اخترنا لكم

هكذا تعرقل الفصائل المسلحة التنمية الاقتصادية والاستثمار في العراق

“الأحزاب السياسية والجماعات الخارجة عن القانون مكتفية بالمناخ الريعي السائد في البلاد، من خلال حصصها في أسواق النفط وسيطرتها على المنافذ الحدودية”

لا ينحصر تأثير السلاح المنفلت في العراق عند حدود الوضع الأمني والسياسي، بل يعد أحد أبرز معرقلات التنمية الاقتصادية والاستثمار، إذ يأخذ مصطلح “البيئة الاستثمارية غير الآمنة” حيزاً كبيراً عند الحديث عن احتمالية استقطاب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز التنمية في البلاد.

وبالتزامن مع محاولات الحكومة العراقية البحث عن دعم اقتصادي من المجتمع الدولي، في ظل الأزمة المالية الخانقة التي تعاني منها، يبرز وجود الفصائل المسلحة كتحدٍ كبير يقف في طريق هذا المسار، الأمر الذي قد يعرقل إمكانية توفر الدعم الدولي مالياً واقتصادياً.

قرار المفوضية الأوروبية

وفي غضون ذلك، أدرجت المفوضية الأوروبية العراق، إلى جانب دول أخرى مثل أفغانستان وباكستان وسوريا واليمن وإيران وكوريا الشمالية، ضمن قائمة الدول التي تشكل مخاطر مالية على الاتحاد الأوروبي، بسبب قصور في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وتقول المفوضية إن تلك الدول تشكل تهديداً كبيراً على نظام الاتحاد المالي.

فيما أعرب وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، عن استغراب بلاده إزاء قرار المفوضية، وقال في بيان إن “العراق حقق تقدماً كبيراً أدى في عام 2019 إلى شطبه من القائمة العالمية لفرقة العمل المعنيّة بالإجراءات المالية الدولية للبلدان التي تعاني من أوجه قصور استراتيجي في عمليات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب”.

وطالبها بـ”الشفافية، وضرورة الاستماع إلى ما أبداه العراق من التزام واضح بالمعايير ذات الصلة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب”.

وأوضح أن “من شأن ذلك أن يكون له تأثير اقتصادي واجتماعي ضار على العراق، وسيؤثر في التعاون مع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، بموجب اتفاقية الشراكة والتعاون بين العراق والاتحاد”.

وبحسب مراقبين، فإن هذا القرار قد يحرم العراق من إمكانية الاستدانة من المؤسسات المالية، الأمر الذي قد يدفعه للتوجه نحو مصادر دين ذات فوائد عالية.

ويأتي القرار بالتزامن مع حادثة اغتيال الباحث في الشأن السياسي هشام الهاشمي، الذي يقول مقربون له إن اغتياله تم إثر كشفه معلومات مالية تتعلق بأنشطة الفصائل المسلحة الموالية لإيران، إذ تطرقت دراسة نشرها قبل حوالى أسبوع من اغتياله، إلى “تقديرات بالأرقام لتنامي نفوذ الفصائل الولائية داخل هيئة الحشد، وهيمنتها على الموارد المالية والأوامر واتخاذ القرار، والنتائج التي تسبب بها هذا النفوذ، لا سيما اضطرار قادة ومقاتلي حشد المرجعية إلى الانسحاب من الهيئة”.

مصالح طهران المالية

ويرى مراقبون أن النفوذ المالي والاقتصادي للأذرع المسلحة الموالية لطهران، يتجاوز حدود “هيئة الحشد الشعبي” ويدخل في مصالح اقتصادية واستراتيجية عدة في الدولة العراقية، الأمر الذي يضع حكومة الكاظمي أمام تحدٍ آخر يتعلق بإمكانية تفكيك مصالح تلك الجماعات المالية، لحساب الدولة.

وتستفيد إيران من حجم هائل من التبادل التجاري مع العراق، والذي يقدر بمليارات الدولارات سنوياً، فضلاً عن عقود الطاقة التي باتت تعد أبرز منافذها المالية في ظل الحصار الاقتصادي الذي تعيشه، ما يدفع سياسيين ومراقبين للقول إن طهران لن تسمح بأي تنمية اقتصادية في البلاد تحرمها من هذا النشاط الكبير، وستدفع الجماعات المسلّحة الموالية لها لصناعة مصدّات كبيرة أمام أي تحرّك عراقي في هذا السياق.

نشاط مافيوي

إلى ذلك، قال مستشار المركز العربي للأبحاث يحيى الكبيسي إن “وضع العراق ضمن هذه اللائحة في الاتحاد الأوروبي ستكون له تبعات اقتصادية كبيرة، وسيحرم العراق من الاستدانة الخارجية، تحديداً من الاتحاد والجهات التي هو فاعل فيها، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وسيدفع الحكومة للبحث عن مصادر دين أخرى ذات فائدة مرتفعة”.

وأضاف لـ”اندبندنت عربية”، “في ما يتعلق بتمويل الإرهاب، هناك جماعات مسلحة تمارس الإرهاب بشكل عملي، لكنها تحصل على تمويلات من الموازنة الاتحادية ومن نشاطها المافيوي المغطى سياسياً، وهذا عامل آخر يبين عجز الدولة عن ضبط هذا الأمر، وستكون له تبعات على وضع العراق اقتصادياً”.

وأشار إلى أن “الفصائل المسلحة لن تسمح بأي استثمارات من دون ضمان حصص فيها، وقضية إجهاضها عقد استثمار الطريق الدولي في الأنبار لشركة أميركية دلالة على ذلك، لأنه كان سيحرمها موارد كثيرة بسبب نشاطاتها المافيوية على هذا الطريق”.

وبشأن التأثير الإيراني في هذا الإطار، بيّن الكبيسي أن “حاجة إيران الماسة للعملة الصعبة لن تتيح لأي مستثمر منافسة وارداتها للعراق”، مبيناً أنه “حتى القطاع العام الذي يفترض أن يحظى بحماية الدولة غير منتج، لعدم وجود إرادة حقيقة، كونه سيحرم إيران وجهات أخرى من الدخول للسوق العراقية”.

وتابع أن “العراق بات أحد البلدان الرئيسة لغسل الأموال نظراً لعدم وجود نظام مصرفي صارم ورقابة حقيقية”، لافتاً إلى أن “التقرير السنوي لوزارة التخطيط عام 2017 بخصوص الاستيراد، والذي بيّن أن العراق استورد بنحو مليار و650 مليون دولار محصول طماطم من إيران حصراً، في حين أن كل صادراتها من هذا المحصول لا تتجاوز الـ50 مليون دولار، وهذا يعني أننا أمام عملية غسل أموال صريحة وغير مراقبة”.

التوترات الأمنية ومساعي الحكومة

وتخوض الحكومة العراقية تحديات اقتصادية كبرى، في مقدمها تجاوز الأزمة المالية وتوفير رواتب موظفي الدولة، فضلاً عن محاولات تنويع مصادر الدخل وتطوير الصناعة والزراعة، وتوفير بيئة مناسبة لاستقطاب المستثمرين.

إلا أن حديث السفير البريطاني في العراق ستيفن هيكي، الذي أكد قبل أيام أنه “لن تتوافر الاستثمارات في العراق في ظل وجود جماعات مسلحة خارج إطار الدولة”، أثار تساؤلات عدة حول إمكانية أن يسهم المجتمع الدولي في مساعدة بغداد اقتصادياً.

وأضاف هيكي في تغريدة على “تويتر”، أنه “لا يمكن التغلب على التحديات الاقتصادية التي تواجه أي دولة من دون معالجة المشكلات الأمنية”.

كما أشار إلى أنه “طالما هناك انعدام للأمن ووجود للجماعات المسلحة التي تعمل خارج سيطرة الدولة، فلن يتوافر الاستثمار وفرص العمل والنمو الاقتصادي الذي يستحقه العراقيون”.

ولعل الأحداث الأخيرة التي جرت في بغداد ابتداءً مما يوصف بـ”خلية الكاتيوشا” والتوترات مع “كتائب حزب الله”، وصولاً إلى عملية اغتيال الباحث في الشأن السياسي هشام الهاشمي واتهام مقربين له وفصائل مسلحة موالية لإيران بالضلوع بتلك العملية، تبيّن مدى هشاشة الوضع الأمني في البلاد والذي يعتبر طارداً للاستثمارات الأجنبية، وعاملاً معرقلاً لمساعي الحكومة العراقية في حسم تلك الإشكالية.

المناخ الريعي ومصالح الجماعات المسلحة

وفي السياق، قالت أستاذة الاقتصاد سلام سميسم إن “الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة محور رئيس من محاور عرقلة الاستثمارات والتنمية الاقتصادية في البلاد”.

وأضافت لـ”اندبندنت عربية”، “فتح باب الاستثمارات الأجنبية يتطلب وجود دولة ذات سيادة وسلطة قانونية، تنظم وتحمي تلك الاستثمارات”.

وأشارت إلى أن “توفير البيئة الآمنة للاستثمار لا يتعلق بمكافحة الإرهاب فحسب، بل بتوفير إطار قانوني شامل يحمي رؤوس الأموال من ابتزاز الجماعات خارج إطار القانون”، وأن “الجماعات المسلحة لن تسمح لأي استثمارات أجنبية بالدخول إلى سوق العمل العراقية”.

وتابعت “الأحزاب السياسية والجماعات المسلحة مكتفية بالمناخ الريعي السائد في البلاد، من خلال حصصها في أسواق النفط وسيطرتها على المنافذ الحدودية”.

ولفتت إلى أن “ارتباط بعض الجهات السياسية بدول خارجية وسوق التصدير فيها، جعلها تعرقل عمليات الإنتاج الداخلي، ما وفّر لها مصالح مالية كبرى”، مستدركة أن “التهديد الحقيقي للأمن القومي العراقي هي الإشكالات الاقتصادية التي صنعتها تلك الجماعات، وهناك ضرورة لوجود استخبارات اقتصادية”.

ثلاثة أدوار للفصائل المسلحة

أما المستثمر العراقي رمضان البدران، فأشار إلى أن “الجماعات المسلحة تأخذ ثلاثة أدوار في الحراك الاقتصادي، الابتزاز من خلال مساومة المستثمرين، والاحتكار من خلال الدولة في السيطرة على منافذ الاستثمار، والتحكيم في خلافات المستثمرين لأن النظام القضائي لا يتصدى ويحل الإشكالات”، مبيناً أن “هذه الأدوار تعد طاردة للاستثمارات والتنمية الاقتصادية في البلاد”.

وأضاف لـ”اندبندنت عربية”، “الدولة تمنح حقوقاً كبيرة للمستثمرين الأجانب، لكنها لا تفكر في توفير الحماية لها”.

وكشف أن “هناك أوامر بعدم تشغيل وحدات تسييل الغاز في محافظة البصرة، وهي مكتملة وفي آخر لمساتها، نتيجة ضغط الميليشيات على الجهات الرسمية في هذا الإطار، لأنه سيكون على حساب الغاز الإيراني، فضلاً عن الضغوط في عدم تفعيل مصانع البتروكيماويات وغيرها من المصانع”، مبيناً أنه “على الرغم من صغر حجم التبادل التجاري مقابل الدخل القومي الإيراني، إلا أنها تعتبرها معززة لنفوذها في العراق”.

يذكر أن الحكومة العراقية تتجه في تحركاتها الاقتصادية إلى محاولة الحد من هيمنة جماعات مسلحة على المنافذ الحدودية، لرفد الموازنة الاتحادية التي تعاني عجزاً كبيراً، فضلاً عن مساعيها لعقد اتفاقات تتعلق بالطاقة والاستثمار مع دول خليجية، لتطوير الاقتصاد وتنويع مصادر الدخل.

اندبندت عربية

السابق
الصحة البرلمانية: العراق دخل المستوى الثالث لانتشار الوباء ويجب فرض الحظر 14 يوما
التالي
الجبوري: قائد المنطقة الخضراء رفض أوامر الكاظمي بإخراج عناصر حزب الله الذين اخترقوا المنطقة

اترك تعليقاً