أعلام وتراث

 مقبرة الغرباء: شاهد تاريخي على زمن النفي والإغتراب لأدباء وعلماء العراق

تشخص مقبرة الغرباء قرب مرقد السيدة زينب في سوريا كشاهد تاريخي على زمن الشتات والنفي والإغتراب في عصر الموت العراقي الحديث، الذي ازدهرت فيه المقابر وأيعنت لتعبر حدود الوطن المسجّى إلى دول الجوار في عهد الطغاة الطغام، وتكشف الجريمة عن ساقيها عندما يضيق صدر الوطن عن إحتضان علمائه ومفكريه ومبدعيه بين ثراه، ليقضوا نحبهم حتف غربتهم متوسدين أديم الشام وعيونهم ترنو إلى وادي السلام.

 

الأرض تكتسب هيبتها ووقارها وقدسيتها من ساكنيها، ومقبرة الغرباء تفيض هيبة على زائريها لأنها تضم في جوفها رفات الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري والشاعر العلامة مصطفى جمال الدين والمفكر هادي العلوي والشيخ العلامة المجاهد آية الله جعفر بدر الدين الصائغ والأديب مهدي علي الراضي.. والكثير من أعلام الفكر والأدب من العراقيين الذين اضطرتهم ظروف العراق السياسية إلى النأي عن الوطن بانتظار حلم العودة إلى أحضانه وانبلاح فجر الحرية والسلام لتفضح عورات الحكام واستهتارهم بالتفريط برموزه الإبداعية والفكرية.

 

أناقة وتنظيم

 

تأسست مقبرة الغرباء سنة 1990، وتمتاز بأناقتها وحسن تنظيمها، ثم إنشاء المدخل الرئيسي ومظلة المقبرة عام 1998 من تبرعات إحدى العوائل العراقية، وهو عبارة عن قوس كبير يتصدر واجهة المقبرة وأقواس جانبية صممت على الطراز الإسلامي الأندلسي، يفضي هذا المدخل إلى قلب المقبرة، وعلى الجانب الأيمن من المدخل الرئيسي ينتصب مرقد بارز ومرتفع فوق قبر العلامة والشاعر مصطفى جمال الدين، شيد بطريقة باذخة الجمال والهيبة تدلل على علو مكانة صاحبه، وفوقه شيدت قبة صغيرة، وإلى جوار السيد جمال الدين التي ترقد زوجته فاطمة التي توفيت في دمشق عام 1994.

الشاعر الكبير الدكتور مصطفى جمال الدين المولود في قرية المؤمنين في سوق الشيوخ 1927 وتوفي في دمشق بتاريخ 23/10/1996 ، وكتبت علو قبر السيد إحدى قصائده التي يقول مطلعها:

 

يا رملة النجف الشريف تذكري ظمأ العيون ففي يديك المورد

 

حنت فكان لها بذكرك مسرح وشكت فكان لها برملك أثمد

 

أشرقت بي نوراً وغرسي ناعم وزهوت بي ثمراً وعودي أغيد

 

ووقيتني غرر الشباب فما التوت قدم ولا امتدت لناقصة يد

 

وعبرت بي نهر الكهولة لم يضق ذرعاً بساريتي شراع المجهد

 

حتى إذا الستون أثقل جذعها ثلج الشتاء وباخ ذاك الموقد

 

وعلى مقربة عدة أمتار يقع الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري، الذي رسمت على واجهة قبره المرمرية الواسعة والمائلة خارطة العراق يقطعها نهرا دجلة والفرات من الشمال إلى الجنوب، وفي قلب الخارطة نقشت كلمات الجواهري ” إنا العراق لساني قلبه ودمي فراته وكياني منه أشطار” وفي أعلى قبر الجواهري خطت قصيدة يوم الشهيد:

 

يوم الشهيد تحية وسلام بك والنضال تؤرخ الأعوام

 

بك يبعث “الجيل” المحتم بعثه وبك “القيامة” للطغاة تقام

 

يا شام يا لمح الكواكب في دجى يا موكب الأعراس في الصحراء

 

وكتبت في أسفل شاهد قبر الجواهري:

 

إنا عندي من الأسى جبل

 

يتمشى معي وينتقل

 

إنا عندي إن خبا امل جذوة في الفؤاد تشتعل

 

انما الفكر،عارماً، بطل أبد الأبدين يقتتل

 

قائد ملهم بلا نفر حسرت عن راية الظفر

 

وكتبت على الجانب الأيسر من القبر المغلف بالمرمر باللون الأسود قصيدة “سلام على هضبات العراق” وفي خلف القبر الذي يتكون من قطعة مرمرية مربعة الشكل قصيدة ” يا دجلة الخير”.

 

وإلى جوار قبر الجواهري ترقد زوجته أمونة جعفر الجواهري.

 

عزّ وذلّ

 

أثناء تجوالنا في مقبرة الشهداء شاهدنا العديد من زوار المقبرة يتوقفون عند قبري الجواهري ومصطفى جمال الدين سورة الفاتحة على روحيهما.

 

حامد الخفاجي 32 سنة ل “الصباح” أثناء زيارته إلى مقبرة قائلاً: كلما آتي إلى زيارة أخي في مقبرة الغرباء أقف عند قبر الجواهري لقراءة سورة الفاتحة على روحه وأرواح موتانا ثم أقرأ عدداً من أبيات الجواهري التي كتبت على قبره.

 

ويصف الخفاجي وقوفه أمام قبر الجواهري، بأنه يقف تحت قمة إبداعية شاهقة في شاعريتها يتجسد فيها تاريخ العراق ونضاله بشموخ ضد الفاشست، فارتفع الجواهري رمزاً إبداعياً لم يمنح موهبته وتاريخه لنظام المقابر والحروب الجائرة، وسقط ذلك النظام أسفل سافلين في جحور الذلة والخوف.

 

اتّساع المقبرة

 

الملاحظ أن مقبرة الشهداء قد اتّسعت وازداد عدد القبور فيها في السنوات الأخيرة التي تلت الاحتلال الأميركي للعراق 2003 من خلال نزوح أعداد كبيرة من العراقيين إلى سوربا أثر التدهور الأمني، يقدر عددهم بمليون وأربعمائة ألف لاجئ، ويذكر الدفان الذي يعمل في المقبرة: إن العراقيين المقيمين في سوريا منذ زمن النظام السابق نسبة كبيرة منهم كانوا يعملون في صف معارضة النظام في بغداد أو لديهم إشكالات سياسية معه، لذلك هم لا يستطيعون الدخول إلى العراق لدفن موتاهم فيدفنون في مقبرة السيدة زينب الحديثة، والتي أطلق عليها العراقيون اسم مقبرة الغرباء لأنهم يموتون غرباء عن الوطن، وعادة ما يفضل العراقيون دفن موتاهم قرب مراقد الأئمة والأولياء الصالحين، فوجدوا في مقبرة السيدة زينب المكان الأنسب لدفن موتاهم.

 

ويضبف مؤكداً أن أعداد العراقيين النازحين قد تضاعفت بسبب أعمال العنف والاضطراب الأمني ما جعل المقبرة تتسع وعلى نحو يومي تأتينا جنائز العراقيين الذين يتوفون في سوريا.

 

ويبين أن اختيار العراقيين لدفن موتاهم في سوريا تأتي من ارتفاع كلفة النقل من سوريا إلى العراق والإجراءات الرسمية المشددة وتأخر وصول الجثة إلى العراق بسبب تعسر وسائل النقل السريعة تجعل العراقيين يرضخون لدفن موتاهم في مقبرة الغرباء.

 

الدكتور عدنان العبيدي المقيم في سوريا يذكر أن نسبة من العراقيين أخذوا ويقصدون سوريا ولبنان للعلاج بسبب نقص الكفاءات الطبية العراقية التي هاجرت البلاد وضعف الخدمات في المستشفيات.. وعند فشل العمليات الجراحية وحدوث الوفاة يلجأون إلى مقبرة الغرباء في السيدة لدفن موتاهم، فضلاً عن الوضع النفسي للعراقيين الذين هاجروا بلدهم مرغمين لظروف قاهرة أجبروا عليها زاد من عدد الوفيات بالسكتة القلبية والدماغية.

 

اللافت من خلال تطوافنا في مقبرة الغرباء إننا وجدنا أن العراقيين في غربة الموت متوحدين منسجمين على تنوعهم واختلاف مشاربهم، فهذا العالم وذاك المتعلم وهذا العابد وذاك الملحد وهذا الشيخ وذاك من لا ظهير له، وهذا السني وإلى جواره يرقد الشيعي وبالقرب منهما يتوسد الكردي، لا فاصل أو حاجز بينهما منزوعو الرتب والمناصب توحدهم ذرات الأتربة التي منها بدأ خلقهم، وكأني بهم يسخرون من الأحياء فوق التراب هم يزدادون انشطاراً وشتاتاً.

 

(سامر المشعل الأرشيف-العدد الرابع/السنة الأولى 1431هـ/2010م)

السابق
الامام المهدي: الأمل والغاية (2)
التالي
لمحة عن مؤلفات الشيخ الطوسي

اترك تعليقاً