اخترنا لكم

هل يمكن منع إيران من امتلاك القنبلة النووية؟

بقلم: رينو جيرارد

يوم 24 يناير 2021 جرت مكالمة هاتفية ما بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن وقد أجريا أول حوار استراتيجي، حيث تم التركيز طويلا على الملف النووي الإيراني. أبدى الزعيمان الفرنسي والأمريكي عزمهما على خفض التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط وتعزيز الأمن والاستقرار في هذه المنطقة التي ظلت تعاني من الصراعات والحروب والتوترات الحادة منذ القرار الكارثي الذي اتخذته إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن بشن حرب أنجلو-ساكسونية وغزو العراق وإسقاط نظامه في سنة 2003.

أما اليوم فإن النظام الثيوقراطي الحاكم في الجمهورية الإيرانية هو الذي يمثل السبب الرئيسي في تقويض الأمن وزعزعة الاستقرار الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط. فالنظام الحاكم في طهران معتد بنفسه، سريع الانفعال، مريب ومعقد ويرتاب في كل شيء، كما أنه يخضع داخليا لجميع أنواع المزايدات القومية العصبية.

لا تزال الجمهورية الإيرانية تعاني حتى اليوم من تبعات حرب الثمانية أعوام التي خاضتها ضد العراق في الفترة ما بين سنتي 1980 و1988، فضلا عن التدخلات الأجنبية في إيران. وفوق ذلك كله فإن الجمهورية الإيرانية دولة يصعب التفاوض معها.

اتفق الرئيسان إيمانويل ماكرون وجو بايدن على ضرورة تجنب الوقوع في هوتين اثنتين في عملية إدارة الملف النووي الإيراني، لأن من شأن ذلك أن يزيد في زعزعة استقرار منطقة الشرق الأوسط التي تتخبط بطبيعتها في العديد من الاضطرابات والصراعات والتوترات، سواء ما بين دول المنطقة، أو في داخل الكثير من هذه الدول.

تتمثل الهوة الأولى في نجاح الجمهورية الإيرانية في امتلاك القنبلة النووية رغم العقوبات والضغوط وحتى التهديدات الدولية. أما الهوة الثانية التي يجب تجنبها نظرا إلى خطورة ما قد يترتب عليها من تداعيات وخيمة لا يمكن التحكم في نتائجها فهي تتعلق بإمكانية إقدام إسرائيل على ضرب المنشآت النووية الإيرانية.

لقد علمنا التاريخ الحديث أن الحروب الاستباقية أو الوقائية كثيرا ما تأتي بنتائج عكسية من حيث ما قد يترتب عليها من تداعيات إقليمية وحتى عالمية، وسواء على المدى المتوسط أو المدى البعيد.

ألا تملك بلاد فارس الحق في امتلاك الأسلحة النووية وهي التي تجد نفسها اليوم محاطة بلاعبين آخرين يمتلكون السلاح النووي، على غرار روسيا شمالا، وباكستان شرقا، وإسرائيل غربا والبحرية الأمريكية جنوبا؟

يعتبر الغربيون بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، إضافة إلى الروس والصينيين، عرَّابي معاهدة منع الانتشار النووي، وهم يدركون جيدا أنه إذا نجحت الجمهورية الإيرانية في امتلاك السلاح النووي فإن ذلك سيعني نهاية معاهدة منع الانتشار النووي، علما بأن إيران من الدول الموقعة عليها.

أما على مستوى منطقة الشرق الأوسط، فإن نجاح الجمهورية الإيرانية في امتلاك السلاح النووي قد يدفع أربع قوى إقليمية على الأقل إلى إطلاق برامجها النووية العسكرية الخاصة بها – تركيا، مصر، دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية.

لقد أظهرت لنا أزمتا كوبا في سنة 1962 وكشمير في سنة 2002 أن اللعبة النووية تكون محفوفة بالكثير من الأخطار عندما تكون لعبة ثنائية، يرمي من خلالها الطرفان المعنيان إلى تحقيق ما يسمى استراتيجية أو مبدأ «توازن الرعب»، مثلما كان يحدث من قبل ما بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي في ذروة الحرب الباردة والمواجهة ما بين المعسكرين الغربي الرأسمالي والليبرالي والشرقي الشيوعي.

بعيدا عن اللعبة الثنائية بين القطبين أو الطرفين، لا ينكر أحد ازدياد خطر حدث نووي عرضي على وجه الخطأ، يكون ناتجا عن تفسير خاطئ للنوايا والإشارات أو حتى ردود الأفعال التي قد تصدر عن قوة واحدة أو عدة قوى تصنف على أنها معادية.

فما بالك عندما يتعلق بلعبة نووية إقليمية في منطقة حساسة واستراتيجية مثل الشرق الأوسط، يكون أطرافها أربعة أو ستة أطراف متنافسة ومتناحرة ومتعادية؟ إنها ستكون بطبيعة الحال لعبة أكثر خطورة، لذلك فقد كانت الدول ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي بمنظمة الأمم المتحدة على حق عندما أرادت العمل على تفادي الانزلاق في مثل هذه اللعبة النووية المحفوفة بالمخاطر في منطقة الشرق الأوسط.

تعرف الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة الرئيس الديمقراطي جو بايدن بتبنيها لنهج النقاشات والمقاربات المتعددة الأطراف، لذلك فإنه من المنتظر أن تعمل على فرض احترام معاهدة منع الانتشار النووي، مثلما أنها التزمت من قبل بالعمل على نزع السلاح وقد تقدمت باقتراح لتمديد معاهدة «نيوستارت» مدة خمس سنوات أخرى مع الروس وقد رحبت سلطات موسكو بذلك العرض رسميا.

يجب أن نقول أيضا إن النظام الثيوقراطي الحاكم في طهران قد أبدى غضبه من فشل الاتفاقية التي أبرمت في شهر يونيو 2015 ما بين مجموعة 5+1 (الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا +ألمانيا) والجمهورية الإيرانية، وذلك عقب القرار الذي اتخذته إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بالانسحاب من تلك الاتفاقية وإعادة فرض العقوبات على إيران.

ينص اتفاق فيينا، الذي تفاوض بشأنها جون كيري كممثل عن الولايات المتحدة الأمريكية، على التزام إيران بتعليق برنامج تخصيب اليورانيوم، وذلك في مقابل رفع العقوبات التجارية المشددة على الاقتصاد الإيراني.

يعتبر الحرس الثوري، الذي يمثل النواة المتشددة في داخل النظام الثيوقراطي الحاكم في طهران في قرارة أنفسهم أن امتلاك القنبلة النووية سيمثل في حد ذاته ضمانة لبقاء النظام الإيراني ورد لا بد منه من أجل إعادة فتح الحوار على أساس الندية مع الولايات المتحدة الأمريكي، ولذلك فهم يدفعون الآن باتجاه إنتاج معدن اليورانيوم، والذي لا يمكن أن يكون استخدامه إلا عسكريًا.

أما المعتدلون، الذين يحسب عليهم الرئيس الإيراني الحالي حسن روحاني ووزير خارجيته جواد ظريف، فهم يعتبرون أن الاقتصاد له كل الأولوية وأنه لا بد من العمل على رفع العقوبات التي تمنع إيران من بيع نفطها في الأسواق البترولية العالمية. من حسن الحظ أن المفاوضات التي قد تحدث مستقبلا ستجري فيما الجمهورية الإيرانية لا تزال محافظة على عقيدتها الرسمية الرافضة للسلاح النووي.

تولى الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما مقاليد الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية على مدى عهدتين امتدتا ما بين سنتي 2009 و2016. في شهر يونيو من سنة 2009 ألقى الرئيس أوباما خطابا من على منبر جامعة القاهرة عبر فيه عن نيته العمل على الانفتاح على العالم الإسلامي، كما تطرق إلى عدة ملفات وقضايا تهم منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي.

في شهر مارس من سنة 2009، اتخذ الرئيس باراك أوباما خطوة اعتبرها المحللون «سياسة اليد الممدودة» إلى الجمهورية الإيرانية، حيث مد أوباما غصن الزيتون إلى نظام طهران، وقد أفضت تلك السياسة في نهاية المطاف إلى إبرام الاتفاق النووي في شهر يوليو من سنة 2015، ما بين مجموعة 5+1 (الولايات المتحدة الأمريكية، روسيا، الصين، فرنسا وبريطانيا+ ألمانيا) من ناحية والجمهورية الإيرانية من ناحية ثانية.

يبدو أن الرئيس الأمريكي جو بايدن ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون يرغبان في إعادة إيران إلى حظيرة الأمم، حتى «تلعب دورها في الحفاظ على الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، بدل أن تكون قوة مزعزعة للاستقرار».

يبدو إذن أن الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية سيعود إلى نفس لعبة «خذ وهات» مع الجمهورية الإيرانية. فالرئيسان الغربيان، جو بايدن وإيمانويل ماكرون، يريدان أن يبعثا بالرسالة التالية إلى نظام طهران: «تخلوا عن قدرتكم على خلق المشاكل العسكرية وسنساعدكم بالمقابل على التحول إلى قوة تجارية كبيرة ما بين الشرق الأوسط وآسيا».

كي تنجح هذه المفاوضات المتوقعة يتعين على الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والأطراف الأخرى إبداء الكثير من الحنكة السياسية والدبلوماسية، على أن تبدي الجمهورية الإيرانية ومرشدها الأعلى المرونة اللازمة حتى يتسنى التقدم إلى الأمام. يظل الغموض يكتنف كل شيء في الوقت الراهن.

اخبار الخليج

السابق
دراسة تحدد نوع ’اللقاح الفعال’ ضد النسخة البريطانية من فيروس ’كورونا’
التالي
ترجيحات بتمرير موازنة 2021 بمعزل عن الأكراد لاول مرة منذ سقوط نظام صدام

اترك تعليقاً