أبحاث ودراسات

من هو المستفيد الحقيقي من قرار الولايات المتحدة بالانسحاب من سوريا

كان إعلان الولايات المتحدة عن سحب قواتها من سوريا في الـ19 من ديسمبر الماضي، وقد طرأت تطورات سريعة في الأسابيع القليلة الماضية – فمن الآمن القول أن هناك الكثير من الأمور لا تزال غير واضحة.

إن عدم الكشف عن جدول زمني محدد للانسحاب إضافة إلى الرسائل المختلطة من قبل واشنطن، كل ذلك جعل الصورة أكثر ضبابية وتعقيدا. ومع ذلك، في الـ11 من يناير، أعلن الكولونيل شون ريان، المتحدث باسم التحالف لمحاربة داعش الذي تقوده الولايات المتحدة أن القوات الأمريكية “بدأت عملية الانسحاب المدروس من سوريا”.

هناك احتمال أنه بعد فترة من كتابة هذا التقرير – حتى أنه قد يتم نشره بعد بضع ساعات – قد تتغير الأمور مرة أخرى وذلك يرجع إلى ميل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى اتخاذ قرارات وإعلانها بدون تخطيط مسبق، ويبدو في بعض الأحيان دون إشعار مسبق للبنتاغون أو حلفاء الولايات المتحدة. ولكن عند الحديث عن من هو أكبر فائز بقرار الولايات المتحدة بالانسحاب، يقول بعض المحللين إنه قد يكون الرئيس السوري بشار الأسد.

فاجأ قرار الولايات المتحدة بسحب قواتها من سوريا حلفاءها مثل فرنسا وتركيا التي كانت جزءا من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد داعش في سوريا. لكن الأكثر إحباطا – والأكثر تأثرا على الأرجح – هي وحدات حماية الشعب الكردية. هؤلاء هم الحلفاء الأكراد الذين كان يدعمهم المسؤولون الأمريكيون في سوريا خلال محاربة داعش، وقدمت واشنطن لهم الأسلحة بغرض التحالف لمحاربة تنظيم داعش.

الرئيس الفرنسي ينتقد قرار ترامب بسحب القوات الأمريكية من سوريا

قال إيمانويل ماكرون، الرئيس الفرنسي: على الحليف أن يكون محل ثقة وينسق مع حلفائه الآخرين. أعتقد أن وزير الدفاع الأمريكي السابق يذكرنا جيدا بهذا. وذلك ما أنا ملتزم به.

وتعتبر وحدات حماية الشعب الكردية النقطة الخلافية الرئيسية بين تركيا والولايات المتحدة، فواشنطن تدعم مقاتلي وحدات حماية الشعب الكردية السورية، بينما تعتبرها تركيا مجموعة إرهابية وامتدادا لحزب العمال الكردستاني. وقبيل إعلان ترامب عن الانسحاب من سوريا، كانت تركيا تخطط لعملية عسكرية تستهداف بالأساس حزب العمال الكردستاني المحظور وبقايا جيوب تنظيم الدولة الإسلامية في شمال شرق سوريا، وتقول أنقرة أنها تشكل تهديدا للأمن القومي التركي.

وتم تأجيل العملية العسكرية بسبب إعلان الولايات المتحدة عن سحب قواتها من سوريا، ومع ذلك، فإن تركيا قد بدأت إرسال تعزيزات عسكرية إلى جانبي الحدود منذ أسابيع. في الـ12 من يناير الجاري، أرسل الجيش التركي قافلة أخرى من المركبات العسكرية إلى مدينة هاتاي التركية على طول الحدود مع سوريا.

 

لذا تعتبر وحدات حماية الشعب الكردية في قلب التطورات الأخيرة في سوريا، إلى حد أنه قد يكون لها تأثير على وتيرة الانسحاب الأمريكي وبالتالي تؤثر على تطورات الأزمة السورية ككل.

يشبه الوضع في سوريا لعبة الشطرنج متعددة اللاعبين، -النظام السوري وروسيا وتركيا وإيران والولايات المتحدة-، كل لاعب يمتلك أولويات وأهداف مختلفة، فخطوات كل منهم التالية والإستراتيجية التي يجب اتباعها من أجل الحصول على أفضل النتائج تختلف عن باقي اللاعبين.

عندما أعلنت الولايات المتحدة عن استعدادها للرحيل، بقى حلفاءها الأكراد في سوريا دون حماية، رغم أن المسؤولين الأمريكيين كانوا يسعون للحصول على ضمانات بأن تركيا لن تستهدفهم، غير أن أنقرة لم تتعهد بذلك. لذا، اضطرت وحدات حماية الشعب إلى اللجوء إلى قوى أخرى لطلب الحماية – روسيا والنظام السوري. أسرع الأسد في إرسال القوات السورية إلى ضواحي منبج. وبذلك كان للرئيس السوري اليد العليا في معركته مع الأكراد الذين تمكنوا من السيطرة على مساحات كبيرة داخل سوريا في المناطق التي قاتلوا فيها داعش. في المقابل، فبالنسبة للأسد انه يرجح اعلان الأكراد ولائهم للدولة السورية بقيادته وقبول الوحدة.

القوات الكردية السورية تسعى للتوصل إلى اتفاق مع الحكومة السورية

ذكرت تقارير وسائل الإعلام السورية أن وفدا من القوات الكردية السورية طرح “خارطة طريق” للتوصل إلى اتفاق سياسي مع الحكومة السورية خلال زيارة قام بها في وقت سابق إلى روسيا وينتظر ردا من الجانب الروسي. ويذكر أن روسيا وافقت على التوسط في وقت سابق.

ويشدد المحلل السياسي غاريث جنكينز على أنه في حين أن الأسد يركز على القضايا الداخلية، فإن حليفيه الرئيسيين روسيا وإيران تركزان أكثر على الإستراتيجيات الجيوسياسية، مشيرا إلى أن “نظام الأسد يركز بشكل كبير على محاولة إعادة تأكيد سلطته على كل البلاد، وإعادة دمج البلد وتوحيدها، ليس فقط من الناحية السياسية ولكن أيضا من الناحية الاقتصادية، وهو ما يعني أيضا ربط حلب، التي كانت واحدة من المراكز الاقتصادية الرئيسية في سوريا، مع بقية البلاد. ولكن بالنسبة لإيران وروسيا، فإن اهتمامهما كان بالوضع الإقليمي، ولا سيما الولايات المتحدة ووجودها في سوريا، حيث أن روسيا هي المنافس العالمي للولايات المتحدة، أما بالنسبة لإيران، فإن الولايات المتحدة قد فرضت عقوبات جديدة عليها، لذلك تنظر كل من روسيا وإيران إلى هذه الصورة الإستراتيجية الأوسع. أما النظام السوري فيركز بشكل رئيسي على الحرب الأهلية القائمة “.

مع اقتراب الأسد من إعلان النصر في سوريا، تتطلع إيران لمصلحتها الخاصة في ما بعد انتهاء الحرب السورية، السياسية والاقتصادية على حد سواء. تريد إيران التي قامت بدور نشط في عملية السلام، كدولة ضامنة مع روسيا وتركيا، تريد أن يكون لها رأي في مستقبل سوريا، لكن عليها الأخذ في الأعتبارالتحركات التي تقوم بها الولايات المتحدة ، حيث صرح وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في القاهرة في الـ10 من يناير الجاري ” ستستخدم الولايات المتحدة الدبلوماسية والعمل مع شركائها لطرد آخر جندي إيراني من سوريا “.

من جهة أخرى، يبدو أن الدول العربية قد استسلمت لفكرة أن الأسد سيكون هو المنتصر في هذه الحرب العالقة، وقد بدأوا في التحرك على هذا الأساس. ففي ديسمبر الماضي، أعادت الإمارات العربية المتحدة فتح سفارتها في دمشق، ويعتبر ذلك تحول كبير في سياستها تجاه الحكومة السورية. كما أعلنت البحرين أنها ستحذو حذو الإمارات. لقد علقت عضوية سوريا في جامعة الدول العربية منذ عام 2011، ولكن مع آخر التطورات والتحركات لبعض الدول العربية مع دمشق، يبدو أن سوريا قد تكون مدعوة إلى قمة الجامعة العربية في تونس المقرر عقدها في مارس المقبل.

السابق
ما الذي دفع بشخصيات عربية وإقليمية ودولية بارزة إلى زيارة العراق؟
التالي
إعادة نشر القوات الأمريكية داخل العراق محاولة لمنع الحشد من الوصول الى حدود سوربا

اترك تعليقاً