العراق

نيويورك تايمز تعيد كتابة تاريخ حرب العراق، وتصور الولايات المتحدة كعاشق للديمقراطية، وإيران كإمبريالية شريرة

الصحيفة الحكومية تقدم إنجازا مذهلا في قلب الحقيقة

تناول تيم ارانغو في نيويورك تايمز ما كان يمكن أن يكون موضوعا مثيرا للاهتمام لصحافة الحرب – الدور الإيراني المتزايد في العراق – وحوله الى تاريخ محرف و مشكوك فيه حول التدخل الأميركي والسعودي في الشرق الأوسط. للقيام بذلك، يصور أرانغو الولايات المتحدة كدولة نبيلة ومحبة للحرية في مهمة لتحسين حياة العراقيين العاديين، وإيران كقوة إمبريالية شريرة تعمل على توسيع نطاق نفوذها في جميع أنحاء المنطقة.
ويبدأ أرانغو النقاش من خلال الاستشهاد بأمثلة على النفوذ الإيراني في العراق، و تحديد الدوافع المتباينة المتبعة. ويشير إلى أن الولايات المتحدة غزت العراق من أجل أغراض مؤيدة للديمقراطية، بينما يصور رد فعل إيران على هذا الغزو الأحادي (الذي عارضته حكومتها بشدة بطبيعة الحال) على أنه شرير ومتآمر:
عندما غزت الولايات المتحدة العراق قبل 14 عاما للإطاحة بصدام حسين، رأت في العراق حجر الأساس المحتمل لشرق أوسطي ديمقراطي ذو وجه غربي، وتم صب كميات هائلة من الدم والأموال من اجل هذه القضية – تم فقد حوالي 4500 روح أمريكية، وأنفق أكثر من تريليون دولار –
من اليوم الاول، رأت إيران أمرا مختلفا: فرصة لجعل العراق دولة تابعة، العدو السابق الذي خاضت ضده حربا وحشية جدا في الثمانينيات، مع أسلحة كيميائية وحرب خنادق، رأى فيها المؤرخين أوجه شبه مع الحرب العالمية الأولى. وإذا ما نجحت، فإن العراق لن يشكل مرة أخرى تهديدا لها، ويمكن أن يكون بمثابة نقطة انطلاق لنشر النفوذ الإيراني في المنطقة.
هناك الكثير من الأيديولوجية غير الخفية المتبعة في هذين المسلكين، ونحن بحاجة إلى دقيقة لتحليلها. دعونا نبدأ بالتوكيد المثير للجدل بأن “الولايات المتحدة رأت في العراق حجر الأساس المحتمل لشرق أوسط ديموقراطي ذو وجه غربي”.
كان هذا هو موضوع نقاش العلاقات العامة الذي تذرعت به الولايات المتحدة لغزو العراق، ولكن هل كان ذلك صحيحا؟ هل يقدم أرانغو أي دليل أو رابط على تحليل يظهره أنه صحيح؟ لسبب ما، يعتقد أرانغو ان الادارة نفسها التي كذبت مرارا وتكرارا حول أسلحة الدمار الشامل العراقية وعلاقة صدام حسين بتنظيم القاعدة كانت محقة بشأن دوافعها المؤيدة للديمقراطية وراء غزوها المدمر.
واذا اراد المرء معرفة الدور الذى تلعبه الديموقراطية فى قرار مسؤولى ادارة بوش، ربما كان بامكان ارانجو ان يسأل كوندوليزا رايس، مستشارة الامن القومى لبوش ووزيرة الخارجية والمهندس الرئيسى للحرب. في مقابلة مع “أي بي سي” في عام 2011، كانت رايس واضحة وضوح الشمس: “لم نذهب إلى العراق لتحقيق الديمقراطية للعراقيين. وأنا أحاول في الكتاب أن أشرح حقا أن هذا لم يكن الغرض “.
فهل رأت الولايات المتحدة في العراق “حجر الأساس المحتمل لشرق أوسط ديمقراطي ذو وجه غربي؟” أم أنها لم تهتم حقا بهذا الأمر بأي حال من الأحوال؟
كما لاحظت حقا الشهر الماضي، يسمح شكليا لمراسلي الوسط بحضور محاضرات حول دوافع صناع السياسة الأمريكية ما داموا يخلصون إلى أن تلك الدوافع كانت نبيلة وبحسن نية. لا يسمح ابدا للمراسلين بعزو دوافع شريرة لمسؤولين أمريكيين، هذا مسموح به فقط عند تغطية أعداء أميركا، وهذا ما قام به أرانغو في الفقرة التالية، مصرا على أنه “من اليوم الأول، رأت إيران أمرا مختلفا: فرصة لجعل العراق دولة تابعة”.
لاحظ أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى جعل العراق “دولة تابعة”، بل “ديمقراطية.” بينما إيران الشريرة (التي لم تملك شيئا للقيام به ازاء الغزو ولكنها عارضته علنا ايضا)، كانت تخطط طوال الوقت لاستغلال غزو الولايات المتحدة لإنشاء نظام دمية. انه عمل بارع في قلب الحقيقة 180 درجة.
والخطأ الثاني في الإطار الافتتاحي هو أن أرانغو يذكر “4500 روح أمريكية فقدت” و “تريليون دولار أنفقت” ولكن لا يأتي على ذكر 500،000 إلى 1 مليون عراقي قتلوا. ويذكر استخدام الأسلحة الكيميائية ولكن لا يقول من استخدمها – العراق هو من استخدمها وليس إيران. كما يغفل البلد الذي زود صدام بها: الولايات المتحدة.
يعبر أرانغو من خلال المقال عن آرائه الذاتية حول دوافع إيران الشريرة وكأنه الأمر الذي يقوله “المحللون” أو يعتقدون به. غير أن المحلل الوحيد الذي أجرى مقابلات معه، علي فائز، يعمل في مجموعة الأزمات الدولية التي تمولها الحكومة الأمريكية ويقدم اقتباسا مبهما عن الحرب الإيرانية العراقية التي شكلت الزعامة الإيرانية.
إن كل ما تقوم به إيران يصور كعدوان استباقي شرير وكل ما تقوم به الولايات المتحدة والأنظمة الملكية السنية هو رد فعل على هذا العدوان. خذ هذا المقطع المشكوك فيه: “إن سيطرة إيران على العراق أدت إلى زيادة التوترات الطائفية في جميع أنحاء المنطقة، مع الدول السنية، والحلفاء الأمريكيين، مثل المملكة العربية السعودية التي تحركت لمواجهة التوسع الإيراني”. إذا لدينا هنا “الدول السنية والحلفاء الأميركيون مثل المملكة العربية السعودية” تحركوا لمواجهة “التوسع الإيراني”.
حتى هنا لدينا “الدول السنية والحلفاء الأميركيون مثل المملكة العربية السعودية” حشدوا لمواجهة “التوسع الإيراني”. لا يوجد “توسع سني” أو “توسع أمريكي” أو “توسع سعودي” – “توسع” (أياً كان معناه) هو اختصاص المعتدين الإيرانيين. فتدفق المقاتلين السلفيين من المملكة العربية السعودية الى العراق ما بعد الغزو لم يذكر قط. ولم يذكر قط الدعم السعودي والقطري للميليشيات السلفية في سوريا منذ عام 2011 على أقل تقدير. إن الغزو الأمريكي لا يعتبر “توسعيا”. إيران دائما توجه الطعنة الأولى، في حين أن الأنظمة الملكية الخليجية، يتم تصويرها كضحايا محاصرين للإمبراطورية الشيعية، والتي تتصرف دائما من منطلق رد الفعل”تتحرك لمواجهة توسع إيران”.
هذا التحليل المشوه لنيويورك تايمز لا يمكن النظر اليه الا ضمن سياق أوسع من المشاريع الأمريكية في المنطقة. وتخدم مقالة أرانغو في المقام الأول تطويرمفهوم “الهلال الشيعي” الذي دفعت به ممالك الخليج، المحافظون الجدد، إسرائيل، والصقور الليبرالية في السياسة الخارجية. هذا السرد يستحضر شبح النفوذ الإيراني من طهران إلى بيروت، مع هيمنة إقليمية كاملة في الأفق. وقف هذه المؤامرة الشريرة هو الذريعة الرئيسية لزيادة التدخل العسكري للولايات المتحدة في شرق سوريا، حيث أقامت القوات الخاصة الأمريكية قاعدة بحكم الأمر الواقع، وهاجمت العتاد العسكري السوري والإيراني. كما أنها تبررنشاط إسرائيل العسكري المتزايد في سوريا، حيث أنها تدعم المتمردين المناهضين لحزب الله و للحكومة في جنوب سوريا. تقدم مقالة التايمز، سواء عن طريق الصدفة أو القصد، الدعم الكامل على النطاق المعنوي والسياسي للنزعة العسكرية الأمريكية المتزايدة في سوريا والعراق، حيث يواجه داعش الإقليمي أشهره الأخيرة.
المشكلة مع تحليل أرانغو ليست أن الدور الإيراني المتزايد في العراق ليس واقعا. هو كذلك بالتأكيد. بل هي الرؤية التحريفية بأن إيران قد حاكت مؤامرة ملتوية من “اليوم الأول” للغزو الأمريكي بدلا من أنها قامت برد فعل على القوات المتحركة على الأرض انطلاقا من غريزة البقاء – وخاصة بعد مشاهدة غزو الولايات المتحدة لجارتيها وقيام المملكة العربية السعودية، عدوها الإقليمي الرئيسي، بتمويل وتسليح المرتزقة السلفيين في جميع أنحاء الشرق الأوسط. والرمي بهذه الرؤية غير المعقولة والفاضحة بأن الولايات المتحدة كان دافعها الرغبة في نشر الديمقراطية ، هو جزء مريب للغاية من صناعة الأساطير التي يقوم بها خبراء البنتاغون، بدلا من نظرة إعلامية حول زيادة النفوذ الإقليمي لإيران.

آدم جونسون
ألترنيت
الجمعة، 21 يوليو 2017

رابط المادة:
http://www.salon.com/2017/07/21/nyt-rewrites-history-of-iraq-war-painting-u-s-as-democracy-lover-iran-as-sinister-imperialiast_partner/

 

السابق
زيارة رجل الدين العراقي المؤثر مقتدى الصدر الى السعودية تثير القلق في طهران
التالي
في إيران، روحاني يبدأ الفترة الثانية مع علامات خضوع للمتشددين

اترك تعليقاً