اخترنا لكم

هل تريد إيران الانفتاح على الكورد أم احتواءهم؟

تزامناً مع اشتداد التوتر بين طهران وواشنطن، برز الحديث عن الحوار بين إيران والأحزاب الكوردية في كوردستان إيران، وأثار ضجة. تقول مراكز التنسيق لأحزاب كوردستان إيران إن ما حصل لم يكن مفاوضات، ويتحدث بعض هذه الأحزاب عن نوع من الحوار مع إيران. من جانبها، لم تعلن إيران أي شيء رسمي بهذا الخصوص.

عموماً، فإن عقد مؤتمر باسم “مشاهير الكورد” في سنندج ونشر أخبار عن الحوار مع الأحزاب الكوردية، أثار التساؤل: هل تنوي إيران الانفتاح على الكورد أم تريد احتواء الكورد لحين تجاوز الوضع الصعب الحالي مع أمريكا وحليفاتها؟

حوار إيران والأحزاب الكوردية

هناك منظمة اسمها (نوريف) تقوم بصورة سنوية تقريباً بزيارة الأحزاب الكوردية، وتظهر بمظهر المحرك للحوار بين إيران والأحزاب الكوردية، هذه المرة. فرغم وجود محاولات للحوار مع الأحزاب الكوردية، في عهد خاتمي، لكن الموضوع تشوبه حالياً حساسية أكبر بسبب التوتر الأمريكي – الإيراني.

للكورد تجربة مرة في التفاوض مع إيران، فقد أدى إلى اعتقال أو اغتيال العديد من قيادييهم بعد المفاوضات. ربما لم يبق إلا القليل من الدول التي تلجأ أثناء المفاوضات إلى إرهاب الجانب المقابل، وهذا يظهر التناقض الكبير بين ما تدعيه الثقافة الإيرانية وبين تصرفات الدولة الإيرانية، وربما كان هذا سبباً دفع الأحزاب الكوردية في كوردستان إيران إلى إطلاع طرف ثالث (نوريف) والمطالبة بحضوره في المفاوضات.

النقطة اللافتة في الحديث عن هذا “الحوار” هو أن المقود كان في المرات السابقة في يد المسؤولين الأمنيين والعسكريين، لكن في هذه المرة، يرد ذكر أسماء سياسيين من وزارة الخارجية، وحسب مركز إيرام للبحوث، فإن الدبلوماسي الإيراني السابق، سيد محمد كاظمي سجادبور، ترأس الوفد الإيراني وشاركت الأحزاب الكوردية بمسؤولين من المستويين الثاني والثالث.

سجادبور هو السفير الإيراني السابق لدى مكتب الأمم المتحدة في الاتحاد الأوروبي، وكان لفترة مستشار وزير الخارجية الإيراني، وعمل مع وزيري الخارجية كمال خرازي ومحمد جواد ظريف. زارت نوريف خرازي في العام الماضي في طهران، وبعد تلك الزيارة انتشرت أخبار عن الحوار.

لا يشغل خرازي منصب وزير خارجية حالياً، لكن لديه علاقات عائلية واسعة مع المسؤولين الإيرانيين، ما منحه موقعاً يتجاوز التكتلات، فإحدى بنات إخوته هي زوجة مسعود خامنئي، ابن المرشد الأعلى الإيراني. كما أن ابنة أخيه، صادق خرازي، هي زوجة ابن محمد رضا خاتمي، وأمه حفيدة لروح الله الخميني، المرشد الأعلى السابق الإيراني. بهذا تمثل عائلة خرازي صلة الوصل بين عوائل خامنئي – خاتمي – الخميني.

ربما يحمل توجه شخصية كسجادبور، القريب من خرازي، للحوار مع الأحزاب الكوردية رسالة مفادها أن هناك حواراً يتجاوز التكتلات مع الكورد، وقد يكون هذا لزيادة طمأنة الأحزاب الكوردية. لكن قد يبعث الوجه الآخر للعملة، المتمثل في غياب شخصيات أمنية وعسكرية عن الحوار، الشك في جدية الحوار، لأن هؤلاء هم أصحاب القرار الحقيقيون في إيران، وليس أشخاص مثل سجادبور!

هدف الحوار

زاد تضايق إيران من التوتر مع أمريكا من حاجة هذه الدولة إلى الكورد، ويبدو أن القلق الإيراني الرئيس هو من احتمال تعزيز قوة الحركة السياسية الكوردية في كوردستان إيران، بفضل ضعف إيران سياسياً واقتصادياً وحتى عسكرياً، فتخرج الأمور عن السيطرة. لذا تريد إيران، عن طريق الحوار، أن تشغل الكورد بطريقة ما لحين تجاوز المشاكل الحالية في السياسة الداخلية والخارجية، وهذا ليس مرتبطاً بالأحزاب وحدها. فطهران، بصورة عامة، تريد أن تظهر بمظهر أفضل أمام الجماهير الكوردية التي تكن الاستياء السياسي دائماً، وبعيداً عن كل هذا، فإن الاحتمال الأكبر هو أن إيران تريد قطع الطريق على أي نوع من الترابط بين المعارضة الإيرانية، يستطيع الكورد أن يشكلوا عموده الفقري.

وربما يريد الطرف الكوردي أيضاً أن يظهر رغبته في الحوار، وربما يكون البعض فيه مقتنعاً بأن من المحتمل أن تجري إيران بعض التغييرات بخصوص المسألة الكوردية، نتيجة للضغوط الخارجية التي تتعرض لها. كما يبدو أن تجربة الأطراف الكوردية في كوردستان سوريا والتي رفضت، في بداية الأزمة السورية، التفاوض مع بشار الأسد ليستغل حزب العمال الكوردستاني الفراغ فيما بعد، هو دافع آخر يجعل أحزاب كوردستان إيران مستعدة للحوار مع إيران. كما أن استقرار هذه الأحزاب في إقليم كوردستان قد يترجم على أنه ضغط سياسي – عسكري ويدفعها إلى عدم رفض الحوار.

رغم تصريحات بعض المسؤولين الإيرانيين السابقين، مثل محمد خاتمي، الداعية إلى ضرورة تغيير أسلوب إدارة البلاد، فلا توجد حتى الآن إرادة جادة للتغيير في النظام السياسي عموماً، ولا تقارب من جانب الدولة مع المسألة الكوردية. ما يلمس حالياً هو مجرد خطوة تاكتيكية لا تستطيع أن تتحول إلى انفتاح على الكورد. لكنها تبين ضمناً حاجة إيران إلى الكورد في هذه المرحلة. الخطاب الرسمي للدولة يقبل بالكورد ضمن إطار النقص الثقافي، لكنه ليس مستعداً حتى الآن لرفع مستوى هذا القبول إلى مستوى أوسع. بينما للمسألة الكوردية عمق سياسي وما لم تكن إيران مستعدة للقبول بهذا البعد وبشرعيته، من الصعب أن يكون هناك حوار مثمر. منذ أكثر من مائة عام، تريد دول في المنطقة وصف الكورد كمجموعة عرقية غير سياسية، وتكريس هذه الصفة، لكنها فشلت في ذلك. في حين أن العثور على الهوية السياسية للكورد في المنطقة مجرد مسألة وقت، وإلا فإن المسألة قد اتخذت مسارها وليس ممكناً إيقافها، والدولة التي تتناغم مع الهوية الكوردية، في المنطقة، ستكبر وإلا فإنها ستصغر.

زریان روجهلاتي

السابق
موجة من الحر الشديد في العراق
التالي
هل يكمل عبدالمهدي سنواته الأربع رئيساً للوزراء؟

اترك تعليقاً