اخترنا لكم

هل يصمد السعي الكردي من أجل الاستقلال في ظل السياسة الاقليميه ؟

هل يصمد السعي الكردي من أجل الاستقلال في ظل السياسة الاقليميه ؟

أثار الاستفتاء، وأثره المحتمل على تطلعات الأكراد في تركيا، غضب أنقرة.

 

أيد الأكراد في شمال العراق فكرة قيام دولة مستقلة بنسبة 92.7 في المئة من الأصوات في استفتاء أجري في 25 سبتمبر / أيلول. وكان هذا الأمر مفروغا منه، وحتى الهامش لم يكن مفاجئا. إلا أنه لا يزال يثير القلق لأن التصويت من أجل الاستقلال، على الرغم من أنه غير ملزم، قد لاقى معارضة شرسة من جميع جيران حكومة إقليم كردستان العراق وتركيا وإيران وسوريا مع عدد كبير من السكان الأكراد وكذلك من الولايات المتحدة وروسيا. وهذا يعني أن حكومة إقليم كردستان معزولة داخل منطقتها من القوى الكبرى، ولا سيما من الولايات المتحدة، التي وفرت لها غالبية دعمها منذ غزو صدام للكويت في عام 1990.

وليس من الصعب فهم السبب الظاهر الذي أدى إلى إجراء الاستفتاء وكذلك نتائجه. كان الأكراد ينتظرون بصبر دولتهم، التي وعدت بها معاهدة سيفري (1920) قبل قرن. إن معاهدة لوزان (1923) في ختام حرب الاستقلال التركية لم تنكر على الأكراد دولة خاصة بهم فحسب، بل وفرت أيضا شرعية دولية لتقسيم السكان الأكراد، الذين يبلغ عددهم الآن نحو ثلاثين مليونا، بين تركيا والعراق، سوريا وإيران.

تجدر الاشارة الى ان تركيا التى تضم حوالى ثلث اجمالى السكان الاكراد كانت فى حالة حرب انفصالية كردية منذ عام 1984. وبعد هدوء قصير خلال العقد الماضى ازداد هذا الصراع مرة اخرى خلال العامين الماضيين. وكان ذلك نتيجة لقيام الرئيس أردوغان بتبني خط صلب إزاء القضية الكردية من أجل كسب التأييد من الأتراك المتطرفين لتوطيد سلطته من خلال إحداث تغييرات في الدستور التركي.

ومن المفارقات أنه منذ التسعينات كانت تركيا شريان الحياة الرئيسي لحكومة إقليم كردستان التي تشارك في توفير السلع والخدمات، في قطاع البناء، في المقام الأول، إلى الكيان غير الساحلي. وقبل كل شيء، كانت  قناة لتصدير النفط عبر خط أنابيب تسيطر عليه تركيا من حكومة إقليم كردستان، وغالبا ما كان ذلك في تحد لرغبات بغداد. وأثار الاستفتاء وأثره المحتمل على تطلعات الأكراد في تركيا غضب أنقرة إلى حد أنها أعلنت أنها ستعمل من الآن فصاعدا على التعامل حصرا مع الحكومة العراقية فيما يتعلق بتصدير النفط الخام من شمال العراق، مما يهدد قطع وصول حكومة إقليم كردستان إلى خط الأنابيب التركي. وتصدر حكومة إقليم كردستان حوالي ستمائة ألف برميل من النفط الخام يوميا عبر تركيا. إن الاعتماد الاقتصادي لحكومة إقليم كردستان على تركيا يوفر لانقرة قدرا كبيرا من النفوذ الاقتصادي مع أربيل، والتي من المرجح أن تحاول ممارسته في الأيام المقبلة.

وتشكل حكومة إقليم كردستان من الناحية الفنية جزءا من العراق، وبالتالي فإن البلاد هي الأكثر تأثرا سياسيا بنتيجة الاستفتاء الذي يهدد ببدء عملية تفكيك دولة بالفعل في حالة هشة بسبب الانقسام السني الشيعي واستمرار سيطرة الدولة الإسلامية على اراض داخل العراق. وقد أصبحت المشكلة أكثر تعقيدا لأن حكومة إقليم كردستان قررت إجراء الاستفتاء ليس فقط ضمن المناطق المحددة للكيان الكردي ولكن خارج حدودها في المناطق المجاورة التي يسيطر عليها الأكراد والتي استولت عليها عندما تراجع الجيش العراقي في مواجهة هجوم الدولة الإسلامية في 2014.

مدينة كركوك وضواحيها تكمن في قلب هذه المشكلة لأن كركوك مدينة مختلطة عرقيا، ولأن المنطقة تتدفق بالنفط الذي كانت تسيطر عليه بغداد حتى تم السيطرة عليها من قبل البيشمركة الكردية. رفضت حكومة إقليم كردستان التخلي عن السيطرة على كركوك لأنها تعتبرها قلب الأراضي الكردية. كما انها لن تتخلى عن النفط الذى ادعته فى المنطقة. وفي حين يبدو أن بغداد مستعدة للتعامل مع الاستفتاء، خاصة أنه غير ملزم، حيث أن لدى حكومة إقليم كردستان شريحة من المساومة  لإقناع الحكومة المركزية بالتنازل عن بعض مطالبها الاقتصادية والسياسية، فإنها غير راغبة على الإطلاق في قبول السيطرة الدائمة لحكومة إقليم كردستان على كركوك ونفطها وهو ما يشير إليه الاستفتاء.

وقد هددت بغداد بالذهاب إلى الحرب على هذه القضية وأغلقت المجال الجوي العراقي على الرحلات الجوية من وإلى حكومة إقليم كردستان. وما إذا كان العراق يمكن أن يحشد القوات لمهاجمة البشمركة في كركوك مسألة أخرى خاصة لأنها تشارك في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية بدعم أمريكي لإخراجها من الأراضي العراقية المتبقية التي تسيطر عليها. ومع ذلك، فإن الميليشيات الشيعية المدعومة  من إيران تشارك أيضا في معركة تنظيم الدولة الإسلامية وتأخذ أوامرها من طهران بدلا من بغداد. أعلنت قوات الحشد الشعبي العراقية، وهي الاسم الجماعي للميليشيات الشيعية، أنها لن تقبل الاستقلال الكردستاني عن العراق. حذر قادة قوات الحشد الشعبي بشكل خاص من أن محافظة كركوك من المرجح أن تكون نقطة الانقسام بين قواتها وبين البيشمركة الكردية في المستقبل القريب.

ويعكس موقف قوات الحشد الشعبي موقف إيران الذي حظرت أيضا جميع الرحلات الجوية من وإلى إقليم كردستان عبر أجواءها. وتلتزم ايران بالسلامة الاقليمية للعراق وخاصة انها لا تريد ان تفقد الحكومة المركزية التى يهيمن عليها الشيعة السيطرة على كركوك ونفطها. ومن المرجح أن تدعم الميليشيات الشيعية من خلال تزويدها بالأسلحة إذا قررت مهاجمة البشمركة في مدينة كركوك المختلطة وأماكن أخرى. وتشعر طهران بخيبة أمل خاصة من أن الحزب الثانى في كردستان العراق، الذى يسيطر على الجزء الشرقى من الجيب الكردى، بما فى ذلك مدينة السليمانية، لم يفعل ما يكفي لتخفيف نتائج الاستفتاء. وقد حافظ الاتحاد الوطني الكردستاني على علاقات قوية مع طهران التي دعمت الطالبانيين الذين يسيطرون على الاتحاد الوطني الكردستاني في صراعهم مع السلطة البارزانية. ويسيطر البارزانيون على الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يحكم على أربيل والجزء الأوسط والغربي من حكومة إقليم كردستان.

فلماذا بعد ذلك أجرى الرئيس بارزاني الاستفتاء في خضم هذه البيئة الإقليمية العدائية التي قد تؤدي فيها خطوة خاطئة إلى حرب إطلاق نار من المرجح أن تضاف إلى الفوضى المستعرة في الشرق الأوسط؟ الجواب على الأرجح يكمن في الوضع المحلي في حكومة إقليم كردستان حيث أصبحت الحكومة غير شعبية للغاية بسبب سلوكها الفاسد والاستبدادي. ولم تجر الانتخابات لبرلمان حكومة إقليم كردستان لسنوات، وأن هيئة آب / أغسطس تجتمع بشكل غير منتظم. هناك تفاهم غير رسمي بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني ( عشائر البرزاني والطالباني) لتقسيم الأرغفة والأسماك وحكمها دون عوائق داخل مناطق نفوذها. وقد أدى ذلك إلى تكثيف المعارضة ضد سلطات حكومة إقليم كردستان وضد الطرفين الرئيسيين.

ويبدو أن القيادة الحالية لحكومة إقليم كردستان قررت إجراء الاستفتاء من أجل تحويل انتباه سكانها، وخاصة الشباب الساخطين، عن أوجه قصورها. ويتساءل المرء إذا كان هذا التكتيك  الالهائي يستحق خطر اندلاع حريق كبير آخر قد يشعله في الشرق الأوسط المتقلب.

 

 

محمد أيوب

ناشيونال انترست

٤أكتوبر, ٢٠١٧

 

 

محمد أيوب هو أستاذ جامعي متميز في العلاقات الدولية في جامعة ولاية ميشيغان وزميل بارز في مركز السياسة العالمية.

السابق
النائب الشهيلي يحكم مع وقف التنفيذ رغم جرمه!!
التالي
يحتاج الأكراد العراقيون إلى الديمقراطية قبل الاستقلال

اترك تعليقاً