العرب والعالم

مشروع “الغراب” يهز امريكا

كشفت وكالة رويترز أن مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) يحقق حالياً في عملِ عددٍ من عملاء الاستخبارات السابقين لدى وكالة الأمن القومي الأمريكية ضمن فريق قرصنة سري يعمل لصالح حكومة الإمارات، قاموا بمهام تجسس وشن هجمات إلكترونية ضد دول أجنبية ونشطاء سياسيين ومعارضين للنظام العربي الملكي.

وعقب مقابلات مع تسعة من العملاء الأمريكيين السابقين في الفريق المسمى “رافن”، واستعراض آلاف الأدلة المتمثلة في وثائق المشروع ورسائل البريد الإلكتروني التي تثبت شهاداتهم، تبين لرويترز أن تقنيات المراقبة التي تدرسها وكالة الأمن القومي الأمريكي كانت “أساسية” في جهود الإمارات لرصد معارضيها.

ما هو مشروع “الغراب”؟

مشروع “رافن” أو الغُراب بالعربية، هو فريق سري تأسس عام 2009 واتخذ من قصر في أبو ظبي مقراً له وعرف باسم “الفيلا”، ونظراً للخبرة المتواضعة للإماراتيين في مجال الأمن السيبراني، تم الاعتماد على الأمريكيين من ضباط الاستخبارات السابقين، ووظفتهم الإمارات لمراقبة الحكومات الأخرى والمسلحين ونشطاء حقوق الإنسان الذين ينتقدون الحكومة.

وفي عام 2013، أصبحت الفرقة الأمريكية ضمن “رافن” تتكون من 12 إلى 20 محللاً استخباراتياً أي غالبية موظفي الفريق، ورغم أن الأمريكيين كانوا يخططون لكل شيء ويحددون التقنيات المستخدمة ظلّ “أمر الهجوم” أو القرار الأخير بيد مسؤول إماراتي.

وفي ظل تخوف الإماراتيين من سيطرة أجانب على المشروع الذي يتعلق بالأمن الوطني لبلدهم، قاموا مطلع عام 2016، بنقل “رافن” إلى شركة أمن إلكتروني إماراتية تدعى  DarkMatter.

وتمّ منح الأمريكيين “المبدعين” في الفريق خيارين آنذاك، الانضمام للشركة الإماراتية أو العودة من حيث أتوا، واختار 8 منهم الرحيلَ لعدم ارتياحهم لتفسيراتِ مديري المشروع حيال “مراقبة محتملة لأمريكيين آخرين في إطار المشروع”.

وتأسست دارك ماتر عام 2014، على يد فيصل البناي، وسوّقت نفسها على أنها “مطور مبتكر لتقنيات الإنترنت الدفاعية”، لكنها في الحقيقة كانت تراقب أشخاصاً لصالح الحكومة الإماراتية، التي لا تنكر قربها منها، وتجند الخبراء الإلكترونيين الأجانب لتلك المهمة، بحسب “رويترز”.

وبحلول منتصف 2016، باتت عملياتُ رافن أكثرَ شراسة وحرص القائمون على المشروع على إنشاءِ أقسام أكثر داخل المشروع وإخفائها عن المحللين الأمريكيين.

مخاطر واتهامات بالعَمالة

من بين الأعضاء الأمريكيين التسعة السابقين بالفريق الذين تحدثوا إلى رويترز، وافقت لوري سترود (37 عاماً) فقط على الإفصاح عن هويتها، وأوضحت أنها عملت لصالح وكالة الأمن القومي من 2009 حتى 2014، وكان اختصاصها البحث عن نقاط الضعف في أنظمة الكمبيوتر في الحكومات الأجنبية، مثل الصين، وتحليل البيانات التي يمكن سرقتها.

لكن حياتها العملية انهارت عام 2013، عندما قدمت توصية بتوظيف إدوارد سنودن كمتعاقدٍ تقني لدى الوكالة وبعد شهرين، هرب سنودن خارج الولايات المتحدة وسرب معلومات “سرية للغاية” للصحافة، ما شوهه سمعة سترود وسمعة زملائها.

وأشارت إلى أنها التحقت بفريق “رافن” بعد أسبوعين من تركها العمل كمحللة استخباراتية في وكالة الأمن القومي الأمريكية في عام 2014، لافتةً إلى أنها كانت تقوم بالمهام نفسها التي كانت تقوم بها في الوكالة الأمريكية لكن بأجر أعلى، مشيرةً إلى أن المحللين أمثالها كانوا يتقاضون 200 ألف دولار سنوياً، بينما يقبض المديرون رواتبَ تزيد عن 400 ألف دولار سنوياً.

وقالت الإمارات في السابق إنها تواجه تهديداً حقيقياً من الجماعات المتطرفة وإنها تتعاون مع الولايات المتحدة في جهود مكافحة الإرهاب ما شجع الأمريكيين على الانضمام للفريق، ولفت عملاء رافن لرويترز إلى أن المشروع ساعد نسبياً في تفكيك شبكة “داعش” داخل الإمارات.

استغلت سترود المهارات التي كسبتها على مدار عقد من الزمن خلال عملها في الاستخبارات الأمريكية لمساعدة الإمارات على اختراق هواتف وأجهزة الكمبيوتر الخاصة بمن تعتبرهم “أعداء”.

وعلى مدار ثلاث سنوات، عملت سترود وفريقها على مساعدة الإماراتيين على “إطلاق عمليات القرصنة”، لكن الأمريكيين بدؤوا يدركون أن عملهم بات يتقاطع مع “الخط الأحمر” وهو استهداف مواطنين أمريكيين ومراقبتهم.

تقنيات تجسس خطيرة

وضمن الفريق، استخدم قراصنة الاستخبارات الأمريكية السابقين أحدثَ أدواتِ التجسس الإلكتروني بعد أن امتلكوا ترسانةً من الأدوات السيبرانية وضعت بعضها في خدمة استخبارات أجنبية تتجسس على نشطاء حقوق الإنسان والصحفيين والغرماء السياسيين.

من أخطر الأجهزة التي استخدمها الفريق منصةَ تجسس متطورة تُعرف باسم “كارما” وهي أداة قرصنة قوية تمكن من اختراق أجهزة الآيفون في أي مكان في العالم، لمعرفة موقع حامله وتحميل قوائم الأسماء والصور ورسائل الهاتف والبريد الإلكتروني وغيرها من البيانات.

وتتمثل خطورة “كارما” في أنها لا تتطلب الضغط أو تحميل أي رابط، واستخدمها “رافن” لاختراق هاتف آيفون يستخدمه أمير قطر تميم بن حمد، وهواتف شقيقه والمقربين منه، ورفضت السفارة القطرية في واشنطن التعليق على الأمر.

كما استخدمت للوصول إلى هواتف مئاتِ الآلاف من ساسة ونشطاء وحكومات اليمن وقطر وتركيا وإيران.

ويؤكد عملاء رافين الأمريكيين الذين تحدثوا لرويترز، أنهم اخترقوا أجهزة آيفون مئات النشطاء والزعماء السياسيين والإرهابيين المشتبه بهم.

إشكالياتٌ أخلاقية

أمام خطورة ما توصلت إليه، تساءلت رويترز في تقريرها عن مدى تورط وكالة الأمن القومي الأمريكية في مشروع رافن، خاصة وأن الشركة الأمريكية “سنتر بوينت” التي دربت الإماراتيين ومدتهم بالتقنيات والأجهزة التي يحتاجونها لا يمكن أن تقوم بذلك دون حصولها على موافقة أمنية وتجارية، ورفضت الجهات المختصة بهذا الرد على تساؤلات الوكالة بهذا الشأن.

وأكدت رويترز أن تقريرها الاستقصائي يزيح الستارَ لأول مرة عن أعمال القرصنة الحكومية التي عادةً ما تُحاط بالسرية والإنكار، كما أنه يكشف الدورَ الذي تلعبه المخابرات الأمريكية بشكل غير مباشر في عمليات القرصنة الأجنبية.

لكن إشكالية خطيرة يكشفها التقرير تتمثل في قناعة البعض بأن “ممارسة العمل الاستخباراتي لصالح بلد آخر هو خيانة”، وفي هذا الإطار، أكد بوب أندرسون، المدير التنفيذي لمدير مكتب التحقيقات الفدرالي حتى عام 2015 “إذا كنتَ ضابط استخبارات سابق فعليك بالالتزام أخلاقياً بألا تصبح مرتزقاً فعلياً لدى حكومة أجنبية”.

ويشير محامو الأمن القومي في الولايات المتحدة إلى أن القوانين بشأن عمل عملاء الاستخبارات الأمريكية في الخارج “غامضة”، ورغم أنه من غير القانوني مشاركة المعلومات السرية، إلا أنه لا يوجد قانون محدد يحظر على المتعاقدين مشاركة خبراتهم، مثل كيفية مهاجمة هدف باستخدام بريد إلكتروني محمّل بالفيروس.

لكن القوانين الأمريكية تجرم بشدة مراقبةَ اتصالاتِ الأمريكيين، لذا كان اختراقُ الأميركيين يتم في سرية تامة داخل فريق “رافن” ومن قبل إماراتيين، وهو ما أثبتته سترود لرويترز عبر رسائل البريد الإلكتروني التي اطلعت الوكالة عليها.

ويحقق مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) حالياً في ما إذا كان موظفو “رافن” من الأمريكيين سربوا تقنيات مراقبة أمريكية سرية، أو استهدفوا شبكات اتصالات أمريكية بشكل غير قانوني، وقالت ستراود إنها تتعاون مع هذا التحقيق وإنه لم يتم توجيه أي اتهامات لها وللبقية.

وقالت سترود، “كنت أعمل لصالح وكالة استخبارات أجنبية تستهدف أمريكيين. شعرت حينها بأنني أصبحت رسمياً أسوأ نوع من الجواسيس” خاصةً وأنها كانت تغذي نظاماً متهماً بـ “بقمع الحريات، واحتجاز المعارضين وغيرها من الانتهاكات” بحسب اعترافها.

السابق
الديمقراطي الكردستاني :هذا ما ينص عليه الدستور بشان كركوك
التالي
الجيل الجديد يطالب الحكومة المركزية والبرلمان بالوقوف الى جانب موظفي الاقليم ..

اترك تعليقاً