أعلام وتراث

من هي عادلة خاتون؟!

لعل الفضل في بحوثنا هذه يعود إلى ما كتبه الأستاذ أمين المميز عن بغداد في كتابه المميز والذي أحدث ضجة أو ضجات تثير كوامن كثير من العارفين من الكتاب والمحيطين بتاريخ بغداد وأعيان أشخاصها في مختلف عهودها وأدوارها، وكان من هؤلاء الأعيان التي ردد ذكرها المؤلف المميز أكثر من خمسين مرة عداً هي “عادلة خاتون” إبنة والي بغداد أحمد باشا بن سحن باشا بن مصطفى باشا الوزير السباهي والسباهية: صنف من الحرس الخيالة الخاص أو الممتاز في البلاط العثماني، ولعل الدافع الأساس الذي حمل المميز على تكرار ذكرها والثناء عليها هو رابطة النسب التي توثقت بينهما وذلك أن عبد الرحمن باشا “إلى كركوك” هو زوج فاطمة خانم أو خاتون بنت حسن باشا والي بغداد حكم من عام 1116 – 1136هـ، 1704/1723 المعروف تاريخياً بـ فاتح همدان، وإبن الوزير مصطفى باشا السباهي الأموي الأصل المار ذكره.

وإن زوجته فاطمة هي عمة عادلة خاتون صاحبة الجامعين المشهورين الكبير والصغير والمنسوبين بالإسم إليها ويقع الأول منهما – أعني جامع عادلة خاتون الكبير، في مدخل شارع المستنصر مقابل المحكمة الشرعية الحالية وقد شيدته عام 1168 = 1754م، وأما الآخر وهو الجامع الصغير فكان موقعه في محلة “الدنكجية” (عكد الصخر) في شارع المأمون الحالي عند مدخل سوق الصفافير (الضيق) مقابل المتحف البغدادي حالياً، أما الآن فقد دخل في الشارع العام بعد توسيعه، فشيد الوارثون بديلاً عنه جامعاً في محلة الصرافية يحمل إسم عادلة خاتون كذلك وذلك في عام 1382 = 1962م، أما عادلة خاتون فتوفيت عام 1182هـ = 1768 ودفنت مع والدها أحمد باشا، وجدها حسن باشا، بجوار مرقد أبي حنيفة (رض 9 في المقبرة المعروفة قديماً بـ مقبرة الخيزران، بعد حياة حافلة بالكفاح والصراع، مشحونة بالأحداث والمفارقات فهي، وإن لم تكن والية على بغداد، ولكنها تأمرت وتآمرت على الولاة، وذلك لإمتلاء نفسها بالعزة المشوبة بالغرور والغيرة، لأنها إبنة وال إبن وال إبن وزير، هذا من جهة الأب، وأما من جهة الأم فهي إبنة أمير عربي، غير أن والدها المرحوم “أحمد باشا” سعى في تزويجها من الآغا المملوك المعتق ربيبه المعروف بـ سليمان باشا فيما بعد وذلك عام 1145 هـ 1732م، وقد خلف سليمان والدها أحمد باشا بعد وفاته عام (1160 هـ 1747) فأصبح يدعى سليمان أبا ليلة وأبا سمرة وسليمان الأسد لأنه كان قد إشترك مع والدها – أحمد باشا – في قتل أسد إعترضهم في منطقة عقرقوف – في الكرخ – كما كان يدعى كذلك بـ دواس الليل، لأنه غالباً ما كان يخرج ليلاً متنكراً ليتفقد شؤون الرعية – من ذلك سمي أبا ليلة، وكانت له حملات مفاجئة، وكبسات معروفة على حملات مفاجئة، وكبسات معروفة على العصاة والمتمردين، ذكرها غير واحد من المؤرخين.

غير أن السيدة عادلة خاتون – على ما عرفنا من سيرتها وتربيتها – لم تكن راضية أو مقتنعة بهذا الزواج، الذي أراده لها والدها، أحمد باشا، من هذا الزوج الذي كان مملوكاً لجدها “حسن باشا” ووالدها أحمد – كما ذكرنا إن منّ عليه والدها بالعتق بعد أن كان قد تربى في بيت جدها ووالدها مع جملة المماليك الذين جلبوا من بلاد الكرج “تفليس” في عهد جدها حسن الذي عرف عنه أنه “مؤسس أسرة المماليك في العراق”، ولعل هذا الزواج الفاشل وكون عادلة خاتون نفسها عاقراً كأختها، “عائشة خاتون” وهما الشقيقتان الوحيدتان لأبيهما – حيث لم ينجب ولداً ذكراً – هما اللذان جعلا من عادلة خاتون تلك المرأة الجبارة المتحكمة، التي ضمت بين جنبيها نفساً معقدة إنطوت على جملة من المتناقضات، فهي كما ذكرها قريبها “الأستاذ المميز” مشيدة الجامعين المذكورين بإسمها، وصاحبة الأملاك والموقوفات عليهما وعلى الذرية من الوارثين وهي كذلك لها مبررات كثيرة وخيرات وفيرة، وكان لها الفضل في إنشاء مدرسة جماعة من أتباعها سماهم “المميز” (الأنصار) كانت تعتمد عليهم في فرض سيطرتهم على السلطات في بغداد حتى إكتسبت لقب (المملكة الوالدة) وكان هؤلاء الأنصار يعلقون على صدورهم شارات مطرزة بالحرير مكتوباً عليها طلاب مدرسة عادلة خاتون، لتمييزهم عن غيرهم من موظفي الدولة ورعايا البلاط.

وقد ذكر “المميز” أيضاً: أن هذه المدرسة صارت في العهود الأخيرة لتدريس الفقه الحنفي وقد درس فيها كثيرون من رجال الفقه والقانون على يد أشهر علماء بغداد يومذاك، أمثال السيد محمود الألوسي، مفتي بغداد، والسيد صبغة الله الحيدري، وكان آخرهم الملا نجم الدين الواعظ رحمه الله، مفتي بغداد أخيراً، الذي أسندت إليه جهة التدريس في هذه المدرسة فلقب يومئذ بـ “مدرس العدلية” نسبة إلى تلك المدرسة فبقي فيها مدرة طويلة يتقاضى رواتبه من المتولين على أوقاف عادلة خاتون – كما أوضح المؤلف “المميز” علاقة وزارة العدل بالمحكمة الشرعية الحالية ذلك أن عادلة كانت قد أوصت بقطعة الأرض المحصورة بين الجامع ونهر دجلة لتكون محكمة للشرع الشريف، وشيدت داراً بجنب دار سكناها خصصته لسكنى القاضي، وبقي الحال كذلك حتى أواخر العهد العثماني، وبعد الإحتلال سكنت عائلة عبد القادر بها – المعروف بقدوري – جد عبد القادر المميز، تلك الدار فترة من الزمن، ثم أخلتها لتداعيها، وبقيت المحكمة الشرعية في مكانها حتى أواخر العشرينيات من دون أن ينازع ملكيتها أحد، وبالنظر لتقادم الزمن، فقد إستولت عليها وزارة العدلية (العدل) وهدمتها كما هدمت دار القاضي بجوارها وأعادت بناء المحكمة في وضعها الحالي وذلك عام 1934.

وكان آخر من سكن تلك الدار من القضاة هو المرحوم محمد سعيد الحديثي – قاضي بغداد الأسبق – وقد سمي الحمام المجاور للمحكمة الشرعية (حمام القاضي) موقع سوق التجار حالياً – إنتهى مختصراً عما ذكره المميز في كتابه المنوه عنه (ص168)

هذه عزيزي القارئ صفحة أو جانب من جوانب الخير والبر ذكرها المؤلف – المميز – على سبيل المثال لما خلفته عادلة خاتون من مبررات وخيرات ولعلها – رحمها الله، أرادت بها أن تتشبه بتلك السيدة الهاشمية العربية “زبيدة بنت جعفر بن أي جعفر المنصور” زوج

الرشيد وأم الأمين وإسمها “آمة العزيزط وزبيدة لقب لها لقبها به جدها المنصور لبياضها وبضاضتها وجمالها – فقد كانت هذه السيدة الجليلة الصالحة على جانب من التقوى وحب الخير، وكانت رحمها الله، مثالاً يحتذى به للمرأة المسلمة الخيرة الفاضلة، وقد جمع لها الشرف من طرفيه نسباً وحسباً ما لم يجتمع لغيرها من نساء عصرها، ولا بعده – على ما علمنا – فكانت ذات معروف وخير ونفقة واسعة على أصحاب الحاجات والمعوزين ما كثرت عنها الحكايات في كتب التاريخ والأخبار – وقصة حجمها وما فعلته وأنفقته في طريقها من الإحسان مشهور لا يحتاج إلى بيان، كان منه أنها سقت أهل مكة الماء العذب بعد أن أسالته من مسافة عشرة أميال عربية (الميل أربعة آلاف ذراع = كيلو مترين) ما بين الجبال والوديان بعد أن كانت الراوية عندهم تباع بدينار، كما كان لها مئة جارية يحفظن القرآن، وكان يسمع في قصرها لقراءتهن دوي كدوي النحل إلى غير ذلك من المآثر والآثار.

غير أن السيدة عادلة خاتون التي أرادت أن تتشبه بهذه السيدة الخيرة بعمل الخيرات والمبرات لها جانب آخر من السيرة يناقض هذا تماماً، وذلك على حد قول قريبها المميز، نقلاً عن المؤرخين “أنها كانت تتحكم في شؤون باشوية بغداد” في كل صغيرة وكبيرة من أمور الموظفين والولاة.

بحكم كونها إبنه الوالي، أحمد باشا، وحفيدة الوالي حسن باشا، وزوجة الوالي سليمان باشا، أبو ليلة، ولكن حكمها هذا وتحكمها كان يشوبه الكثير من العنت والإفتئات وبخاصة مع زوجها سليمان باشا أبي ليلة، فضلاً عن سائر الولاة، وكنا قد ألمعنا في ما سبق من عدم رضاها بهذا الزوج الذي خلف أباها أحمد بباشوية أو ولاية بغداد حينما رغب والدها أن يكون هذا هو الخلف الصالح له بعد أن حرره من الرق ومنَّ عليه بالعتق وقلده المناصب الكبيرة في الولاية، نظراً لما كان يتوسم فيه من خصال الخير والصلاح وكان يعتمد عليه في جميع أموره المهمة حتى أوصله إلى أرفع الدرجات قدراً وأجلها شأناً وكان يصحبه في حملاته وحروبه معه، فيرى فيه الفارس المغوار والبطل الذي لا يشق له غبار.

وكان قد صحبه في حملة سار هو على رأسها وذلك عام 1160 = 1747، وعند رجوعه من حملته هذه أصابته حمى الملاريا الخبيثة التي فتكت به وبجيشه فتكاً ذريعاً وفي طريقه إلى بغداد ومروره بـ “دلي عباس” إشتدت عليه الحمى فقضى نحبه وجيء بجثمانه إلى بغداد ودفن بجوار والده “حسن باشا” في مقبرة الإمام الأعظم.

ولكن عادلة خاتون إبنته كانت تعتقد أن سبب وفاة والدها كله هو “سليم باشا بابان” لذا فقد كانت تحرض زوجها سليمان على الإنتقام منه أخذاً لثأر والدها وذلك بمحاولة إلقاء القبض عليه ثم القضاء، ولكن زوجها لم يستطع تحقيق هذا المطلب وذلك لتحصن سليم بابان في الأوعار والجبال، فأخذت عادلة منذ ذلك الحين تنظر إلى زوجها سليمان بعين الإحتقار، كما كانت شديدة الغطرسة معه والتكبر عليه مع عدم الشفقة في معاملته كباشا خلف والدها، أو على الأقل أنه زوجها، ولكونها إمرأة عاقراً حرمت عليه التزوج من غيرها لئلا يكون له نسل، كما منعته حتى من إقتناء الجواري للسبب ذاته، فيل الأمر به إلى إنقطاع نسله فلم يخلف عقباً بعده، وبهذا تكون هذه السيدة – كما قال الرحالة “نيبور” في رحلته المشهورة، نموذجاً حياً للمرأة التركية – يريد أنها بالغة الحد في الحسد والغيرة.

كما كانت حريصة على أن تكون هي سيدة الباشوية من وراء زوجها المملوك سليمان باشا أبي ليلة فما أن تسلم هذا زمام الحكم بعد وفاة والدها حتى نشطت الخاتون عادلة إلى ممارسة نفوذها وإستخدام سطوتها في جمع الأتباع والمريدين الذين سبق أن سماهم المميز (الأنصار) وتشكيل كتلة قوية في عاصمة الولاية بغداد، تأتمر بأمر زوجها الباشا المسؤول، حتى بلغ الأمر بها أن صارت تتدخل في شؤون الحكومة وإدارتها وتتحكم في النقل والتعيينات.

وأصبحت متمكنة من نقض الأوامر التي كان يصدرها زوجها الباشا، أو وزيره “الكهية” في كثير من الأحيان.

وكانت كما ذكرنا سابقاً قد شكلت لها حاشية وإتباعاً يحملون شارة خاصة بهم تميزهم عن غيرهم من موظفي الدولة ورجالها، فأخذ أصحاب الحظوة عندها من المقربين والشيوخ يتزلفون إليها بظلهم الناس وإبتزاز أموالهم وأملاكهم ويقدمونها إليها، فتجمع لديها شيء غير يسير من المال والثروة علاوة على الجاه والسطوة، فأخذت تستخدم ذلك في بسط نفوذها ومد سيطرتها وإشاعة السمعة الحسنة لها فباشرت بما تجمع لديها من المال والعقار بتشييد المباني وإنشاء المساجد والخانات للقوافل والمسافرين في الطرق المهمة.

ومن ذلك جامع عادلة خاتون الكبير، وكذا الصغير، اللذان أشاد المؤلف بذكرهما وأعاد مرات، وكذا خان عادلة خاتون، الذي لم يتعرض لذكره المؤلف ويقع في الطريق ما بين “التون كيري” وأربيل حيث نشأت حوله قرية “قوش تبة” التي شاهدها الرحالة “نيبور” ووقف عليها في أثناء رحلته وهي باقية إلى يومنا هذا.

على أن زوجها الباشا سليمان كان ينظر إليها بعين كسيرة ونفس حسيرة، وذلك لتعاظم شأنها حداً أصبحت معه خطراً على خصومها، أو الذين يقفون في طريقها، لأنها كانت بارعة في الدس والتآمر، وجريئة في خلق المناسبات للقتل والإغتيال، فعرفت في أيامها حوادث ذات بال من هذا القبيل نذكر منها:

*أنها كانت على غير وئام مع شقيقتها الوحيدة عائشة خاتون، التي تزوجت شخصية من البلد يدعى أحمد آغا ولم يكن هذا مملوكاً من المماليك، كزوجها.. وإنما كان إبناً لأبوين محترمين لهما منزلة مرموقة عند الناس فدفعها حسدها لأختها وحقدها الدفين عليها وغيرتها إلى الإنتقام منها، بزوجها المسكين أحمد آغا، فأشاعت هي وأبتاعها أن هذا يريد إغتيال زوجها سليمان ليحل محله في الولاية والباشوية، وكانت هي بالفعل قد أغرت أحد الموظفين الكبار في الولاية وهي “قهوجي لر كهيه سي”، أعني كبير البوابين أو الحجاب، بأن يفاوض

حماها أحمد آغا، (زوج أختها عائشة) في قتل سليمان باشا زوجها، ليحل محله كما أسلفنا إلا أن أحمد آغا، هذا رفض الإستجابة لطلب هذا المفاوض المخدوع وأهانه بالكلام ثم إنقطع عن مواجهته على ما قاله الرحالة “نيبور” في رحلته.

*على أن عادلة خاتون لم تقف عند فشل هذه المحاولة راكدة بل أوصلت هذه الدسيسة المفتعلة وبصورة مثيرة إلى زوجها سليمان حتى إقتنع هذا واهماً بسوء نية عديله أحمد آغا، فدبر أمر إغتياله فتم له ذلك وذهب هذا المسكين الغافل ضحية مكر عادلة خاتون وغدرها ونتيجة طبيعية لذلك زاد الشقاق والتنافر بين الأختين، فأراد زوجها سليمان باشا أن يزيل هذا الشقاق بينهما، فأقنع عائشة خاتون المفجوعة بزوجها أن تتزوج من الكهية، (عمر آغا) وكان هذا من جماعة الأغوات البارزين الذين بيدهم النفوذ والسلطة في بغداد وهم من الموظفين الكبار فتزوجته عائشة تحقيقاً لرغبة “حميها سليمان باشا” فأصبح عمر آغا زوجها الثاني بعد ذاك الذي شفت غليلها منه أختها عادلة.

*إن عادلة خاتون لم تنس قتل والدها ولم يتبدل سوء ظنها بالذي إتهمته بقتله أو بسبب موته وهو “سليم باشا بابان” المار ذكره آنفاً، فإلتجأت لتدبير الحيل والخدائع للقبض عليه وجلبه إلى بغداد بكل وسيلة ماكرة لقصد الإنتقام منه.. فأعلنت منح سليم بابان الأمان، وأقسم له بالمقدسات، وأغلظ الإيمان على رفع الوحشة وإحلال المحبة، فبعثت إليه الخاتون من عندها كعلامة للأمان بمنديل من حرير من مناديلها الثمينة المعطرة التي كانت تمنحها لأتباعها المقربين، ففعلت تلك الأساليب الخداعة في سليم (وهو الرجل الساذج ذو القلب السليم) فعل السحر، فأيقن أنه حظي بأعظم ما كانت يتمناه من الحظوة والإلتفات في عاصمة الباشوية بغداد، فجاء إليها كالساعي إلى حتفه بظلفه كما يقول المثل، لكنه ما إن وطأت قدماه أرض بغداد حتى أودع السجن وخنق في اليوم التالي، وبذلك شفت عادلة غليلها من عدو موهوم كان قد أقلق بالها مدة من الزمان.

وفي الرابع عشر من آثار عام 1176 هـ = 1762 كان سليمان باشا أبو ليلة زوج عادلة خاتون قد بلغ من العمر الثمانية والستين عاماً قضى إثنتي عشر عاماً منها والياً على بغداد أو حاكماً عليها ولكن من الدرجة الثانية بالنسبة لزوجته عادلة، فوافته المنية مرتاحاً من أسر زوجته هذه وأوزارها.

فبقيت ولاية بغداد شاغرة إلا من عادلة فحينذاك إستطاع أحد الأغوات المماليك وهو “متسلم البصرة علي آغا” أن يحصل من الباب العالي في إسطنبول علي باشو، بغداد ويحل محل زوجها المتوفي سليم باشا، وذلك بعد أن بذل في سبيل ذلك المال الكثير والهدايا الثمينة، فجاء إلى بغداد حاملاً معه، فرمان التعيين غير أنه لم يستطع أن يحكم فيها سوى إثنين وعشرين شهراً فقط كان خلالها مثلاً للموظف الحازم الجاد فقضى على المشاكل الحاصلة واحدة بعد أخرى كما أخمد ثورة الإنكشارية في قلعة بغداد بمساعدة أشرافها والقبائل العربية الموالية له.

كما أخضع المتمردين في مناطق مختلف من كردستان في الشمال، ولكنه لم يتمكن من إخضاع أو تأديب الخزاعل الثائرين في الفرات الأوسط أو الجنوب حيث إنهزم أمامهم هزيمة منكرة صارت أهازيجها العشائرية تتردد في مقاهي بغداد وأزقتها.

ولما كانت عادلة خاتون لم تهدأ نفسها من الحقد على الولاة أو لم ينته تحكيمها أو رغبتها في السيطرة على مقدرات العراق بوفاة زوجها، إنتهجت الآن إلى محاربة الوالي الجديد “علي باشا” الذي كان فيما مضى مملوكاً أو خادماً في معيبة” السفرجي باشي “في بيت والدها أحمد باشا فلم يرى لها أن يحكم بغداد هذا المملوك كباشا فلجأت حينئذ إلى خلق الوسائل للإيقاع به والتنكيل كسابقيه.. فإغتنمت فرصة إنتصاره على الأكراد في الشمال وهزيمته من الخزاعل في الجنوب، فراحت توغر الصدور وتشيع في الأندية والأوساط الأخرى بواسطة رجالها وأتباعها، إن علي باشا، الوالي الجديد.. عامل الأكراد بقسوة بينما تساهل مع الخزاعل وإندحر أمامهم، ومال إلى العشائر الضاربة في منطقة الفرات الأوسط وحاباهم.

إلا أن الأغوات البارزين في بغداد الذين كانت بيدهم القوة، ظلوا غير مصدقين لهذه الأراجيف والإشاعات، وفي هذه الأثناء حدث أن توفي أحد هؤلاء الأغوات فجأة فكانت هذه الحادثة لعادلة خاتون فرصة ثمينة نزلت عليها من السماء، فإنبرت توحي للأغوات الباقين، بأن صاحبهم مات مسموماً بتدبير “علي باشا” والي بغداد بنفسه، وأنه بعث إلى الباب العالي في إسطنبول يستحل موافقته على قتلهم وإنقاذ الولاية من قبضة المماليك، فصدقوا قولها الآن، فراحوا يلتمسون الحيل لسلامتهم والنجاة بأنفسهم، ولم تمض أيام معدودة حتى فوجئ الوالي علي باشا، بأن الأغوات زملاءه القدماء، قد ثاروا عليه يتزعمهم كهيئته وزير الأول “عمر آغا” (الزوج الثاني لأختها عائشة) فهاجمته بغداد بأسرها وشهرت السلاح بوجهه، فوجد نفسه وحيداً وقد تخلى عنه الجميع.. لذلك إضطر إلى أن يلوذ بالفرار متنكراً بزي النساء، وسرعان ما ألقي القبض أحد جواسيس السراي، وهو بزيه هذا فسيق إليه وأعدم فيه، فذهب المسكين كأصحابه السابقين ضحية لنقمة عادلة خاتون، وأطماعها الشخصية وأنانيتها التي لا تنتهي.

 

الأستاذ رشيد الصفار (جريدة الإتحاد كانون الثاني 1985)

السابق
الجبوري يماطل والانتخابات ما زالت مهدّدة!
التالي
بماذا خرج الأكراد من الاستفتاء؟

اترك تعليقاً