أعلام وتراث

وادي دجلة والفرات بعد البابليين والأشوريين

 

ليس من شأننا أن نتحدث عن السياسة في هذا الجزء من الأرض، فذلك ميدان التاريخ السياسي ومن مهمة المؤرخ السياسي الذي يتخذ من التغير السياسي ميداناً لبحثه، ومن الأحداث السياسية موضوعاً لأحكامه، ومقدمة لما يريد أن يسجله من نتائج.

ولقد إلتزمنا فيما مضى أن ندع السياسة جانباً حتى لا تشغلنا بأحداثها وتقلباتها عما وقفنا أنفسنا من أجل درسه، وهو موضوع الحضارة في تلك البيئة بالرغم من الصلات الوثيقة بين السياسة والحضارة.

ومع إعترافنا بأن الحضارة تسير في ركاب السياسة إلى حد بعيد فإننا نكتفي هنا كصنيعنا من ذي قبل، بمجرد الإشارة إلى أهم الأحداث السياسية التي كان لها أثر بالغ في مجرى سير الحضارة، وما إنتابها من إشارف وأفول.

رأينا أن السلطان السياسي كان أولاً في يد السومريين والأكاديين وإستمر ملوك هذين الشعبين يقبضون على زمام الأمور من القرن الخامس والأربعين حتى القرن الخامس والعشرين تقريباً قبل الميلاد.

ومنذ ذلك التاريخ ينتقل الأمر إلى يد البابليين، ويستمر حكمهم في تلك البلاد حتى تسقط دولة حمورابي في القرن الحادي والعشرين بواسطة الكاشيين ويبقى هؤلاء في البلاد حتى ينض البابليون من جديد ويخرجوهم في حوالي القرن الخامس عشر قبل الميلاد، وهنا تعود السلطة إلى البابليين ولكنهم يحكمون حكماً مضطرباً تسوده الفوضى حتى القرن الحادي عشر قبل الميلاد، فتأتي أشور لتخرب بابل وتضمها إلى مملكتها، ومنذ ذلك الوقت يبدأ نوع من الصراع السياسي بين بابل وأشور تكون الغلبة فيه دائماً لأشور.

وعلى حساب هذا النزاع شعب الميديين في الشرق من وادي دجلة والفرات، ويظهر كقوة سياسية ينبغي أن يحسب لها حساب، وأخيراً لا يجد البابليون وسيلة للتخلص من حكم الأشوريين سوى إستعانتهم بهذا الشعب الفني فيتمكنون بذلك من القضاء على أشور وإنشاء دولة بابل الثانية في القرن السابع قبل الميلاد.

ويبقى سلطان البلاد في يد بابل حتى يأتي قورش ملك الفرس في حوالي منتصف القرن السادس قبل الميلاد ويقضي على سلطان الساميين نهائياً في وادي دجلة والفرات، وإذا كانت هذه البيئة قد تواردت عليها كما رأينا تلك الدول العديدة، ومرت بها تلك الحكومات المتباينة فإنها قد بقيت مع ذلك موطناً لثقافات متشابهة إن لم يكن هذا التشابه في مداها فهو على الأقل في أصولها وفي العناصر الهامة التي يعتمد عليها:

إذ أن الثقافة الدينية ظلت نحواً من أربعين قرناً وهي تستمد أصولها من دين السومريين وكذلك مبادئ الطب والفلك والرياضة أو لعل أهم من ذلك كله هو أن الوسيلة الوحيدة التي كانت تدون بها كل تلك العلوم والمعارف ظلت الكتابة المسمارية لم تتغير حتى أزال الفرس نهائياً سلطان الساميين من وادي دجلة والفرات، ثم من مستعراتهم في آسيا الصغرى، وفي بلاد الشام، بل أن الفرس أنفسهم ظلوا يستخدمون هذا الخط المسماري حيناً من الزمن.

ومن هنا نستطيع أن نقرر مطمئنين أن سلسلة الحضارة القديمة في هذه البيئة بقيت متصلة الحلقات بالرغم مما أصابها من تصدع أثناء الهزات السياسية العنيفة.

ثم ماذا أصابها بعد فتح الفرس؟

لقد كان من حسن الحظ بالنسبة لهذه الحضارة أن كان الفرس الفاتحون أقل من أصحابها ثقافة وعلماً، وإن كانوا كذلك يتسمون في أغلب أحيانهم بسمات التسامح فأبقوا على حضارة البلاد التي أدخلوها تحت سلطانهم، وأخذوا منها ما إستطاعوا بواسطته تقويم حضارتهم، والرقي بها إلى درجة تجعلها تعد في صف الحضارات القديمة الراقية.

مما حدث في وادي دجلة والفرات يظهر الفرق بين من يؤرخ للحضارة ومن يؤرخ للسياسة فالمؤرخ السياسي أن يقول وهو صادق في قوله: إن الدولة البابلية قد سقطت على يد قورش عام 583 قبل الميلاد، ولكنه لا يستطيع أن يقول قد زالت الحضارة البابلية بزوال دولتها في نفس التاريخ، إذ أن قيام الدولة أو سقوطها قد يكون وليد يوم وليلة، وليس الأمر كذلك بالنسبة لحضارتها التي هي وليدة أجيال وقرون، والتي إمتزجت بدماء الشعب فأضحت تكون عنصراً من كيانه، ولذا فقد تزول الدولة سياسياً ولكن حضارتها تبقى مائلة حية لا تتأثر بالأحداث السياسية المفاجئة إلا قليلاً، بل ربما تؤثر حضارة الشعب المغلوب على أمره في الشعب الغالب تأثيراً بعيد المدى مثل ما حدث في وادي دجلة والفرات، وما حدث بين الروم واليونان، إذ أن روما بعد أن إستولت على بلاد اليونان وأخضعتها لسلطانها، إستمرت حضارة اليونان تسير في الطريق الذي رسمته لنفسها، لا في بلاد اليونان فقط، بل في جزر البحر الأبيض المتوسط وفي شمال أفريقيا، وفي سوريا وما جاورها شرقاً وشمالاً وكل هذا كان من مستعمرات الروم.

بل لقد وجدت لها في عاصمة الروم أنفسهم أشياعاً ومؤيدين، فإنتشرت في روما، وأخذت تغزو الروم الضئيلة وأفكارهم المحدودة، ولهذا فقد ردد كثير من الكتاب اللاتينيين هذه العبارة، وما كانوا يجدون حرجاً في ترديدها، ولا ضيقاً في الإعتراف بها:

إن اليونان المنهزمة قد عزت غازيها العنيد وأدخلت الفنون في بيئة لاسيوم المتوحشة، والذي صنعه الروم في بلاد اليونان هو نفس ما صنعوه في ممتلكاتهم كسوريا، وفلسطين، ومصر، وكذلك حين غزا القوط روما وأسقطوها في أوائل القرن الخامس بعد الميلاد فإن الحضارة اللاتينية لم تنته بإنتهاء الحكم الروماني، بل إستمرت تؤدي رسالتها مدة طويلة من الزمن حتى لقد تبناها الغزاة أنفسهم، فأخذوا عنها، وتأثروا بها، وكان في مسلكهم إزاءها إعتراف منهم بما لها من سبق على معارفهم الضئيلة، وبما يؤمل منها من خير بالنسبة لرقيهم، وللسير قدماً بدولتهم، فكانت نظرتهم إلى حضارة روما بما فيها من علم وفن وأدب، بل وبما كانت تسجل به من لغة، نظرة إحترام وتقدير بالرغم مما أعملوه في العاصمة نفسها من تخريب وتدمير، ولهذا فإنهم

سرعان ما وقعوا على تلك الحضارة يبحثون عن آثارها، ويديئون بمبادئها ويدرسون لغتها، ولا يألون جهداً في رعاية تراثها، إذ أنهم ما كاد يستتب لهم الأمر، وتهدأ الإضطرابات حتى بدأوا يكلفون كثيراً من العلماء والأدباء بأن يؤلفوا وينتجوا باللغة اللاتينية، والذي صنعه الفرس بالنسبة للحضارة البابلية – الأشورية، وصنعه الروم بالنسبة للحضارة اليونانية، وصنعه القوط بالنسبة للحضارة اللاتينية هو صورة لما صنعه العرب في بيئة العراق بعد فتحهم لها، وخصوصاً بالنسبة لعلماء السريان ومعارفهم.

لم يقض الفرس إذن على الحضارة (البابلية – الأشورية) كما قضوا على سلطان الساميين، بل إن هناك من الأدلة ما يثبت أنهم أبقوا عليها، وإستغلوا مظاهرها، وإنتفعوا بما وجدوه منها إلى حد بعيد، إذ أنهم ألقوا بكثير من زمام أمورهم إلى بقايا الساميين الذين لم يتمكنوا من الهجرة، أو الذين فضلوا البقاء في بلادهم بالرغم من إحتلال الفرس لها، فكانوا يستعينون بعلمائهم ومشرعيهم، ثم بصناعهم وفنانيهم، فإستمر النشاط العقلي كما كان بفضل ما وجدوه من إستتباب في الأمن بعد الفتح، وما رأوه من تسامح وتشجيع من جانب الفاتحين.

وكثير من قصورهم ومدنهم، وطرق مواصلاتهم لم يتم إلا بواسطة مهندسين وفنانين من بابل وأشور، وكثير من أفكارهم ومعارفهم، على قلتها، مستمد من أفكار ومعارف بابلية وأشورية، وهكذا إستمرت سلسلة الحضارات القديمة متصلة في بيئة العراق بالرغم من فترات الحروب والإضطرابات، وهكذا أصبح الفرس ورثة لتلك الحضارات، لا مهملين لها، ولا جناة عليها.

وإذا كان لنا أن نبحث عن الأثر الذي تركه الفرس في الحضارة البابلية – الأشورية مثل صنيعنا عند الكلام على كل دولة حكمت العراق سياسياً فإن ذلك يبدو واضحاً في ناحيتين: الناحية الدينية، والناحية اللغوية.

أما بحثنا في الأثر الديني فيلزمنا بأن نعود إلى الوراء قليلاً كي نعرف شيئاً عن الدين الفارسي كيف نشأ؟ وكيف تطور؟ ثم ماذا كان أثره في وادي دجلة والفرات بعد أن خضع هذا الوادي لسلطان الفرس وأصبح جزءاً من مملكتهم المترامية الأطراف؟

إن الباحث في هذه المسألة يجد أنه لا يكاد يختلف الدين الفارسي القديم عن سائر الأديان الأخرى التي كانت تعاصره والتي وجدت من قبله: عدد من الآلهة يتزعمهم رئيس أعلى، وقد تمثل هذه الآلهة في أشكال تماثيل أو في كائنات حيوانية، ثم مزيج من العبادات والطقوس الدينية، وأغلب الظن أن هذا الدين الفارسي قد تأثر في أول عهده بالديانة البابلية، وكانت الفلسفة الدينية إذ ذاك متمشيه في بساطتها مع الدين نفسه، ولكن هذا الدين قد خطا خطوة واسعة نحو النضوج والكمال وذلك أثر وجود رسول ذي رسالة دينية خاصة، كما يزعم الفرس أنفسهم حينما يتحدثون عن دينهم، وعن المراحل التي مر بها.

وهذا الرسول هو زرثسترا صاحب الديانة الزردشتية، وليس لنا أن نتعرض لطبيعة هذا الرسول ولا لعقائد الفرس فيه من حيث نشأته وهبوط الوحي عليه، وتسجيل المبادئ الدينية في كتاب مقدس، فإن ذلك قد يثير خلافاً طويلاً لا جدوى منه ولا طائل تحته، إذ أن حياة هذا الرسول الفارسي كما يصورها الفرس أنفسهم تكاد تكون صورة من حياة الرسل الساميين أصحاب الكتب المقدسة، والديانات السماوية، والمبادئ الألهية.

وحسبنا من كل ذلك أن نعرف فقط أن (زرثسترا) بدأ دعوته الدينية بإعلان حرب لا هوادة فيها ضد أصحاب الديانة الفارسية القديمة وإستمر ينشر دعوته ويبطل ديانة المجوس حتى دانت بلاد الفرس لرسالته، وإنزوت الديانة القديمة في بعض الجهات النائية، شأن كل ديانة جديدة تدخل في صراع مع الديانات القديمة، ولعل من أثر هذا الإضطهاد الديني أن هاجر كثير من الكهنة المجوس وإستقروا في وادي دجلة والفرات يمارسون تعاليمهم الدينية حتى جاء الإسلام فوجد كثيراً من آثارها في هذه البيئة، وقد نقلت لنا كتب التفسير، والتاريخ، والأدب صورة واضحة عن تلك الديانة وعن تعاليمها، وما كانت تتطلبه من أتباعها من نظام، وتقديس، وعبادات.

وأهم ما نلاحظه في الديانة الزردشتية هو ما يختص بفكرة التوحيد، وهذا يدل بوضوح على درجة نضوج العقل والتفكير، إذ أن العقل الي بدأ يتصور الوحدة في الألوهية، ثم يجرد هذه الوحدة عن عالم المحسوسات ذوات القوة الظاهرة والأثر الفعال في نظام الكون، هو بلا ريب عقل متحرر كبير ممتاز، ولقد نشأة بعد فكرة الوحدة في الألوهية عند الفرس فكرة الثنانية التي تدين بقوتين خطيرتين في العالم: هما قوة الخير وقوة الشر: يرمز إليهما بإلهين: إله الخير هو أهورا – مزدا، وإله الشر هو أهرمان ومع ذلك فلا نزال نلاحظ كذلك مع التثينة فكرة التجريد من عالم المحسوسات وبمضى الزمن قد تعددت قوى الشر بتعدد صوره وما كان يصاحب ذلك من دوافع وإغراءات، وقد أدخل أتباع هذا الرسول كثيراً من التعديل على هذه الديانة وإغراءات، وقد أدخل أتباع هذا الرسول كثيراً من التعديل على هذه الديانة ولكنها مع ذلك إستمرت تستمد عناصرها الأساسية من الفكرة الأولى – فكرة التجريد – وتستلهم تعاليمها من مبادئ المؤسس الأول لها – زرثسترا -.

ومهما يكن من شيء فإن الفرق يبدو واضحاً بين الأسس الأولى لهذا الدين الجديد والعقائد القديمة لدى البابليين والأشوريين: فبينما نجد هنا فكرة التوحيد أو الثنائية المجردة، إذ بنا نجد عدد الآلهة المجسمة في كثير من الأحيان عند البابليين يصل إلى 65,000 إليه حوالي القرن التاسع عشر قبل الميلاد، وفكرة التجسيم في الآلهة فكرة ساذجة في حد ذاتها، ولكن من الغريب أنها إستطاعت أن تسيطر على كثير من العقول الكبيرة الواسعة في أزمان طويلة.

وهكذا إستطاعت الديانة الفارسية أن تثبت شخصيتها في العقائد، والطقوس والديانات، وإستطاعت كذلك أن تبرز للناس في ثوب جديد له رواؤه بالرغم مما نراه في ثناياها من آثار للديانة البابلية والأشورية، وعلى الأخص فيما هو من قبيل الأساطير كقصة الطوفان، وقصة الخلق الأولى.

من ذلك نرى أن وادي دجلة والفرات قد تعرض لغزو ديني جاءه من الشرق أولاً بواسطة المجوس، أصحاب الديانة الفارسية القديمة الذين إضطهدوا في بلاد فارس حينما إعترفت الدولة بالدين الزردشي الجديد، وثانياً بواسطة أتباع زرثسترا، الذين جاءوا معترفاً بهم وبتعاليمهم من الحكومة المسيطرة على تلك الجهات، وفي هذا يتمثل الصراع الديني بين أتباع كل عقيدة في وادي دجلة والفرات ويستطيع القارئ بعد ذلك أن يتصور الآثار البعيدة المدى التي يمكن أن تخلفها هذه الخلافات الدينية في العقلية وما تنتجه من علوم ومعارف، وأن يعلل وجود هذه العقائد التي تجاوبت أصداؤها في الأدب العربي أيام العصر العباسي.

 

الدكتور حسن عون (العراق وما توالى عليه من حضارات)

السابق
استقرار العراق واعادة اعماره(1): المسار الصعب
التالي
مكتب العبادي يرد على تحذير واشنطن للعراق من شراء منظومة صواريخ اس 400 الروسية

اترك تعليقاً