أبحاث ودراسات

مقتل علي عبدالله صالح يغرق السعودية أكثر  في مستنقع اليمن

في دراما مروعة، أدى مقتل صالح إلى تقويض المحاولات السعودية والإماراتية لاضعاف الحوثيين.

فمقتل الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح يوم الاتنين  وجه ضربة للمحاولة السعودية للعثور على مخرج من المستنقع اليمني الذي كان فشلا استراتيجيا لم يحقق بعد اهدافه الخاصة المتمثلة في الحد من سلطة الحوثيين واعادة حكومة الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي.

وثمة حاجة إلى معالجة سؤالين رئيسيين في أعقاب وفاة صالح. أولا ، ما الذي جعل الحوثيين وصالح حلفاء في المقام الأول ، وهل يمكن للحوثيين إيجاد حليف محلي جديد؟ثانيا ، ما هي الطريقة التي يتمكن بها صالح من ازالة الضربة إلى محاولة المملكة العربية السعودية  الامارات لإيجاد استراتيجية خروج من الصراع ومن هي القوات اليمنية العميلة التي يمكن أن يحالفها لاعبو الخليج في أعقاب وفاة صالح؟

والاجابه القصيرة على هذه الأسئلة هو أن كل من الحوثيين وقوى الخليج سوف يجدون صعوبة في العثور على أي شريك يمني محلي يمكن أن يجلب جميع الأطراف في الحرب إلى حل سياسي تفاوضي.

 

انهيار تحالف صالح- الحوثي

وبعكس ما يبدو ظاهرا ان مقتل صالح كان بسبب معركة داخلية بين حلفاء من الشيعة الزيديين قتل فيه الحوثيون حليفهم الزيدي، فان السلطة وليست الطائفة ، هي التي تفسر لماذا تحول الفريقان ضد بعضهم البعض. فالشيعة الزيديون هم فرع من فروع الإسلام التي انضم اليها نحو ثلث سكان البلاد.

ويكشف الماضي أن تحالف الحوثي- صالح كان زواجا ظرفيا قائماالمصالح، وليس على أساس الهوية الطائفية المشتركة، وسيؤدي في نهاية المطاف إلى كشف المظالم الماضية، التي تجلت في المصادمات التي وقعت في نهاية الأسبوع.

ويتركز الشيعة الزيديون الذين تبلغ  35% من سكان اليمن بشكل رئيسي في شمال البلاد.

وتأخذ الحركة الحوثية اسمها من زعيمها حسين الحوثي والتي تطورت في وقت مبكر من التسعينات  كبرنامج ديني لتعزيز الزيديية بين الشباب في صعدة وضواحيها، ردا على تبشير الوهابية السعودية في منطقتهم.

وسرعان ما تطورت إلى حزب مع أعضاء في البرلمان، لكن حكومة صالح سعت إلى تقليص سلطتها.

عندما نشر صالح  قوات عسكرية إلى صعدة في عام 2004، بدأ الحوثيون بشراء أسلحة للدفاع عن أنفسهم.

وبينما كان صالح نفسه هو زيدي، إلا أنه شارك في حرب مريرة ضد ابناء مذهبه من الحوثيين، حيث عرض نفسه كرئيس قومي يتجنب أي ولاء للحوثيين في المقاطعة.

في عام 2004،  وبموجب أوامر صالح، قتل الجيش اليمني زعيمهم حسين الحوثي، لكن الحركة استمرت تحت قيادة والده وشقيقه، واستمر القتال حتى عام 2010، حيث تمكن الحوثيون من النجاة من خمس حملات عسكرية.و ما بدأ كحركة طلابية قد تطور إلى ميليشيا محنكة، تدعى  (أنصار الله).

 

وانتشرت جاذبيتهم أيضا خارج الطلبة الزيديين إلى اليمنيين المعارضين لحكومة صالح. وقد أتاحت المظاهرات التي اندلعت في اليمن في يناير / كانون الثاني 2011 فرصة للحوثيين لتقويض صالح.

في حين أن الحوثيين هم من الزيديين، فإن دعوتهم تجاوزت قاعدة طائفتهم، وجذبت اليمنيين الذين انضموا إلى الاحتجاجات خلال الربيع العربي، مطالبين بالديمقراطية.وقد استقال صالح في نهاية المطاف وقاد هادي ، نائب الرئيس السابق ، حكومة جديده أثبتت عدم فعاليتها في حكم البلاد.

 

وكان نجاح الحوثيين في الاستيلاء على العاصمة صنعاء في عام 2014 من هادي على علاقة بتحالف تكتيكي مع ضباط لا يزالون موالين لصالح، الرئيس المخلوع، الذي لا يزال نفوذه وراء الكواليس. وقد قام هو والضباط بصياغة قضية مشتركة مع الميليشيات.

 

لقد كان تحالفا للملاءمة وليس تحديا قائما على الانتماء الطائفي المشترك، واستمر التوتر بين الفصيلين والذي خرج الى العلن مع مناوشات  آب / أغسطس، ومرة أخرى خلال عطلة نهاية الأسبوع عندما حاول صالح التوافق مع المملكة العربية السعودية.

 

التوتر بين صالح وإيران

 

السرد المهيمن للحرب الأهلية اليمنية يصفها بأنها صراع طائفي بين الشيعة الزيديين اليمنيين والسنة، تدعمه إيران الشيعية والسعودية السنية على التوالي. ومع ذلك، كان الصراع دائما أكثر حول المظالم اليمنية المحلية، واللاعبين الخارجيين يجدون فرصة لتوسيع مجال نفوذهم.

إن الدعم الإيراني للزيديين لا يمكن تفسيره بدوافع طائفية وحدها حيث أن الزيديين يوجد فرق كبير مع الشيعة الاثتي عشرية في إيران. في حين أنهم سيكونون “خمسية”، مع اعترافهم فقط بالخمسة الأوائل من الأئمة الشيعة 12، ويختلفون عن “لاثتي عشرية” في إيران أو العراق حيث ان الزيديين ليس لديهم آيات الله أو التسلسل الهرمي الديني.

بينما كنت أعيش في اليمن، التقيت بالطلاب اليمنيين الذين درسوا في قم، في إيران، اعتتنقوا مذهب الشيعة الإثني عشرية وأعادوها معهم إلى اليمن.

 

اتهم صالح الحوثيين واليمنيين الذين تحولوا الى الشيعة الإثني عشرية بانهم عملاء لإيران، فقط لتشكيل تحالف مع الحوثيين وإيران ثم تم التخلي عن ذلك فجأة من خلال الانفتاح على المملكة العربية السعودية.

 

صفقة اليمن الكبرى

وكان موت الزعيم اليمني نتيجة لمبادرته  نحو المملكة العربية السعودية من أجل الحوار ، والتي قوبلت بالمثل من قبل المملكة العربية السعودية التي اعترفت بصالح “الرئيس السابق” لليمن بدلا من “الرئيس المخلوع”.

وكانت المبادرة الاخيره التي سبقت وفاته جزءا من خطة الامارات لتقويض تحالف الحوثي-صالح ، ولاستمالة ابن صالح أحمد  لتولي منصب بارز في حكومة جديده استبعدت الحوثيين.

ومن الواضح ان المملكة العربية السعودية قد اعترفت بهذه الخطة لأنها عرضت علي الرياض وسيلة لتخليص نفسها من النزاع اليمني بعد فشلها في سحق الحوثيين من خلال حملتها الجوية. في حين أن تفكك تحالف الحوثي -صالح حدث، فإنه لم يحدث وفقا للخطة الإماراتية السعودية.

في عام 2015 دعمت السعودية والإمارات هادي، الذي فر إلى عدن، بعد استيلاء الحوثيين على صنعاء. و لذلك فقدت دولة الإمارات الثقة في نهاية المطاف في هادي، وبدلا من دعم بقايا الجيش اليمني تحت قيادته، عززت تشكيل قواتها الخاصة بالوكالة، حزام الأمن.

ولإضافة المزيد من التوترات في جنوب اليمن، سعت دولة الإمارات العربية المتحدة في تشرين الأول / أكتوبر إلى كبح سلطة حزب الإصلاح، وهو فرع يمني من جماعة الإخوان المسلمين،  نظر لتطلعهم الى التوصل إلى حل تفاوضي مع صالح كوسيلة لإنهاء الحرب..

سعت كل من الإمارات العربية المتحدة والسعودية إلى ايجاد حليف في صنعاء وشمال اليمن من خلال صالح، بسبب عدم قدرتهم على إيجاد شريك موثوق به في عدن أو الجنوب يمكن أن يفضي إلى نهاية تفاوضية للحرب.

وفي دراما مروعة، أدى مقتل صالح في النهاية إلى تقويض المحاولات السعودية والإماراتية  لاضعاف الحوثيين.

 

ما هو التالي بالنسبة لليمن

 

بالنسبة لمستقبل الصراع اليمني بعد وفاة صالح، فإن مصير قواته الموالية في الجيش، وكذلك حزبه، مؤتمر الشعب العام، لا يزال غير واضح.

وهل سيقاتلون الحوثيين من أجل الانتقام، هل سيعيد بعض الموالين الاصظفاف مع الحوثيين ، أم سيكسرون تماما؟ المشكلة في التنبؤ بالنتيجة هي عدم وجود أرقام موثوقة عن عدد الرجال

المقاتلين وما هي الأصول العسكرية في أيدي الحوثيين أو أتباع صالح أو قوات هادي أو وكلاء الإمارات.

ومع ذلك فإن موت صالح لن يبشر بزوال الحوثيين. وكان الحوثيون دائما حذرين من فصيل صالح بسبب عداءهم في الماضي، وكانوا على الأرجح يستعدون لهذه المواجهة النهائية.

التخمين الوحيد للمجازفة عند هذه النقطة هو ان الافضلية والسبق هو للحوثيين.

والحوثيون هم قوة عسكرية محنكة تحت قيادة واحدة، في حين أن القوات العسكرية التي تدعمها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة هي في حالة من الفوضى.

حتى لو فقد الحوثيون السيطرة على أجزاء من العاصمة صنعاء، أو حتى العاصمة بأكملها، فإنهم سيبقون على قاعدتهم في  منطقةالشمال، وخاصة معقلهم في صعدة.

يمكن للرياض أن تكثف حملتها الجوية، لكنها لن تغير الحقائق على الأرض. على الرغم من أن الحوثيين فقدوا دعم قوات صالح العسكرية، حليفهم اليمني المحلي الوحيد، إلا أن هذا لا يبشر بإنتصار سعودي فوري على قوة متمردة متكاثرة في المناطق الجبلية في شمال اليمن.

لم تنجح أي حملة عسكرية في التاريخ، سواء اكان العثمانيون أو حملة جمال عبد الناصر في الستينيات، في إخضاع هذه الأراضي عسكريا تماما.

 

لسوء الحظ فإن الاقتتال الداخلي بين التحالفات في اليمن والدور المتفاقم للاعبين الخارجيين يأتي ليشبه الصراعات في ليبيا وسوريا، حيث ظلت محاولات الوساطة بعيدة المنال لسنوات بسبب العديد من اللاعبين المشاركين، سواءا من القوى الخارجية اوالمحلية.

 

 

إبراهيم المراشي

ميدل إيست آي

الثلاثاء 5 ديسمبر 2017

 

 

إبراهيم المراشي أستاذ مشارك في تاريخ الشرق الأوسط في جامعة ولاية كاليفورنيا سان ماركوس. وتشمل منشوراته: القوات المسلحة العراقية: التاريخ التحليلي (2008)، والتاريخ الحديث للعراق (2017)، وتاريخ موجز للشرق الأوسط (القادم).

السابق
“صالح” ضحية صراع خفي بين السعودية والإمارات
التالي
من يقف وراء مخطط الانقلاب في كردستان؟

اترك تعليقاً