اخترنا لكم

معنى هزيمة ترامب

ما إن حسمت الانتخابات الأمريكية لصالح المرشح جو بايدن ونائبته كاميلا هاريس إلا وبدأت المحلات في المدن الأساسية كواشنطن ونيويورك بإزالة حواجز الأخشاب الضخمة التي غطت واجهاتها خوفا بشكل اساسي من اجتياح انصار الرئيس ترامب للمدن في حالة الخسارة.
لقد غيرت النتائج الميزان، وأتت بالمرشح بايدن الذي فاز بأكبر رقم في تاريخ الولايات المتحدة الانتخابي. في هذه الانتخابات شعر الكثير من الملونين والأقليات وأبناء واحفاد المهاجرين والكثير من النساء والشباب والمتعلمين من البيض في المدن الأمريكية أنهم صنعوا تاريخ تحررهم.
لقد شعر الأمريكيون في هذه الانتخابات أنهم استعادوا دولتهم، بصفتها دولة تقوم على التنوع وقابلة للتغير والإصلاح السلمي. فالمهاجرون الجدد والقدامى صوتوا، والأقليات والملونون صوتوا بصورة واضحة، والشباب من البيض من خلفيات دينية مختلفة صوتوا، لم يبق أحد لم يصوت لمنع ترامب من تغير وجه أمريكا لصالح العنصرية التي تميز بين مواطن وآخر وبين مهاجر قديم وآخر جديد وبين لون وآخر. إن نجاح بايدن أصبح مرتبطا بنجاح نائبته كاميلا هاريس ابنة المهاجر الجمايكي والمهاجرة من الهند. إننا امام فوز امرأة ملونة من جيل أبناء وينات المهاجرين كنائبة للرئيس. هذا تحول تاريخي يضاف على التحول الذي ولد مع فوز الرئيس اوباما كأول رئيس ملون في العام 2008. والجدير بالذكر أن بايدن هو ثاني رئيس كاثوليكي في الولايات المتحدة بعد جون كينيدي.
إن النموذج الديمقراطي التي بدأ يتآكل في الولايات المتحدة كما وفي الأنظمة غير الديمقراطية والتسلطية والديكتاتورية في العالم قد دافع عن نفسه بنجاح في الولايات المتحدة. لكن في المقابل إن المشروع الإمبراطوري الأمريكي في العالم والذي قلما يلتفت لحقوق الشعوب هو الآخر يمر بلحظة اهتزاز كبرى، وبنفس الوقت إن المشروع الديمقراطي الأمريكي في الداخل الأمريكي يقدم نموذجا قد يسهم بتقوية ديمقراطيات ناشئة وشعوب تبحث عن العدالة.
والأهم أن الدفاع عن النموذج الديمقراطي الأمريكي لم يأت من قوى مهيمنة في قيادة الولايات المتحدة، ولم يأت من وول ستريت او من أصحاب المليارات أو من القوى الصهيونية، بل جاء من قوى شعبية تصدت للعنصرية. لهذا فالحركات التي سادت الشارع الأمريكي مثل «حياة السود لها معنى» وحركات شعبية ضد الفاشية، وحركات أخرى ضد سيطرة الاقتصاد الاستغلالي على الاقتصاد الإنساني المتوازن تمثل بعدا أساسيا في فهم المشهد الراهن. هذا يعني ان الولايات المتحدة ستكون مضطرة الآن لبناء نموذج محلي أكثر ديمقراطية من السابق وأكثر وعيا بحقوق الانسان من السابق وأكثر استيعابا لكل الأطراف.
هذه اللحظة التاريخية واللحظات التي سبقتها تعكس انقسام الولايات المتحدة لمدرستين. مدرسة ركز عليها هنتنغتون في كتبه الاخيرة وخاصة في كتابه الاخير (من نحن؟ 2004) وبين مدرسة أخرى تلتزم العدالة والمساواة بين الناس في وطنها دون التفات للدين والعرق والأصل وغيره.

في هذه الانتخابات انتصرت الرؤية التعددية العادلة، لكن أنصار العنصرية ممن يفرزون الناس كما فعل موسيليني وهتلر وغيرهما لازالوا حاضرين في المشهد الأمريكي والأوروبي، وهم لهذا، رغم خسارتهم لا يمكن الاستهانة بهم

أطروحة هنتنغتون ركزت على ضرورة إبقاء الغرب والولايات المتحدة سدا صلبا أمام الهجرات التي يصعب استيعابها في الثقافة المحلية الأساسية. لهذا ركز هنتنغتون على خطر اللاتينيين والمكسيك التي دخلت معها الولايات المتحدة في حروب عدة وفرضت عليها التنازل عن تكساس وكاليفورنيا ومناطق أخرى. وفق هنتنغتون لابد من وقف هجرات المكسيك واللاتينيين ووقف امتداد ثقافتهم ولغتهم للولايات المتحدة. بنفس الوقت شمل هنتنغتون المسلمين من منطلق استحالة استيعابهم في الحضارة الغربية. لكن هنتنغتون تجاوز حقيقة بأن الامريكيين من أصول لاتينية يزدادون حضورا وأصبحوا 30٪ من سكان الولايات المتحدة، وان أعداد المسلمين في تصاعد وان أغلبيتهم انسجموا مع الحضارة التي وفدوا اليها. لهذا فقرارات ترامب العنصرية تجاه جدار فاشل مع المكسيك، ثم منعه الكثير من المسلمين من المجيء للولايات المتحدة لم تأت من فراغ. لكن هذه القرارات تتجاهل ان المجتمع الحديث في كل مكان هو مجتمع شديد التنوع.
هذه الرؤية الأكثر تعصبا هي نتاج ضعف يزداد وضوحا في الحضارة الغربية السائدة. فبفضل فقدان تفوق العرق الأبيض الأوروبي والانكلوساكسوني الذي سيطر في أحد الايام على العالم برزت قوى يمينية بيضاء محلية ضحلة عنصرية بعيدة عن العلم والثقافة تركز على تفوق العرق الأبيض. بينما لازالت الثقافة الغربية تتطور بمشاركات ومساهمات مباشرة من لاتينيين ومسلمين وهنود وصينين وبيض وملونين وغيرهم(فوكاياما مجرد واحد من مئات). لقد توقع هنتنغتون بروز حالة واسعة بين البيض تسعى لإعادة عقارب الساعة للوراء خاصة بعد ان القى الكثير منهم اللوم على فقدان وظائفهم وأعمالهم على المهاجرين الجدد والدول الأخرى كالصين والهند. لكن ذلك كله لم يكن بسبب المهاجرين بل بسبب الشركات الأمريكية وطريقة التعامل مع حقوق العاملين وكثرة التركيز على مصالح كبار المؤثرين في الأسواق، والهوة الأكبر المتصاعدة بين الأغنياء والفقراء.
إن لسان حال هنتنغتون: يجب ان نحتمي وراء جدار ابيض اوروبي( تماما تكرار للنموذج الإسرائيلي) بينما الحضارات الأخرى كالإسلامية والهندية واللاتينية لن نستطيع استيعاب مهاجريها في نظامنا. ولهذا يعرف هنتنغتون من هو الأمريكي خارج إطار المواطنة، بل وفق تفسيره الخاص بأن يكون المواطن الامريكي مسيحيا يؤمن بالثقافة «البروتستانتية» وليس الكاثوليكية وينتمي للحضارة البيضاء ومن يسير معها كما ويؤمن بثقافة الفردية. تلك فلسفة وصلت لمكانتها القصوى مع ترامب، وهي اليوم ليست الا جزءا من الولايات المتحدة. في هذه الاجواء تصبح كراهية الأقليات بمن فيهم المسلمون واليهود( صوت معظم اليهود مع بايدن) وغيرهم شكلا متقدما من الفاشية.
لقد أكدت لنا الانتخابات الأمريكية التي فاز بها بايدن بأن نظرية التنوع والحقوق والاستيعاب واشراك كل من يقبل بتطوير الدولة والمؤسسات ويقسم على دستورها أساسي للتجربة الديمقراطية بل ولتجربة بناء الدولة القوية، بل و أكدت الانتخابات ان تيار التنوع المضاد للعنصرية ازداد قوة ورفضا للفاشية، وهو لهذا خاض معركته في هذه الانتخابات بشراسة. في هذه الانتخابات انتصرت الرؤية التعددية العادلة، لكن أنصار العنصرية ممن يفرزون الناس كما فعل موسيليني وهتلر وغيرهما لازالوا حاضرين في المشهد الأمريكي والأوروبي، وهم لهذا، رغم خسارتهم لا يمكن الاستهانة بهم.

د.شفيق ناظم الغبرا

القدس العربي

السابق
الديمقراطي الكردستاني: قانون تمويل العجز مُرر بعنصرية
التالي
تصريح للمتحدث باسم الحلبوسي يتوقع موعد الرواتب

اترك تعليقاً