اخترنا لكم

ميدل إيست آي: هكذا تهب الاحتجاجات حياة جديدة للشيوعيين العراقيين

تناول موقع “ميدل إيست آي” البريطاني دور الحزب الشيوعي العراقي في الاحتجاجات المستمرة ببغداد وعدد من المحافظات الجنوبية، وقال إن هذا الحزب كافح لعقود للعثور على صدى لصوته، ولتشكيل المعركة من أجل الشعب.

وأشار الكاتب أليكس ماكدونالد في تقرير نشره الموقع إن مقر الحزب متواضع نسبيا مقارنة بالمباني الضخمة التي تمتلكها بعض الأحزاب في بغداد، وهو يضم متجرا ومكاتب وغرفة عمل صغيرة وصور الشهداء الشيوعيين، بمن فيهم الزعيم السابق يوسف سلمان يوسف (المعروف غالبا باسمه الحركي فهد) الذي نفذ في حقه حكم الإعدام عام 1949 إبان العهد الملكي.

وأضاف الكاتب أن أقدم حزب سياسي موجود في العراق لم يعد بالقوة التي كان عليها في منتصف القرن العشرين، ولكن مع تمسك الشعب بنوع من الاضطراب الاجتماعي الذي ينادي بالتحليل الماركسي يجد الحزب نفسه في بيئته.

وعموما، يعد الحزب الشيوعي العراقي الحزب الوحيد الذي انسحب بالكامل من البرلمان العراقي حتى الآن ردا على الحملة العنيفة التي شنتها الحكومة على الاحتجاجات التي بدأت الشهر الماضي، وفي الواقع يرتكز الغضب الجماهيري إلى حد كبير على الأحزاب السياسية في البلاد، فضلا عن المتهمين بالفساد.

ووفقا للأمين العام للحزب الشيوعي العراقي رائد فهمي، فإن الحزب يعتبر الوحيد الذي لا يعامل بازدراء تام من قبل المحتجين، موضحا أن “الشيوعيين موجودون هناك كأفراد، وهم من بين مجموعات مختلفة، ونحن نحترم القواعد العامة لحركة الاحتجاج، لكنهم يعلمون جيدا طبيعة الشيوعيين ويقبلونهم، بينما تظل الأحزاب الأخرى غير مقبولة بالنسبة لهم”.

تصور الملحدين
وبين الكاتب أن هناك تصورا واسع النطاق بأن الأحزاب السياسية العراقية طائفية وتتبع أجندة معينة، خاصة أنها جميعا موالية لرجل دين أو زعيم قبلي، أو تمثل أقلية دينية أو عرقية، وينظر إليها على أنها تعمل لترتيب الوضع لحصول المنتمين لها على خدمات الدولة والوظائف والأموال.

ولطالما قدم الحزب الشيوعي العراقي نفسه باعتباره الحزب الوحيد غير الطائفي في البلاد على الرغم من الاعتقاد الواسع بأن أعضاءه ملحدون، الأمر الذي يعد معيبا في بلد متدين للغاية مثل العراق.

وفي هذا الصدد، قال فهمي -وهو أحد النواب الذين استقالوا في 27 أكتوبر/تشرين الأول الماضي بعد القمع الحكومي العنيف للمتظاهرين- إن السلطات “أساءت” قراءة الوضع في العراق والنطاق المحتمل للاحتجاجات.

وأضاف فهمي أنهم “لا يزالون يراهنون على تراجع الحزب تدريجيا، غير أنه يستمر في الحصول على قوة دفع جديدة وزخم جديد من قوى جديدة”.

واستشهد باستخدام الإضرابات العامة التي وصفها بأنها “الأكثر فعالية منذ نشأة الدولة العراقية”، وتوسيع الاحتجاجات لتشمل الطلاب، بالإضافة إلى طائفة واسعة من العراقيين، كدليل على مرونة الاحتجاجات.

تحالف مثير للجدل
أوضح الكاتب أنه منذ بداية عام 2018 تحالف الحزب الشيوعي العراقي مع رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر في ائتلاف “سائرون” الذي حصل على أكبر عدد من المقاعد في البرلمان في انتخابات مايو/أيار من العام ذاته على خلفية حملة تستند إلى معارضة الفساد.

وأضاف الكاتب أنه على الرغم من إضفاء الطابع الرسمي على هذا التحالف عام2018 فإن التعاون الضمني بين المجموعتين بدأ منذ عام 2015 على الأقل، حيث شهدت بغداد ومناطق أخرى احتجاجات ضد الفساد، لكنها ليست بزخم الاحتجاجات الأخيرة.

وأشار الكاتب إلى أن التحالف واجه الانتقادات من بعض الأطراف التي ترى أن التحالف بين الشيوعيين العلمانيين والصدريين المحافظين دينيا بمثابة خيانة.

وفي هذا الإطار، دافع الحزب على هذه الخطوة باعتبار أن كلا الطرفين يهدف إلى تمثيل الفئات الأكثر فقرا وتهميشا داخل المجتمع.

وأشار الكاتب إلى أنه فيما يتعلق بالبرنامج الاقتصادي الحالي للحزب الشيوعي العراقي قد يتفاجأ أولئك الذين اعتادوا على ربط الشيوعية بالتأميم الشامل.

وفي هذا الصدد، أفاد فهمي بأن العراق لا يزال في مرحلة التطور الرأسمالي واعتماد اقتصاد السوق الاجتماعي المختلط باعتباره السبيل الأكثر عقلانية للمضي قدما إلى جانب بناء مؤسسات مثل النقابات والضمان الاجتماعي.

وأضاف فهمي أن “الناس مصرون على العدالة الاجتماعية، مما يعني أنهم ضد الليبرالية المتطرفة”.

في المقابل، لن تنتج الدعوة إلى اقتصاد السوق الحر سوى التفاوت في الثروات والفقر وغياب التنمية.

وأورد الكاتب أن العديد من المحتجين طالبوا بالعودة إلى مطالب الحزب الشيوعي العراقي بوضع حد للفساد وإيقاف توزيع المناصب الحكومية على أساس طائفي وإنشاء حكومة علمانية، علاوة على ذلك يعتبر تحقيق العدالة الاجتماعية في صدارة مطالب المحتجين حتى لو كان هناك القليل من التخطيط الاقتصادي.

وأضاف الكاتب أن فهمي لا يتفق مع بعض مطالب الناشطين، خاصة فيما يتعلق بالإصرار على إنشاء نظام رئاسي في العراق وخفض عدد المقاعد في البرلمان، حيث لا يعتقد أن النظام الرئاسي مناسب للعراق، ولا يرفض في المقابل إعادة النظر في توزيع الصلاحيات بين الرئاسة والبرلمان وإجراء بعض التعديلات دون المساس بالنظام البرلماني.

وفي شأن متصل، حذر فهمي من السير نحو المزيد من المركزية على حساب الحريات، مضيفا أنه من المهم الحفاظ على النظام الفدرالي في البلاد، خاصة أنه يعكس التنوع داخل المجتمع العراقي.

رموز شيوعية 
وقال الكاتب إن العديد من الأكشاك انتشرت في ساحة التحرير ببغداد التي أصبحت نقطة محورية لانتفاضة العراق، حيث يحاول الكثيرون تلبية العديد من الاحتياجات الثقافية والطبية والمحافظة على الاتصال، وفي وسط الساحة تعرض بعض الأكشاك بفخر صورا واقتباسات لكارل ماركس وفلاديمير لينين وروزا لوكسمبورغ.

وذكر الكاتب أن الحزب الشيوعي العراقي لم يخطط لهذا العرض الذي شمل الرموز الشيوعية، لكنه خطط له بواسطة حزب العمال الشيوعي الأصغر في العراق، وفي الحقيقة، يعتبر الحزب -الذي ينتمي إليه أتباع منصور حكمت الماركسي الإيراني الراحل- نفسه متميزا من خلال تأكيده على أن الاتحاد السوفياتي وجمهورية الصين الشعبية لم يكونا اشتراكيين على الإطلاق.

من جهته، قال عمار شريف -وهو أحد أعضاء حزب العمال الشيوعي في العراق- في إشارة إلى اللافتات إنها “تمثل رموزا للثورة والاحتجاج الاجتماعي”.

وأشار شريف إلى أن المجتمع العراقي يحتاج إلى تغييرات أخرى تتجاوز التغيرات السطحية التي قد تتطلب أكثر من مجرد إصلاح للقوانين الانتخابية أو اعتقال عدد قليل من الأشخاص الفاسدين، موضحا أنه “ينبغي استبدال الحكومة بأخرى شعبية، وليس ببرلمان آخر فاسد”.

وأفاد الكاتب بأن شريف يعتقد أن الديمقراطية تتطلب أن يمارس الناس حكمهم بشكل يومي.

وبالإضافة إلى ذلك، أكد شريف على أن الحاجة إلى العلمانية أصبحت أكثر وضوحا من أي وقت مضى.

وفي هذا السياق، قال إنه “لا توجد حرية من دون علمانية، لقد ارتكب النظام الطائفي في العراق الكثير من الجرائم ضد الناس، وفي الوقت الراهن يطالب الناس بذلك فعلا، حتى المتدينين، حيث إنهم لا يريدون حكومة دينية”.

وأضاف شريف أنه “لهذا السبب ندعم النظام العلماني في العراق حتى يتمكن الجميع -بمن في ذلك المتدينون أو غير المتدينين- من العيش على قدم المساواة في البلاد”.

فرصة جديدة
دفن حكمت -وهو أحد مؤسسي حزب العمال الشيوعي في العراق- بمقبرة “هاي غيت” شمالي لندن على بعد أمتار من التمثال النصفي الموجود فوق قبر الفيلسوف الألماني والثوري الاشتراكي كارل ماركس، ويرقد إلى جانبه العديد من الشيوعيين العراقيين الآخرين، مثل سعد سعدي عدي وجميل منير عبد الحميد.

وأورد الكاتب أن اليسار الذي تميز في الماضي بكونه قوة ذات نفوذ شهد تاريخه منذ سبعينيات القرن الماضي حوادث نفي واعتقال وقتل، كما أنه فقد أهميته.

وعموما، تعتبر مساحة النقاش بشأن التغيير الاجتماعي والمخاوف المادية للشعب العراقي محدودة للغاية، خاصة بعد الحروب والتعصب الطائفي اللذين شهدتهما البلاد لفترة طويلة.

وبهذا المعنى، تمثل المظاهرات الأخيرة فرصة جديدة، ووفقا لفهمي “تجعل هذه الاحتجاجات بعض الأشياء ممكنة”.

ويرى أن “حركة الاحتجاج التي تطورت إلى نوع من الانتفاضة تحتاج إلى الحفاظ على المبادرة التي تحتاج بدورها لنوع من القيادة، وينبغي أن تأتي هذه القيادة من الداخل وليس من الخارج”.

وأضاف فهمي أنه على الرغم من أنه من غير المرجح أن تهدأ الاحتجاجات فإنه من الضروري أن تطرح مسألة التغيير الاجتماعي والاقتصادي إلى جانب مسألة التغيير السياسي.

ونقل الكاتب عن فهمي قوله إن “المتظاهرين يحتاجون إلى العدالة الاجتماعية والخدمات العامة، وكانوا يرون أن التعليم والصحة غير متاحين للناس العاديين بشكل أو بآخر”.

وتساءل فهمي عما إذا كان “النظام سيوفر إجابة لهذه المطالب، فضلا عن أولوية ودور الدولة”.

المصدر : ميدل إيست آي

السابق
القانونية النيابية: لايمكن الذهاب لانتخابات مبكرة الا بطريقة واحدة
التالي
هل يغير المتظاهرون شكل النظام السياسي في العراق؟

اترك تعليقاً