أعلام وتراث

هكذا عرفت الشيخ نسيب مكارم

كنت صغيراً، وفي الصفوف الأولى من المدرسة العلوية في النجف، وكان لكل مدرّس أو الصحيح لبعض المدرسين أساليب تجعل الدرس شائقاً، ومحبوباً، لدى الطلاب، لما يتضمن من حكايات وقصص وطرائف، ولا سيما درس الجغرافيا، ودرس التاريخ، ولا تزال بعض الطرف من تلك الدروس عالقة بذهني حتى هذا اليوم، وكان للخطّ معلم خاص إسمه السيد حسين، ولا أتذكر الآن شهرته وهو من الطلاب الروحانيين وكان كل المدرسين من الروحانيين حتى مدرس اللغة الفرنسية، وكان السيد حسين من مهرة الخطاطين، والمتفننين، وكنت إلى عهد قريب أحتفظ ببعض آثار خطوطه التي كتبها بأظفر إبهامه على ورق من الرصاص اللين الذي كان يأتي مغلفاً به الشاي، في صناديق خشبية من الصين، فكانت هذه الخطوط التي يخطها بأظفره بارزة، نافرة، وغاية في الجمال وحين تم إنتقالنا من النجف إلى بغداد أضعت الشيء الكثير من الطرف، والوثائق، والمذكرات، وكان من ضمنها تلك القطع التي كنت أنشد الفراغ لكي أخرجها في إطارٍ يناسب فنّها الجميل فلا أحسب اليوم من يستطيع مجاراته فيها.

وكان هذا المعلم الذي لا يأتينا إلا مرتين في الأسبوع لا يتركنا إلا ونحن في أشد الشوق إلى درسه، لما كان يطرفنا به من حكايات عن الخط، وفنونه، وما كان يرسم لنا على اللوحة السوداء من صور للبسملة في شكل طير، أو عصا معكوفة الرأس، وما كان يخرج من الورق من الخطوط المنقوشة في سطور متقابلة بمجرد أن يطوي الورق عدة طيات غير متساوية، وغير متناسقة، ويبدأ بقصها بالمقص ثم يفتحها فإذا بها كلمة مأثورة، أو حكمة مشهورة، داخل مربع من الورق أو داخل دائرة مفرغة إلا من سطور الكلمة!! هذا إلى جانب ما كان يعمل في الورق السميك الذي كان يمسكه بين أظفري الإبهام والوسطى على أغلب الظن ويبدأ بتحريك الورقة تحت إظفر الإبهام حتى يخرج منها آية بارزة نافرة تستدعي الدهشة بروعة الإخراج وجمال الخط!!

ولقد أخذ منه كل تمليذ بعض الأثر، وتعلم الكثير منه حسن الخط، وإذا لم أستطع أنا أن أكون من أولئك الذين إشتهروا بحسن خطهم عن طريقه، فحسبي أن يكون خطي من الخطوط المقروءة التي تسهل قراءتها لوضوحها وذلك بشهادة عمال المطابع الذين عملوا معي سنوات، وهي بركة – إذا صحّت – من بركات ذلك الأستاذ الذي طوّح به الزمان بعد أن أغلقت المدرسة في نهاية الحرب العظمى الأولى وترك طريق المشيخة والروحانية وأخذ يعمل في (تصليح الساعات) بسوق الساعتية ببغداد، ثم لم أعرف عنه شيئاً.

وإلى جانب ما كان يقوم به السيد حسين من تقويم خطوط التلاميذ وما يواجهنا به في كل مرة من أعمال خطية باهرة، كان يحدثنا عن طرائف الخطاطين الخالدين، ويروي لنا بعض الحكايات عن آثارهم الخطية، وعلى الأخص خطّاطي المصاحف الكريمة، وما يبدعون في تزويقها، وتلوينها، وقد روى لنا مرة أن هناك خطاطاً متفنناً لبنانياً وهو حيّ يرزق إسمه (مكارم) إستطاع أن يكتب على بيضة الدجاجة الدستور العثماني بكامله، وهناك شرح لنا المعلم معنى الدستور زيادة للتوضيح وقال – لقد كتب على هذه البيضة 64 مادة باللغة التركية، ثم كتب ترجمتها بالعربية، فصرخ الطلاب مرة واحد: الله!

وظللت أنا أفكر في هذا الخطاط المتفنن الذي إسمه: (مكارم) ولم أُدرك يومها ولربما لم يدرك معلم الخط نفسه أن مكارم ليس إلا شهرة بيت هذا المتفنن، أما إسمه فكان نسيب مكارم، ثم صار بعد ذلك الشيخ نسيب مكارم، ولربما قضيت وقتاً طويلاً أفكر في بيضة الدجاجة أفلا يخاف هذا الخطاط النابغة أن تنكسر البيضة مرة واحدة فتضيع جهوده التي ربما إستغرقت بضعة شهور أو سنة حتى أتم كتابة هذا الدستور!! حتى علمت بعد زمن طويل أن البيضة لم تكن إلا قطعة من الرخام بحجم بيضة الدجاجة، وأن مواد الدستور كانت 121 مادة وليست 64 مادة كما أرتسم في ذهني في الصغر، وبالإضافة إلى ترجمة المواد بالعربية، فقد رسم على هذه البيضة خريطة الإمبراطورية العثمانية وقصيدة شعر عرفت بعد ذلك شاعرها عن طريق مجلة الزهور لصاحبها أمين تقي الدين وأنطوان الجميل، ألا وهو الشاعر الدرزي المعروف أمين ناصر الدين، وقيل إن هذه البيضة معروضة بمتحف إسطنبول ضمن التحف التي يحتويها المتحف.

وحين إمتدَّ بي العمر بدأت أعرف الشيء الكثير عن الشيخ نسيب مكارم مما كنت أقرأ أسمه تحت عناوين الكتب التي تخرجها المطابع وبعض ما كان يتردد على مسمعي، فتولد في نفسي إعجاب شديد، وشوق شديد، ومحبة شديدة لهذا الذي يكتب مثل هذا الخط الجميل وكتب الدستور العثماني على البيضة، وزاد إعجابي حين علمت بأن فنة تجاوز الذهب، وكان منها حبة من الفضة نقش على أحد وجهيها خريطة لبنان مع أهم أسماء مدنه بالحفر وملأ هذا الحفر بالذهب، فبدت الأسماء والحدود بارزة، نافرة، وغير هذه الحبوب المصوغة.

ترى أين يقيم هذا العبقري المتفنن؟ وكيف يمكن أن أراه، فلقد أصبحت رؤيته عندي من أعز الأماني وأغلاها، وكنت أسأل نفسي هل أصدق أن مثل هذا يمكن أن ينقش محفوراً على حبة من الرز؟ وهل يستطيع أن يقرأها القارئ بالعدسات كما يقرأ سائر المخطوطات؟ وهل صحيح أن هناك حبوباً من الفضة والذهب بحجم حبة الرز قد حفر عليها مكارم هذه الخطوط؟ وبأية آلة حفرها؟ وبأية وسيلة من العدسات إستطاع أن يرى صفحة الحبة فينقش عليها هذه الخطوط؟

صحيح أن خطه هو الآخر غير خاضع لمجاراة الكثير من الخطاطين لجماله بحيث إنه كان هو الذي أختير ليكتب بخطه الليرة الذهبية التي سكها الملك فيصل الأول لسوريا في أول إعلان إستقلال سوريا وقبل إحتلالها من قبل الفرنسيين، ولكن هذا شيء آخر، وفن قائم بذاته، وليس له بالحفر على حبة الرز سورة من سور القرآن كسورة الإخلاص علاقة أو شبه علاقة.

وكنت أزور لبنان في أغلب السنين صيفاً، وفي كل سنة كنت أضع في برامج زيارتي محاولة التعرف بأشخاص عرفتهم على البعد وأعجبت بهم، أو شراء كتب، وحاجات، كان يتعذر الحصول عليها بيسر وسهولة في العراق، وكان الشيخ نسيب مكارم في مقدمة هؤلاء الذين كنت أتوق إلى البحث عنه، والتعرف به، ولكني لم أفلح على رغم كثرة زياراتي للبنان في الصيف، وكان النسيان مرة، والإنشغال مرة أخرى، وضيق الوقت أحياناً يصرفني عن البحث عن مقره.

أما مسكنه فلم أكن أعرف عنه شيئاً، ولم أدرِ أنه يسكن (عيتات) القرية المتصلة بسوق الغرب إلا من الصديق الكريم الدكتور أمين زهر الذي عمل في النجف طبيباً نحو ثلاثة عشرة سنة، ومنه علمت أن الشيخ نسيب مكارم من بيوتات الدروز الكريمة وأن مسكن آل مكارم هو (رأس المتن) مدينة المؤرخ الكبير، والباحث النابغة المعروف، عجاج نويهض، وإنما جده – أي جد الشيخ نسيب – هو الذي هاجر إلى عيتات وسكنها، وعلمت أن للدكتور أمين زهر صلة رحمية بالشيخ نسيب، وأنه هو الذي سعى في خطبة السيدة الفاضلة الست أبريزا قائدبيه، وأن لآل قائدبيه هم الآخرون صلة رحمية وثقتها المصاهرة، وقد علمت أن عقيلة الشيخ نسيب وهي أم ولديه الأستاذ سعيد مكارم الأستاذ بمدرسة سوق الغرب الثانوية، والدكتور سامي مكارم الأستاذ بالجامعة الأميركية ببيروت، هي خالة الست أبريزا عقيلة الدكتور أمين، وهناك سقطت على الخبير.

وكثرت أسألي التي رحت أوجهها للدكتور أمين عن الشيخ نسيب مكارم، وهل أنه رأى نفسه حبّة من تلك الحبوب؟ وهل أن خطوطها المحفورة عليها واضحة، ومقروءة تحت العدسات؟ قد علمت منه أن ليس هناك حبة واحدة بل هناك حبات، وفصوص خواتيم نقش على بعضها قصيدة لا تقل عن بضعة أبيات، في مساحة – من الصلب أو العقيق، أو الذهب – لا تتجاوز السنتيمتر المربع!!

ويبدو أن الدكتور أمين قد أحسَّ بإعجابي ودهشتي، فحين زار لبنان في الأربعينيات جاءني بأغلى هدية من هدايا فن الشيخ نسيبن لقد جاءني بلوحة كتبت بالخط الذهبي وسط لون سماوي يزينها إطار جميل مذهب في حجم يقارب 7540 سم خطّ فيها الكلمة المأثورة (صديقك من صدقك) وتحت هذه الجملة توقيع مكارم، وفي أقصى يسارها بخط الرقعة كتب مكارم: (هدية الدكتور أمين زهر لصديقه جعفر الخليلي) وأنا إعتزازاً مني بهذه اللوحة الفنية، أو الصحيح تباهياً بهذا الفن علقت هذه اللوحة الخالدة في مكتبي بجريدة الهاتف وهي لم تزل فوق رأسي من مكتبي بدار التعارف ببغداد.

وفي سنة 1956 طلبت وزارة الإعمار ببغداد من مكتبي (دار التعارف) أن يعدَّ لها تقريراً جامعاً ومصوراً يشرح فيه ما أنجز (الإعمار) خلال هذه السنة وما ينتظر أن ينجز خلال السنوات الخمس، على أن يطبع هذا التقرير في المطبعة الكاثوليكية ببيروت، ويخرج إخراجها فنياً بمناسبة أسبوع الإعمار الذي قررت الوزارة أن تقيمه في كل سنة، وقد أعدَّ مكتبي هذا التقرير المصور، والخرائط، والتصميمات اللازمة له، وأوصى بأن يتولى الشيخ نسيب مكارم خطّ العناوين لكل الصفحات من هذا التقرير، فخرج مطبوعاً طبعة أنيقة وملونة وقد زينت عناوين فصوله خطوط الشيخ نسيب مكارم.

وفي هذه السنة نفسها سنة 1956 علمت أن للشيخ نسيب مكتباً خاصاً للخط ببيروت، وأن مكتبه هذا واقع في عمارة قريبة من البرج، فقصدته فيها، وهناك تم التعارف بيننا ودعاني لزيارة (بعيتات).

كنت قد رأيت صورته غير مرة منشورة في بعض الصحف في بعض المناسبات وعلى صدره عدد من الأوسمة والنياشين التي نالها من بعض الدول، ورأيت بأن له شاربين معكوفين نسبياً، وهو حليق اللحية، وعينين تتحدى من يواجهها بنظرات نافذة، نظرات تقول لك أنك أمام فارس صلب المراس، قوي الشكيمة، ليس بمقدور كل أحد الإتصال به، والتعرف إليه، ولا يعوز هذه الصورة إلا ان تتقلد السيف وتشد محزمها الخنجر، وهي صورة أبعد ما تكون عن صور النبغاء من أرباب الفن حتى لتكاد تسأل نفسك وأنت لم تر غير صوره في الصحف: كيف يجوز أن يكون صاحب هذه الصورة هو صاحب بيضة الدستور؟ وصاحب حبوب الرز؟ وصاحب هذه الخطوط الجميلة التي خطها عناوين للكتب، والمجلات، والصحف الشهيرة؟

وتبددت هذه الفكر التي بثتها صوره في أول ملتقى لي بهذا الرجل، وبدا لي رجلاً من أهدأ من رأيت نفساً، ومن أكثر الوجوه بشاشة، وبشراً، ومن أكثر ما عرفت من المرحبين ترحيباً، وتهليلاً بزائريهم، فلا تكاد تمر دقيقة واحدة حتى تراه يقول لك: أهلاً وسهلاً ثم يكررها ويقول مرة أخرى: أهلاً وسهلاً، وهكذا..

وتتبدد فكرة الغرور والكبرياء التي قد تبعثها صوره التي وصفت، حين تهمّ بتوديعه، فيمشي معك إلى نهاية الباب وبشيء كثير من التواضع يودعك ويرجو أن يسعد بلقائك مرات!! وتغيب عن ذهنك صورة الفارس المتحدي والمتمنطق بالسيف والخنجر وتحل محلها صورة الإنسان الذي قلما طبع إنسان مثله بطابع الوداعة والتواضع.

وتكتب لي زيارته في بيته بعيتات، فإذا به معرف من المعارض الفنية التي يزدان بصورها صالون بيته الكبير، وتتسمر قدماك أمام أية لوحة تستعرضها من هذه الألواح المخطوطة بالذهب، والمنقوشة بالألوان الزاهية، والمؤطّرة بالأطر الفنية التي كانت من صنع يديه نفسه، فقد كان أول نشأته نجراً، وأبدع إبداعاً منقطع النظير في أعمال النجارة، ولا سيما الفنية منها، ثم إنقطع إلى الكتابة حين رأى لديه مثل هذه البراعة في تخريم قواعد الفنون المبتكرة وليس على القواعد التي أخذ بها الخطاطون، كأن يكو نطول الألف سبع نقط مثلاً أو عين القاف نقطة واحدة، إنما راح يكتب الخط كتابة فنية لا تستطيع أن تحول نظرك عن اللوحة إلى الأخرى إلا بالإكراه، وهكذا أنت مع اللوحة الثانية، والثالثة، والعشرين، والثلاثين.

هذه سفينة تجري في عرض البحر، مؤلفة من كلمة: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم) وهذه صورة لقلب إنسان مؤلفة من الدعاء إلى الله قولك: (إرحمنا يا أرحم الراحمين). وصورة لأجمل شباك من الشبابيك الفنية أو صورة ستارة من الستائر المطرزة، مؤلفة من كلمة: (الحمد لله على نعمه) أخرجها على نسق الخط الكوفي، وأنت حين تنظر إليها تظنها إلا شباكاً حتى إذا دققت النظر إذاً بهذه الخطوط المعتمدة، والمتقاطعة كما تتقاطع قضبان الحديد ما هي إلا حروف يؤلف مجموعها بدون أية زايدة أو نقصان قولك: (الحمد لله على نعمه). وصورة (الشمعدان)* قائم على قاعدتين متناظرتين مؤلف من قولك: (يقيني بالله يقيني) مكررة من اليمين، ومعكوسة من اليسار، وصورة لقبة من هذه القبب التي تقوم في المشاهد المقدسة تتألف من مقطع الآية الكريمة الحمد لله رب العالمين، وتجلس كلمة الله فوق القبة تماماً بدون أية زيادة أو نقصان، وهناك صور كثيرة وكثيرة لعب فيها فن الرسم والخط معاً لعبة متفنن قبل الشيخ نسيب مكارم كصورة الشمس التي تحكي قولك (الله محبة).

وجئنا إلى لون آخر من البراعة، والإبتكار، فرأيت هناك نموذجاً من حبوب الرز التي كاد يذهب بي الإعجاب قبل أن أراها – إلى الشك في صحتها، وتحت العدسة قرأت بوضوح ما نقش عليها من كلمات، وبوضوح تام، وخط من أجمل الخطوط، ظهرت الحروف بارزة، نافرة لكل عين، وقد لفت نظري الشيخ نسيب: كيف أن عيون الحروف من الصاد حتى الميم كانت مفتوحة وظاهرة للعيان!!

أما الخوتم، والفصوص، فقد نقشت عليها أبيات من الشعر، وتواريخ لحوادث معينة، وقد أراني خاتماً قد نقشت عليه عشرة أبيات من الشعر الفارسي في مناسبة من المناسبات وكان من أبرع ما رأيت عملاً، وقد أسف غاية الأسف حين علم مني أن الشعر كان شعراً إلى العامية الفارسية أقرب منه إلى (فصحاها) وأن هذا الشعر لم يكن يتحق ذلك المجهود العجيب لما يسوده من ركّة.

وسألت الشيخ نسيب عن بيضة الدستور، وحكيت له كيف أن هذه كانت أول شيء شدني إليه، وكيف كان ظني بها من قبل بأنها بيضة دجاجته حقيقية، حتى لقد كنت أخشى عليها أن تنكسر ذات يوم، فيضيع لك مجهود عظيم، حتى علمت فيما بعد أن البيضة لم تكن بيضة دجاجة وإنما هي جسم من الرخام بحجم بيضة الدجاجة، فضحك الشيخ نسيب وقال: لقد أسمعني غيرك مثل هذا ظاناً بأنها بيضة دجاجة حقيقية، ولكنه لم يكن يحاذر عليها مثلك، أما البيضة فهي ليست في متحف أسطنبول ولكنها ليست تحت يدي، وبعد عدة سنوات علمت بأن البيضة المذكورة هي عند أحد الشخصيات اللبنانية بصفة رهينة، ولكني لم أعلم كيف تمت هذه الرهينة؟ وما هي حكايتها؟ كما علمت أن هذه البيضة قد ركزت على ظهر نسر من الطيور، ووضعت بحيث يمكن أن تدوم أمام عين المشاهد الذي يكون قد وضع العدسة المكبرة على البعد المناسب ليقرأ المواد، والقصيدة الشعرية، ويرى خريطة الإمبراطورية العثمانية، وذلك بواسطة فذلكة تقوم بها آلة هي التي تتولى دورانها، كذلك علمت أن عدد الكلمات التي كتبت على صفحة هذه البيضة كانت نحو عشرة آلاف كلمة!! وقال لي الأب أنطوان ضو الأنطوني الذي تولى عرض ألواح الشيخ نسيب مكارم في المعهد الأنطوني في بعبدا بلبنان من شهر مايس 1971 إلى حزيران من نفس السنة يصف البيضة: “وأما عقبها – ويقصد قاعدة البيضة – فقد فارغاً من الكتابة، وكان من الممكن أن يسع ألفي كلمة أو أكثر!!” وتذكرت وأنا تلميذ في الصف حين كان السيد حسين المعلم يصف لنا هذه البيضة وصرخت من غير وعي: الله.

وسألت الشيخ نسيب: بأية وسيلة أو ما هي الآلات والأدوات التي كنت تستعملها في مثل هذه الكتابة؟ وبأي نوع من أنواع العدسات؟ قال: ليس هنالك من شيء غير طبيعي، إنه قلم حديدي رفع للكتابة، وسكين ذات رأس دقيق، وبالعين المجردة، المجردة تماماً!!

ومرة أخرى كان يحتاج الأمر مني إلى صرخة تعجب قائلاً: الله.

وفي صيف سنة 1957 عرض عليَّ الصديق المرحوم إسكندر حريق بعد أن علم بصلتي بالشيخ نسيب أن أصحبه إلى بيته بعيتات، لينعم هو الآخر برؤية التحف الفنية، وكان المرحوم (حريق) يشغل يومها رئاسة تحرير مجلة (أهل النفط) بعد أن تركها عبد الله مشنوق، وضربنا موعداً ويممنّا (عيتات) ومعنا مصور المجلة.

ووقف إسكندر حريق كوقفتي أمام هذه الألواح، غائب الذهن عما يدور حوله، متوجهاً بكل حواسه إلى هذه البراعة التي تجاوزت حدود مسموعاته عن مبتكارات الشيخ نسيب الخطيَّة، وصوّر المصور بعض هذه الألواح، وأصغى إسكندر حريق إلى حديث الشيخ نسيب مكارم وكيف زاول النجارة أول ما زاول من عمل، وكيف حدثته نفسه بأن يتحول إلى ممارسة الخط ثم كيف أطلق لنفسه العنان في أن يظهر هذه المخطوطات بالشكل الذي ترتضيه نفسه، دون إهتمامه بالقواعد التي جمد عليها الخطاطون المتأخرون، أما المتقدمون فقد أظهروا شيئاً غير قليل من البراعة في الخط، ولا سيما في قسم (الثلثي) منه وتفننوا كثيراً في النقوش التي تحف بسور القرآن، ولعل – قال الشيخ نسيب – ولعلها،، هي التي شجعتني على أن أطلق لنفسي العنان فيما ترتئي وما يوحى إليها، لأن الفن عندي مقدرة ووحي.

وظهرت مجلة (أهل النفط) بتسجيل هذه المقابلة، وتصوير لبعض هذه التحف، وحديث شهي عن الشيخ نسيب وفنه، وكانت لي صورة تذكارية تجمع بيني وبين الشيخ إسكندر حريق في بيت الشيخ نسيب هي عندي من أعز بل من أثمن ذكريات العمر.

وتوثقت عرى الصداقة بين وبين الشيخ نسيب مكارم، فلا أكاد أقدم على سوق الغرب وأنزل بيت الصديق الكريم الدكتور أمين زهر ضيفاً حتى يخف إليّ من عيتات ويدعوني إلى بيته، وكنت أسعى كثيراً للإعتذار من الإجابة عن دعوته لما شاهدت من توسع غاية في الكلفة لا من حيث أصناف المائدة كثرة الطعام، وما كان يبدو من سخاء مفرط في كل لون من المآكل فحسب، وإنما لكثرة ما كان يدعو من البيوتات الكريمة التي تربطني وإياهم روابط الصداقة، والمحبة، كآل قائدبيه، وآل زهر، وآل مكارم، ومع ذلك فكنت أنزل على رغبته طائعاً لكثرة إصراره وإلحاحه، هذا بالإضافة إلى الولائم الأخرى التي كان يقيمها هو أو يقيمها إبنه سعيد مكارم بمناسبة تخص بعض أصدقائهم وأرحامهم فأدعى أنا الآخر إليها كما لو كنت واحداً من الأسرة.

وعن طريق الشيخ نسيب توثقت الصداقة بيني وبين نجليه الكريمين سعيد مكارم، والدكتور سامي مكارم، وإبن أخيه رامز مكارم، الذي يقيم اليوم في (فنزويلا) والذي كثيراً ما كتب لي عنه شاعرنا العبقري الكبير إلياس فرحات وأكثر من تفقده له يوم كان رامز في لبنان بعد عودته من البرازيل وقال لي فرحات فيما قال: أنه تضاعف حبه للشيخ نسيب مكارم لا بصفته المتفنن الذي يُجاري فحسب، وإنما لأنه عمّ رامز وأخو أبيه، جميع أسرته وإن لم يعرفوهم، ثم إن (رامزاً) لم يكن وحده كذلك وإنما كان سعيد مكارم يكاد يكون نسخة من أبيه من حيث طهارة النفس، وصدق اللهجة والطيبة التي تصونه من الخبث، والختل، والدجل، لذلك شدتني إليه هذه الصفات، وعززته في عيني.

وسعيد مكارم يجمع بين المتناقضات، فهو رجل يعمل بجد بحيث لا يفرط في واجبه قيد شعرة كمدرس بثانوية سوق الغرب، وكمحاضر في أحد معاهد بيروت، ولكنه متهم بالتباطؤ في شؤونه الخاصة، والتكاسل في القضايا الثانوية حتى صار موضوعاً للتندر بيننا، وكنا نغالي في وصف تكاسله حتى تتجاوز الحد على سبيل النكتة فنقول مثلاً إذا طلب إلى سعيد أن يكتب لنا قطعة شعرية بخطه أو خط سعيد من الخطوط الجميلة وقد ورث هذه النعمة من أبيه – فلا يمكن أن ينجز لك هذا العمل بأقل من سنة حتى وإن كان الشعر المطلوب بيتاً واحداً إلى غير ذلك من المقالات في تباطؤ سعيد مكارم في إنجاز الأمور.

ولقد سألته مرة على سبيل المزاح: كم ساعة ينبغي لك حتى تقطع الطريق بين سوق الغرب وبيروت بسيارتك؟ فلم يفطن للدعاية وأجاب قائلاً أفلم تنزل أنت من سوق الغرب إلى بيروت كل يوم؟ فهل يتجاوز الطريق أكثر من ربع ساعة؟ قلت: بلى ولكني لم أنزل من سوق الغرب إلى بيروت مع سعيد مكارم المتباطئ في كل شيء، وإنما أنزل مع سواق السيارات، وهنا إلتفت إلى ما كنت أريد من المزح وقال لي: يا أخي لا تقس ما أنا ملزم به في حياتي من الأعمال بما تعرفه عني – حقاً أم باطلاً – في تأجيل أمور ليس فيها ما يستوجب الإسراع.

ثم إنه أي سعيد مكارم كان يتهم الدكتور أمين زهر ويقول إنه هو الذي يشيع عنه مثل هذه الإشاعات بقصد التفكهة، لأنه كلفه ذات يوم بأمر ولم يكن له من الأهمية التي تستدعي التعجيل فأجلّه، وكانت ثورة إتسع لهيبها، ولم تخمد حتى اليوم، وسرى مفعولها إلى جميع المعارف بوحي من الدكتور أمين.

ومن هذا اللون من المزح، طلب مني مرة الدكتور أمين زهر أن أضع له تاريخاً شعرياً وأنا لست من الذين يمارسون التاريخ – لدارة ينوي أن يشيدها بعد خمس سنوات، فقلت له أني إستطعت أن أضع مثل هذا التاريخ فلماذا تطلب مني أن أعالج هذا التاريخ منذ الآن قبل أن تقم هذا البيت بخمس سنوات؟ قال: لأني أريد أن أعهد بكتابته إلى أبي نبيل (سعيد مكارم) ولا أحسبه سينتهي من كتابته بأقل من خمس سنوات!! فأوحت لي هذه الدعابة نظم أرجوزة تتضمن الحكاية، وكان أن إنتشر خبرها بين المعارف، والأصدقاء، بل كاد يستظهرها أو أنه إستظهرها سعيد مكارم نفسه، وهذه هي الأرجوزة: [البحر الرجز المجزوء]

قال صديقي وأخي (أمينُ)                                                     إني بربي الله أستعين

فقد نويت أن أشيد داري                                                       بأنفس المرمر والأحجار

على طراز ما له مثيلُ                                                          أو قل فإن مثله قليلُ

دار كما نفسي تشتهيها                                                        كل الذي تهواه نفسي فيها

أعني بها عناية إبن المنذر                                                    بقصره المعروف والمشتهر

وأجعلن منها بناء يُصبي                                                      يستلفت العين (بسوق الغرب)

مرحباً بكل من يزورنا                                                          أكثر من ترحيبنا بهم هنا

وقال أشتهي بأن تعظما                                                        داري، وتاريخاً لها أن تنظُما

قلت متى تريد وضع الأسِّ                                                     فقال من بعد سنين خمس

لكنني أريد منذ الساعة                                                         أن تنظم التاريخ في براعة

لأنني أرغب في (سعيد)                                                        يكتبه بخطه المجيد

لذاك إن لم يستعد الآنا                                                          فإقرأ على تاريخه القُرآنا

فكل حرف من حروف الشعر                                        يكتبه (سعيدنا) في شهر

وذاك إكراماً لنا وإلا                                                             فالحرف في عام ولن يقلا

وبعد ذا أرجو أنا (الخليلي)                                                   من صاحبي الشهم (أبي نبيل)

أرجوه أن يشملني بالصفح                                                    فما حوى نظمي غير المزح

ولما كنت أقضي صيف أغلب السنين بسوق الغرب، فقد كثر ترددي على بيت الشيخ نسيب مكارم (في عيتات) وقد بهرني من هذا الرجل شيء آخر لا تقل أهميته عن نبوغه في الفن، وذلك هو الإيمان بالله والذي يستطيع أن يتحسس به الناس من فحوى ألواحه إذا لم يكتب لهم أن يروه عن كثب ويتحسسوا به عن قرب، فما هنالك لوحة قد خطها ولم يكن للآيات القرآنية، أو العظة، والحكمة، نصيب كبير منها، مثل: بسم الله الرحمن الرحيم، ومثل الحمد لله رب العالمين، ومثل: يقيني بالله يقيني، ومثل: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، ومثل: تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، ومثل ما بكم من نعمة فمن الله، وغير هذه المئات من الألواح الفنية التي يعبر إختيار نصوصها عن نزعته وإيمانه.

وحتى إذا دعته المناسبة أن يخط شيئاً غير هذا فلا يخط إلا المآثر من الأدب، ومن ذلك كانت حبة القمح التي أهداها إلى متحف الجامعة الأميركية ببيروت سنة 1919 وكانت الجامعة الأميركية تعرف يومذاك: بالكلية السورية الإنجيلية، وكانت قد أسست متحفاً خاصاً بالنفائس والآثار، فكتب في هذه الحبّة هذا العنوان: (فريضة المدح في حبة القمح) ثم هذه الجملة: “مقدمة إلى متحف الكلية السورية الإنجيلية في بيروت تنويهاً بما لها من الفضل في خدمة العلم” ثم هذه المقطوعة الشعرية:

يا معهد العلم الصحيح تحية                                                  من كل سوري لوردك ظامي

علمتنا معنى الحياة ولم تزل                                                  تُعطي بذور العلم والإقدام

وغرست في النشئ الجديد خلائقاً                                           جاءت نتائجها بكل هُمامِ

وأقمت للآثار أسنى متحف                                                    تنمو محاسنه مع الأيام

فإليك من خطي الدقيق هدية                                                  صغرت أقدمها مع الإعظام

هي قمحة من خطي الدقيق هدية                                            من آي فضلك في ربوع الشام

لا زلت في هذي المواطن زاهراً                                             وعليك ألف تحية وسلام

وكل هذا محفور على تلك الحبة التي صيغت بحجم حبة القمح!! وبخط جليّ وجميل يقرأه كل قارئ من وراء العدسة فيعجب إلى جانب فنه بإيمانه ومبلغ إعتزازه بالعلم والعرفان.

وقبل بضع سنوات طلق الكتابة وترك محله ببيروت وكان يسحب أنه قد طلق الفن إلى غير رجعة لا سيما وقد بدأ يحسُّ بإرتعاش في يديه وإضطراب في قلبه وهناك أطلق لحيته وإقتصر عمله على ذكر الله والإستغفار، ومال إلى التصوف والإنطواء، ومرت على ذلك فترة هاجت منه حنينه إلى الفن لا سيما وأن حياته أصبحت فارغة، أما الإستغفار وذكر الله فقد كان يلازمه منذ صباه حتى إشتهر بين قومه وعارفيه بالتقوى، وليس هذا بالأمر الذي يسد الفراغ ولكن كيف يعمل والرعشة في يديه قد بدأت تزداد يوماً بعد يوم، فعمد إلى مساطر من الخشب يمدها على طول ذراعه ثم يشدها بالخيوط أشد محكماً، وينزل إلى العمل كما لو كان شاباً وفي أدوار حياته الأولى نشاطاً، ورغبة، وتفانياً في العمل، والغريب أن الألواح التي كتبها وهو في مثل هذا العمر الذي أتم فهي الإثنين والثمانين من السنين كانت من الروعة بحيث تثير الدهشة!!

ووصلت إلى سوق الغرب في 20/6/1971 للتمتع بصيف لبنان والإشراف على طبع جزأين آخرين من (موسوعة العتبات المقدسة)، وكما هي العادة جمعتني مائدة الدكتور أمين زهر بعدد من أفراد الأسرة، نساءً ورجالاً، وبين هؤلاء كان السيد طعان قائدبيه، شقيق السيدة إبريزا الكبير وهو من الشخصيات المتصفة بالحصافة وبعد النظر، وقد رأيت السيد طعان يختلي بصهره الدكتور أمين في ركن من أركان البيت، ثم يبتعدان وقتربان بعد ذلك فيتهامسان في ركن آخر، وكنت أحسب أن ذلك من الأمور التي تخصهما، وكنا قد إنتهينا من الغداء وإنتشرنا في الصالون، وإذا بالسيد طعان، والدكتور أمين، يدعوانني إلى (الفرندة) بقصد مشاركتهما في الحديث، ثم يفتح السيد طعان الحديث معي، في مقدمة طويلة عن الإنسان ونهايته في هذا الوجود، وأن هذه النهاية محتمة على الجميع، فلا يستطيع أن يفلت منها أحد، وقد تساوى فيها الأنبياء، والفلاسفة، والكبير والصغير، ولم يزل بي حتى آثار إنتباهي إلى أن هناك أمراً ذا بالٍ وأن هذه المقدمة ستنتهي بنتيجة سيئة هي الموت، ولكني موت من؟ إنني أرجو أن لا يكون الأمر خطيراً، ولكنه كان الذي كنت أخشى، فقد إنتهى بالحديث إلى إعلامي بأن الشيخ نسيب قد مات، ولكي يخفف وقع المصاب على نفسي قال إنه مات سعيداً لأنه بلغ نهاية العمر التي يتمناها كل واحد، وقد رأى بعينه كيف بلغ بفنه القمة وكيف جاء الوزير وهو في فراش المرض يقلده وسام الجمهورية اللبنانية، إلى غير ذلك مما كان يقوله السيد طعان، ويؤيده الدكتور أمين، وكانت عيناي قد فاشتا بالدموع ولم أستطع أن أتمالك نفسي.

وفي عصر هذا اليوم قصدت بيت الشيخ نسيب لأعزي عقيلته وولديه وإبنة أخيه السيدة سنية عقيلة الأستاذ سعيد مكارم، وأوصيت نفسي في الطريق بأنني سأقابل سيدتين فمن العيب الشائن أن أقابلهما باكياً ومع كل ذلك فقد إنفجرت باكياً أمامهما، ووقع المحظور.

لم يكن الفن وحده وإن بلغ ما بلغ هو الذي شدني إلى هذا الرجل الذي عرفته وأنا لم أزل طالباً في المدرسة بقدر ما شدني إليه هذا الخلق الذي تتمثل فيه الإنسانية بكل معانيها، فلقد كان صورة من أروع صور الإيمان والتقوى وطهارة النفس.

لقد ولد سنة 1889 ومات في 4 حزيران 1971 وكانت العلة التي يخشى عليه منها هي القلب، ولكن براعة الدكتور سامي قائدبيه المتخصص بجراحة وأمراض القلب قد نجحت معه وحالت بينه وبين الموت سنين طويلة فمات بالسرطان الذي لم يمهله إلا أياماً معدودة، فوالهفتي عليه، ويا حسرتي على فقدانه، وجزاه عن الفن والإنسانية خير الجزاء.

 

الأستاذ جعفر الخليلي (هكذا عرفتهم)

السابق
حملة تواقيع في البرلمان لاستجواب محافظ نينوى
التالي
بعد استفتاء الاستقلال الكردي

اترك تعليقاً