رئيسية

وهل الدين إلّا الحب؟!

تكمن اهمية الحديث عن الحب والعشق في زمن ما أحوجنا اليه، خصوصا في ظل الكراهية والأحقاد التي خيمت على المجتمعات الاسلامية، وادت الى ما ادت اليه من دمار وخراب، وتشويه لصورة الاسلام، حتى بات الاسلام يقترن بشكل او بأخر ويا للاسف! بالعنف والتوحش والهمجية، وكل انواع التخلف واالرجعية، وقد غيبت تماما الصورة الاصلية والمشرقة للاسلام، والتي تقوم على المحبة والرحمة، وما سبب ذلك الا الاطماع في تحقيق الرغبات والنزوات، متخذين من الاسلام شعارا للوصول الى اهدافهم الدنيئة.

اذا عدنا الى الحديث المتقدم، نلاحظ ان جوهر الدين ومحتواه يقوم على الحب، فالحب هو الركيزة الاساسية التي ينطلق منها الاسلام في بناء ونسج منظومة علاقاته الاجتماعية، اي ان الروابط الاجتماعية يجب ان تحكمها بالدرجة الاولى قيم الحب والمودة والرحمة، وهذا المفهوم اكده القران الكريم من خلال اعتبار كون العلاقة التي تحكم الله بعباده هي علاقة الرحمة ولا تنبع الرحمة الامن خلال المحبة الكبيرة لانها احدى تجلياته الواضحة، ففي كل بدايات السور القرانية نجد ان آية البسملة التي تفتتح بها جميعها “بسم الله الرحمن الرحيم” والتي تستغرق كل معاني الرحمة وحالاتها، وانما ذكرت هاتان الصفتان دون غيرهما لينبهنا الله بان افعاله انما تقوم أساساً على الرحمة، والعقاب له طابع استثنائي لا ينزل إلاّ في ظروف خاصة، وفي الأدعية المروية عن آل بيت رسول الله: “يا من سبقت رحمته غضبه”  و”يا حبيب من تحبب إليه”، فالله هو الحبيب في علاقته مع عباده المحبين له.

اذن المؤمنون السائرون على على طريق الله ينبغي أن يقيموا نظام حياتهم على هذا الأساس أيضاً، وأن يقرنوا مواقفهم بالرحمة والمحبة، وأن يتركوا العنف إلى المواضع الضرورية، والاسلام انما يحثنا دائما على امتثال صفات الله في هذا العالم، وجعلها هي الصفات التي يجب ان تتحلى بها انفسنا، وجعلها المعيار النهائي في مسيرتنا وسلوكنا  اليومي، وهذا ما اشارت اليه الاحاديث:  “تخلقوا بأخلاق الله” اي بصفاته.

واكثر ما تتبدى حالة العشق، ورؤية الجمال في الوجود عند الصوفيين، والذي بالرغم مما خيم على الاسلام من فضاء صراع ونزاعات، لكنها تبقى هذه الصورة مشرقة في تاريخ الاسلام، فالصوفي ينبذ العالم بما فيه من شهوات، غير آبه بما يقوله الناس، ويفني نفسه من أجل الآخر،ويكفي لمعرفة حجم حضور الحب عند الصوفي، والتفاني من اجل تكريسه، اطلالة سريعة على بعض عناوين كتبهم التي تتضمن هذا المعنى:” كتاب عبهر العاشقين للشيخ روزبهان البقلى” و” رسالة في العشق لابن سينا” وغيرها، او ما كتب عنهم : ” كتاب فرسان العشق الإلهي لعمار علي حسن” و” كتاب بحار الحب عند الصوفية لاحمد بهجت “, وقد ساهم التصوف في صناعة لغة جميلة وفي اثراء الادبيات الاسلامية، من فنون وشعر وادب وعمارة تختصر معنى واحد وتعكس صورة فريدة تقوم على  اكتشاف المعاني السامية والمشاعر الجميلة التي تكتنف الكائن البشري في دخيلة وعيه وفي صميم وجدانه، وابرازها في الفنون المتنوعة، انها لغة وانماط من الابداع استطاعت ان تضفي سحرا خاصا على مشهدية الانسان والوجود، من خلال اطلاق العنان للخيال الخلاق في ان يسرح في معاني الوجود السامية، وان يستلهم الافاق الغريبة والمتعددة ، متجاوزا العالم المادي الذي يأسر الكيان البشري في منحى وبعدا واحدا، نحو عوالم روحية ومعنوية، انه الانسان المتنوع المشارب والمآرب.

وللصوفيين مقولة مشهورة: “العشق المجازي قنطرة للعشق الحقيقي” اي ان الانسان عليه ان يعيش معاني الحب ويكتشفه في حدود هذا العالم حتى يستطيع ان يجرده في حالة فريد ة مع الله، ومن لم يتمكن من ذلك( من عيش الحب واكتشاف معناه) كيف يقيم علاقة مع معنى مجرد؟!، وهذا ما يشير اليه الصوفيون في مقولة مشهورة عنهم:” الخيال عيل على الحس” وفي عملية السير والسلوك واحدة من المراحل التي على السالك ان يقطعها في سفره الى الله ” السفر من الخلق الى الحق ”  أي من حب الناس وخدمتهم تصل إلى حب الله سبحانه وتعالى.

لذا ينقل عن الكاتب والشاعر الفارسي عبد الرحمن الجامي مؤلف كتاب ” ليلى والمجنون” أو ” الحب الصوفي” أن العشق عند الصوفية يبدأ بالحب العذري، ثم يكون الحب الإلهي الشريف ، فاعتبر أن الحب العذري ضرب من التصوف.

ومن هنا نجد -عند الصوفيين – حجم الحضور للادبيات التي ترتبط بعشق المرأة والافتتان بها، وفي اشارة سريعة يكفي التعرض الى ما يقوله ابن عربي في حق الانثى – والذي يعتبر واحدا من ارباب هذا العلم – يقول: “المرأة صورة النفس، والرجل صورة الروح… فالمرأة في الحقيقة جزء من الرجل، وكل جزء دليل على أصله، فالمرأة دليل على الرجل” ناهيك عن ابن الفارض شاعر العشق، وغيره من ارباب هذا العلم.

والاسلام لم يحرم الحب ولم يجعل القيود والأغلال حول هذا المفهوم الجميل, بل أباح الحب لان الحب ينمي المشاعر الحميدة،وحس العطف والحنان والتضحية تجاه الاخر، انه هذا السيل الدافق من الاحاسيس الجميلة التي تهذب الكائن، لكن بشرط أن يكون عفيفاً لا ريبة فيه، اي ان الاسلام انما اراد ان يجعل ضوابط تردع الكائن البشري من ان يترك العنان لرغباته وشهواته في ان تتحكم به ،فالانسان اذا لم تكن لديه حدود وضوابط لاي فعل، فلا يبقى هناك مرجعية ضبط لايقاعه وبالتالي يستبيح الانسان كل القيم من اجل الوصول الى رغباته، وهذا ما نشهده في عالمنا اليوم:” قتل وتدمير وجوع وفقر واستلاب لكل الاعراف”، والسبب في ذلك تحقيق مزيدا من المكاسب ولو على حساب تدمير مجتمعات باكملها، فلا مناص من العودة نحو استلهام هذه المعاني الجميلة، خصوصا وان تراثنا حافل بهذه القيم والمعاني، بدلا من التلهي في صراعات لا تقدم ولا تؤخر، كل ذلك من اجل الحفاظ على مجتمعاتنا من التفتت والتفكك، والسعي نحو بناء مجتمع حضاري يقوم على اسس المحبة والتعاون؛” وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ”.

(الشيخ محد ضيا)

السابق
الديانة البابلية
التالي
الولاية نعمة الحريات والحقوق

اترك تعليقاً