أبحاث ودراسات

هكذا سرق حكّام «الاقليم» النفط في كردستان

فيما يلي مقتطفات معدلة من كتاب إيرين بانكو، “أحلام الأنابيب: نهب الثروة النفطية في العراق”، الذي سينشر في 30 يناير / كانون الثاني من قبل  قبل كولومبيا للتقارير العالمية.

نزلت سيارة فؤاد حسين ذات الدفع الرباعي من طراز لكزس الى الطريق السريع على مشارف كركوك، وهي مدينة غنية بالنفط في العراق.

فمع تراجع الاقتصاد، بدأت بعض شركات النفط العالمية تتساءل عما إذا كانت كردستان العراق لا تزال استثمارا جيدا. وقد انسحب بعضهم من المنطقة. ولم يتلق العديد منهم مدفوعات على نحو ما وعدت به عقودهم من حكومة إقليم كردستان التي تعاني من ضائقة مالية . وعلى الرغم من المطالب الملحّة ، لم تدفع الحكومة أجور الموظفين المدنيين منذ شهور.

وكان حسين ، وهو عضو في لجنه النفط والغاز التابعة للمقاطعة ، قد عاش في كركوك معظم حياته. وقد شهد مقتل وطرد الناس من منازلهم في اطار حملة الانفال التي شنها صدام حسين ، وهي عمليه عسكريه شنت ضد الأكراد في 1988. وبعد ذلك ، بعد ان أطاحت الولايات المتحدة يرجل العراق القوي صدام حسين في 2003 ،رأى مئات الآلاف من الناس يبدأون في الأمل.

وقال ان النفط يشكل جزءا كبيرا من احلامهم. العراق يجلس على بعض أكبر احتياطيات النفط في العالم. و وعدت الولايات المتحدة الامريكيه  كل من حكومة إقليم كردستان وبغداد أنه بعد هزيمة صدام، ستكون حياتهم أفضل بشكل لا يمكن قياسه.و يمكن أن تتدفق مليارات الدولارات من العراق وآبارالنفط في كردستان العراق، لتحل الثروة والازدهار محل الفوضى والفقر.

وأعرب الكثيرون في كردستان العراق عن اعتقادهم بمثل هذه الوعود. ولكن اليوم ، فإن معظم هذه الوعود لم تؤت ثمارها. وتدفقت الأموال النفطية إلى المنطقة ،إلا أن القليل منها وصل إلى الناس العاديين، سواء بشكل مباشر أو في شكل مشاريع إقليميه.

ويبدو ان كردستان العراق مثال تقليدي للعنة الموارد. حيث يتم العثور علي النفط ، وضخه ، وشحنه وبيعه (وسرقته في بعض الأحيان). الانظمه والسياسيين والوزراء والشركات تاتي وتذهب. ومع ذلك فان الشخص العادي يستفيد بشكل هامشي أو لا يستفيد علي الإطلاق.  إن فوضى الحرب والإرهاب والصراعات السياسية تفسر بعض هذه الأمور.

بالنسبة للأكراد ،الجشع والاحتيال ، يمكن التسامح معه لولم يتم تحريضهم من قبل الولايات المتحدة وشركات النفط المتعددة الجنسيات ،وجعله يكمن في وسط أحلامهم النفطية المتقطعة.وهذه اللعنة يتقاسمها أولئك الذين يعيشون تحت قياده الحكومة المركزية ، على الرغم من ان هذه القصة-التي هي مليئه بالاحتيال وسوء الادارة-تقرأ بشكل مختلف كثيرا.

وفي كردستان العراق ، مولت عائدات النفط القوات المسلحة الكردية في معركتها ضد تنظيم داعش ، ولكن بعضا من تلك الأموال قد تم اختلاسها. وقد  أنشأ أعضاء النخبة السياسية الكردية، بالتعاون مع شركات النفط الامريكيه والمتعددة الجنسيات، نظاما للعقود مقابل الدفع والرشاوى لاثراء أنفسهم.

من الصعب فك تشفير البيانات النفطية في العراق. وكثير من التقارير عن صادرات النفط وعائداته لا تفصل عائدات بغداد عن كردستان العراق. أما بيانات النفط الأخرى فتقع فقط في ايدي محللي الصناعة ولا تتاح  دائما للجمهور. ويتنبأ أحد التقديرات بأن النفط في العراق قد حقق إيرادات تزيد عن 700 مليار دولار منذ عام 2003، وهو ما يمثل نحو 80 في المائة من إجمالي تمويل البلاد. وبحسب بعض الحسابات، اختفت المليارات بسبب الفساد. وقال محللون نفطيون إن سنوات من سوء الإدارة تسببت في إساءة استخدام الحكومة لإيراداتها النفطية بطريقة لا تترك سوى القليل من المال لأشياء مثل المدارس والبنية التحتية.

يبدأ الفساد في قطاع النفط في كردستان العراق داخل وزاراته، وخاصة في وزارة الموارد الطبيعية، ويغذيه التنافس داخل النظام السياسي. ان المقابلات مع ضباط إنفاذ القانون المالي في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، جنبا إلى جنب مع الآلاف من الوثائق  التي قدموها لي، كسفت ان الوزارة وحلفاءها السياسيين في القيادة الكردية قامت في كثير من الأحيان ببيع أصول نفطية قيّمة لشركات شل في جزر فيرجن البريطانية وغيرها من الملاذات الضريبية . ثم سرعان ما استرجعت وزارة النفط هذه الأصول، مما أعطى أرباحا ضخمة لشركات النفط العالمية الكبرى المدرجة في البورصات في لندن وكندا وأوسلو ونيويورك. وفي سيناريوهات أخرى، دفعت الشركات التابعة لشركة شل الى الحكومة الكردية مقابل الكتل النفطية. وقامت الحكومة بعد ذلك بتحويل بعض هذه الأموال إلى حسابات مخصصة لشركات كان أصحابها أعضاء في الأحزاب السياسية الرئيسية.

وقد دافع بعض اللاعبين الأمريكيين الرئيسيين في هذه الشبكة عن مشاركه الشركات الامريكيه، مشيرين إلى أن ما بعد صدام, العراقيون والأكراد كانوا يتوقون لتطوير صناعتهم النفطية ، وفي بعض الحالات كان الجميع يتوسلون إلى الأميركيين للدخول في عقود معهم. لكن الأكراد العاديين لا يؤمنون بهذا التفسير. ويشيرون الى ان بعض المسؤولين الرفيعين السابقين فى ادارة بوش الذين كانوا قد دعوا الى الاطاحة بصدام استغلوا مواقعهم الحكومية واتصالاتهم ومعارفهم قي الداخل من اجل الحصول على ثروات من النفط العراقى والكردى. واليوم، لا يزال بعض هؤلاء الأشخاص يجلسون في مجالس إدارة الشركات النفطية المتعددة الجنسيات أو لديهم وظائف مربحة كمستشارين لها.

ومع تفشي الفساد بعد الغزو ، واصلت وزاره الخارجية الامريكيه مراقبتها ، وفقا للوثائق التي أصدرتها ويكيليكس. وكانت على علم بان الفساد كان روتينيا في كردستان العراق ، حيث كانت العائلات النخبوية التي تربطها صلات قبلية وسياسية عميقة متواطئة في إنشاء نظام يثريها هي نفسها.

 

وغالبا ما يكون الإبحار في قطاع النفط في كردستان العراق معقدا. في مكان يتسم بقدر قليل من الشفافية، حيث الفساد منذ فتره طويلة يعتبر طبيعيا ، وحيث الصحافة غالبا ما تكون مجرد واجهة للأحزاب السياسية لاحراج المنافسين ،  والحقيقة، والتقارير المحايدة والبيانات الصادقة من الصعب التوصل إليها.

ولكن خلال اقامتي في العراق، زرعت مصدرا عمل في قطاع النفط الكردي ويعرف اللاعبين جيدا، مما ساعدني كثيرا. وكثيرا ما تحدثنا عن داعش وكيف أثرت الحرب على الاقتصاد العراقي. في ذلك الوقت، في صيف عام 2014، كانت العديد من الشركات غير متأكدة حول ما إذا كان يجب عليها سحب موظفيها الى خارج البلاد أو ما إذا كانت الحرب سوف تضر بالمبيعات. قدمني المصدر إلى الأشخاص الذين عملوا في المجالات التنظيمية المالية. قضيت سنوات في التحدث معهم. وبدأوا يرسلون الي الوثائق. ويبدو انهم كانوا يريدون الكشف عن تفاصيل الحالات التي لم تذهب إلى اي مكان ، وظلت سريه لأسباب سياسية أو كانت لا تزال قيد التحقيق ولكنها لم تتقدم إلى الأمام. تلقيت مئات الوثائق التي تفصل المعاملات بين وزارة الموارد الطبيعية والشركات النفطية المتعددة الجنسيات التي يقول مسؤولو إنفاذ اللوائح الأمريكية والمملكة المتحدة أنها تكشف عن رشاوى مقنعة بشكل طفيف والدفع مقابل الدخول الى القطاع النفطي .

وتعتبر هذه الرشاوى جزءا من النظام الذي طور الشروخ، ويرجع ذلك جزئيا إلى أن شركات النفط الأمريكية وغيرها من الشركات متعددة الجنسيات، التي  كانت تتوق إلى القفز إلى كردستان عندما أدركت امكانية ربح المليارات، قد انسحبت منذ ذلك الحين من المنطقة. بالنسبة للبعض، بدأت الوزارة التي حثتهم علي المجيء إلى كردستان العراق إعادة كتابة عقودهم المربحة. وبعد ذلك، ومع تقلص الإنتاج النفطي بسبب داعش، وبلوغ أزمة اللاجئين ذروتها، فشلت الوزارة في دفع المليارات التي تقول الشركات أنها مستحقة لها. وقد جرت العديد من هذه النزاعات في المحاكم في لندن وكشفت عن الأعمال الداخلية لوزارة الموارد الطبيعية.

وفي خريف 2017 ، بعد ان اجتاز الأكراد العراقيون استفتاء للحصول علي مزيد من الحكم الذاتي ، اندلع القتال بين المليشيات الكردية والقوات العراقية. وتوغلت القوات العراقية في كركوك وسيطرت علي المواقع الرئيسية وتمكنت من السيطرة علي حقول النفط. ولم تصعد الازمة الحادة التوترات بين بغداد وأربيل فحسب ، بل تسببت أيضا في انشقاقات داخلية بين الأحزاب السياسية الكردية الرئيسية ومقاتليها. ويبدو أن المناوشات تزيل أي أمل في أن يعزز الأكراد سيطرتهم قريبا على كركوك ويحصلون على استقلالهم عن الحكومة المركزية.

وفي الوقت نفسه، هناك زعيم جديد في البيت الأبيض الذي يبدو أنه لا يعرف سوى القليل عن العراق وأقل عن سياساته النفطية. ومع ذلك، فإن وزير خارجيته، وهو الشخص المسؤول عن الإشراف على العلاقات الدبلوماسية، هو الرئيس التنفيذي السابق لشركة “إكسون موبيل” ريكس تيلرسون، وهو رجل لعب منذ فترة طويلة دورا قويا في قطاع النفط في كردستان العراق.

وفي اليوم التالي  لادائه قسم اليمين كرئيس امريكا الخامس والأربعين ، القي دونالد ترامب خطابا في وكاله المخابرات المركزية قائلا انه علي الرغم من انه لم يوافق علي غزو العراق ، فانه يعتقد ان الولايات المتحدة يجب ان تفعل المزيد للاستفادة من الموارد الطبيعية للبلاد وأضاف قائلا: “يجب علينا ان نحاقظ على النفط”.

بطريقة ما، فعلنا شيئا.. حسين وغيره من الأكراد يعرفون كل هذا جيدا.

 

إرين بانك  (مجلة نيوزويك)

السابق
العمليات المشتركة تنفي تقدم البيشمركة باتجاه مناطق شرق كركوك
التالي
تقرير امريكي: واشنطن لا تريد ان يصبح العراق قويا ومستقرا لهذه الاسباب

اترك تعليقاً