى رؤية علمية والثانية “الحقيقة المطلقة” من هنا الإبداع كان محدوداً عند فلاسفة الإسلام، فهم كانوا يقرأون أصلاً فلاسفة اليونان لم تكن القراءات مكملة لبعضها البعض فالكل يعود إلى اليونان لتزويد أنفسهم بالمادة المعرفية، وبالتالي فإن ما ندعوه بالفلسفة الإسلامية، لم تكن قراءة متواصلة ومتجددة، بل هي قراءات مستقلة لفلسفة أخرى هي اليونانية. وظفت مادتها لمآرب وأهداف إيديولوجية، إن التمييز بين المحتوى المعرفي والمضمون الإيديولوجي في الفلسفة الإسلامية ضروري حتى نبين بما تزخر به من تنوع، لأن الاقتصار على المحتوى المعرفي، وجدناها أراء وأقاويل مكرورة لا تختلف وهذه هي النظرة السائدة، فتحكم عليه بالعقم، أما إذا نظرنا إلى المضمون الأيديولوجي، وجدنا أنفسنا أمام فكر متموج ومشغول بإشكاليته زاخر بتناقضاته، أكثر مؤرخو الفلسفة نظروا إليها من جانب المحتوى المعرفي، لذا لم يجدوا فيها ما يجعل تاريخها حياً ومتطوراً، سواء منهم المسلمون أم الغربيون أم المستشرقون، وإن اختلفت وجهات نظرهم وتحليلهم لها، فبعضهم اعتبرها أقاويل مكرورة لا تختلف بين فيلسوف وآخر، وآخر اعتبرها امتداداً للفلسفة اليونانية، أما المنصف منهم، فجعل تاريخهم، يستعيد تاريخ الفلسفة اليونانية.

وأما الباحثون العرب المعاصرون، فقرأوا الفلاسفة الإسلاميين من خلال واحد منهم (ابن سينا، الفارابي….) لعدم اختلاف أقاويل الفلاسفة، أما المحاولات الجديدة والتي تطمح بتجاوز طريقة القدامى وطريقة المستحدثين من المستشرقين وتلاميذهم، فإنها قيدت نفسها بالقوالب الجاهزة، فجعلت تاريخ الفلسفة يكرر تاريخ الفكر الإنساني في خطوطه العامة في الفلسفة اليونانية كان المحتوى المعرفي والمضمون الإيديولوجي يتطوران، بفعل التقدم العلمي والتطور الاجتماعي، وكذلك الفلسفة الأوروبية وهي أوضح، أما في القرون الوسطى  المسيحية والإسلامية، ظلت المادة واحدة، ولكن المتغير هو الاستغلال الإيديولوجي.

هذا لا يعني أن العلم لم يتقدم بل قطع أشواطاً مع الخوارزمي وابن سينا وغيره، لكن لم يتغير من الرؤية الفلسفية السائدة شيئاً، فإضافة إلى أن البحث العلمي لم يخرج عن حدود الحقل المعرفي السائد، فإن ما يهم الفلاسفة المسلمين ليس بناء تصورات جديدة على أسس جديدة بل جعل التصور الديني مقبولاً من طرف العقل وجعل التصور العقلي مشروعاً في نظر الدين، فجعل من الفلسفة خطاً إيديولوجياً مسترسلاً.

لذا لم تكن الفلسفة الإسلامية قراءة متواصلة ومتجددة لتاريخها الخاص، بل هي قراءات لفلسفة أخرى (اليونانية) فقراءاتها تكمن لا في جملة المعارف التي استثمرتها بل في الوظيفة الأيديولوجية التي أعطاها كل فيلسوف لهذه المعارف، إذن هنا وفي هذه الوظائف تبحث عن معنى وتاريخ للفلسفة الإسلامية.


محمد عابد الجابري (1936 بفكيك، الجهة الشرقية – 3 مايو 2010 في الدار البيضاء)، مفكر وفيلسوف عربي من المغرب، له 30 مؤلفاً في قضايا الفكر المعاصر، أبرزها “نقد العقل العربي” الذي تمت ترجمته إلى عدة لغات أوروبية وشرقية. كرّمته اليونسكو لكونه “أحد أكبر المتخصصين في ابن رشد، إضافة إلى تميّزه بطريقة خاصة في الحوار”.

المراجع:

الجابري (محمد عابد)، نحن والتراث، المركز الثقافي العربي، طبعة سادسة، .1993

 

(بحث وإعداد الشيخ محمد ضيا)

السابق
أردوغان: أمريكا تدعم داعش وتنظيمات ارهابية اخرى
التالي
نوادر وطرائف الشيخ حسين قسام النجفي

اترك تعليقاً